العنوان ضوابط فقهية: العشر الأواخر والاعتكاف وليلة القدر
الكاتب د. مسعود صبري
تاريخ النشر السبت 29-أكتوبر-2005
مشاهدات 61
نشر في العدد 1675
نشر في الصفحة 42
السبت 29-أكتوبر-2005
تعد العشر الأواخر من رمضان موسمًا لا مثيل له عند المسلمين، ففيه ليلة القدر، وفيها سنة الاعتكاف التي يقبل عليها المسلمون في هذه الأيام، غير أن معرفة الناس بهذا تجعلهم دائما يتساءلون عن مزيد فضلها حتى يشحذوا الهمم في العبادة فيها.
هدي النبي في العشر الأواخر:
الشيخ محمد صالح المنجد من علماء المملكة العربية السعودية يذكر أن النبي ﷺ كان يجتهد في هذه الليالي ما لا يجتهد في غيرها ويستدل بحديث عائشة رضي الله عنها: «لا أعلم رسول الله قرأ القرآن كله في ليلة ولا قام ليلة حتى الصباح ولا صام شهرًا كاملًا قط غير رمضان... ويعلق على أن معنى أحيا الليل على أنه يقوم الليل كله، لكن يتخلل ذلك العشاء والسحور وغيرهما فيكون المراد أنه يحيي معظم الليل.
وأنه كان يحيي الليل في السنة كلها، لكن في هذه الأيام أكد وفعله هذا يدل على اهتمامه بطاعة ربه، ومبادرته الأوقات، واغتنامه الأزمنة الفاضلة، مما يدفع المسلم إلى الاقتداء به.
وقد ذكر الشيخ المنجد عددًا من فضائل العشر الأواخر أهمها: أن فيها ليلة القدر ونزول القرآن.
مبطلات الاعتكاف:
وحين يعتكف الناس يسألون عما يبطله، حتى يكون اعتكافهم صحيحًا ويرى الشيخ عطية صقر من كبار علماء الأزهر أن الذي يبطل الاعتكاف هو الخروج من المسجد لغير حاجة، وكذلك ذهاب عقله بجنون أو سكر، ومثله الحيض والنفاس للمرأة، كما يبطله الوطء لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ ﴾ (البقرة: ۱۸۷) لأن المكث في المسجد للجنب حرام، ويبطله أيضًا الردة لمنافاتها للعبادة.
وعن خروج المعتكف من مسجده يرى الشيخ المنجد أنه لا يحق للمسلم أن يخرج إلا لحاجة إيجابية ترتبط بتسهيل أمر الاعتكاف في المسجد وما عدا ذلك يجب أن يمتنع عنه وإن كان مباحًا وعلى المعتكف أن يستغل الفرصة للتخلص من المحرمات.
وبعض الناس يرى أن يذهب إلى عمله نهارًا ويرجع إلى المسجد ليلًا، فهذا لا يسمى اعتكافا كاملًا، وإن نال المسلم ثواب بقائه في المسجد، وقد ذكر العلماء ما يبطل به الاعتكاف من الخروج لغير حاجة، والجماع والحيض والنفاس وقضاء العدة وجعل الخروج المباح في حالات الضرورة كالخروج للطعام والشراب إن لم يجد من يأتي له بهما، وعند بعض الفقهاء لتشييع الجنازة وزيارة المرضى وإن كان ترك ذلك أولى.
ولكن لم يذكر أحدمكن الفقهاء أن من الضرورة أن يخرج المرء لعمله فالاعتكاف مطلوب فيه أن يتفرغ المسلم لعبادة الله تعالى، ولكن إن لم يستطع الإنسان التفرغ للاعتكاف، فلينوِ عند دخوله المسجد الاعتكاف، فعند الشافعية يجوز أن تكون مدة الاعتكاف لحظة.
استعمال الجوال:
ويكثر في الاعتكاف استعمال الهاتف الجوال وعن حكمه يرى الشيخ محمد بن صالح العثيمين من علماء السعودية أنه يجوز للمعتكف أن يتصل بالهاتف لقضاء بعض حوائج المسلمين إذا كان الهاتف في المسجد الذي يعتكف فيه لأنه لم يخرج من المسجد، أما إذا كان خارج المسجد فلا يخرج لذلك، وقضاء حوائج المسلمين إذا كان هذا الرجل معنيًا بها لا يعتكف؛ لأن قضاء حوائج المسلمين أهم من الاعتكاف لأن نفعها متعد والنفع المتعدي من النفع القاصر إلا إذا كان النفع القاصر من أفضل مهمات الإسلام وواجباته، وبهذا أفتى عدد كبير من علماء الأمة، بل لم يقل أحد ببطلان الاعتكاف بسبب استعمال الهاتف غير أن تركه أولى حتى لا يخرج عن جو الاعتكاف فمن مقصود الاعتكاف التخفف من الدنيا ومشاغلها، وفي استخدام الهواتف بكثرة إخراج للمسلم عن جو العبادة والاعتكاف.
في أي ليلة هي ليلة القدر؟
ويشيع بين معظم الناس البحث عن علامات لليلة القدر، ففي أي الأيام هي حتى يقوموا ليلها، فينالوا ثوابها. ولكن هل بالفعل هناك علامات لليلة القدر تعرف بها؟
وليلة القدر لا خلاف بين العلماء على أنها في شهر رمضان، وفي العشر الأواخر منه الحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان (رواه الشيخان). وهي في أوتار العشر أكد لحديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر» (رواه البخاري)، أي ليالي: إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين.. وهي في السبع الأواخر أرجى، لحديث ابن عمر:... من كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر (متفق عليه). وهي في ليلة سبع وعشرين أرجى ما تكون، ففي حديث أحمد وأبي داود: ليلة القدر ليلة سبع وعشرين وكونها ليلة سبع وعشرين هو مذهب أكثر الصحابة وجمهور العلماء، حتى أبي بن كعب t كان يحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين قال زر بن حبيش: فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها. (رواه مسلم). ويرى بعض العلماء أنها تتنقل وليست في ليلة معينة كل عام، كما نقل ذلك الإمام النووي في المجموع.
أما عن العلامات التي تعرف بها ليلة القدر، فقد ذكر العلماء بعضها استنادًا إلى بعض الأحاديث من ذلك أن الشمس تطلع صبيحتها لا شعاع لها (مسلم).
وأنها ليلة طلقة لا حارة ولا باردة تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة (ابن خزيمة والطيالسي). وأنها ليلة مضيئة كما روى الطبراني، ويغني عن ذلك كله الاجتهاد فيها، أو في العشر الأواخر من رمضان.
زكاة الفطر:
ومما يرتبط بفقه العشر الأواخر من رمضان إخراج زكاة الفطر، وفيها يقول الدكتور سالم أحمد سلامة من علماء فلسطين زكاة الفطر تجب على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى صغير أو كبير، ملك قوت يومه وليلته. أما وقت إخراجها؛ فقد ورد عن ابن عباس y قوله: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة - صلاة العيد - فهي زكاة مقبولة أداها. بعد الصلاة فهي صدقة من لصدقات، وقد اتفق العلماء على جواز إخراجها قبل العيد، وأفضل أيام إخراجها في الأيام الثلاثة الأخيرة من رمضان، وأجمع العلماء على أن إخراجها قبل صلاة العيد إنما هو المستحب وسر ذلك قوله: أغنوهم في هذا اليوم، أي حتى يكفوا عن المسألة.
إذًا زكاة الفطر يجوز إخراجها من أول يوم من رمضان وحتى آخر يوم إلى قبل صلاة العيد والأيام الثلاثة الأخيرة من رمضان. هي الأفضل والأفضل أكثر من ذلك أن تخرج قبل صلاة العيد حتى يغنوا الفقراء عن المسألة في يوم العيد.
ولكن قد يؤخرها البعض إلى بعد صلاة العيد وفي ذلك يقول الشيخ عطية صقر من كبار علماء الأزهر: يجوز تأخير زكاة الفطر عن يوم العيد والأفضل إخراجها قبل صلاة العيد لما روى البخاري ومسلم أن رسول الله أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، قال ابن عباس رضي الله عنه: فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات.
ومن الناس من يكون مسافرًا، فهل يرسل زكاة الفطر لأهل بلده أم يخرجها في البلد الذي هو فيه؟
■ يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:
فالمسلم يخرج زكاة فطره في البلد الذي يدركه فيه أول ليلة من شوال (ليلة العيد لأن هذه الزكاة ليس سببها الصيام وإنما سببها الفطر ولهذا أضيفت إليه وسميت زكاة الفطر، ولهذا لو مات إنسان قبل مغرب اليوم الأخير من رمضان لم تكن زكاة الفطر واجبة عليه، وإن صام سائر أيام رمضان، ولو ولد مولود بعد مغرب آخر يوم من رمضان أي في الليلة الأولى لدخول شهر شوال كان من الواجب إخراج زكاة الفطر عنه بالإجماع فهي زكاة مرتبطة بالعيد وبتعميم الفرحة به بحيث تشمل الفقراء والمساكين ولهذا جاء في الحديث: أغنوهم في هذا اليوم.
■ الإجابة للدكتور عجيل النشمي :
الإفطار.. بعد الخروج من البلدة
رجل عازم على السفر ويريد أن يفطر في سفره، علما بأن سفره سيكون بعد صلاة الظهر، فهل عليه إثم أو يلزمه شيء إذا أفطر هذا اليوم؟
والواجب على هذا الرجل أن يبيت الصوم، ويصوم. هذا اليوم إلى الوقت الذي يغادر فيه بلده، بمقدار مسافة القصر للمسافر وهي في حدود خمسة وثمانين كيلومترًا. فإذا ابتعد هذه المسافة سواء في البر أو البحر أو الجو، جاز له أن يفطر في هذه الحالة، وهذا قول جمهور الفقهاء ومستند ذلك ما رواه عبيد بن جبير قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري من الفسطاط إلى الإسكندرية في سفينة، فما دفعنا من مرسانا أمر بسفرته فقربت، ثم دعاني إلى الغداء، وذلك في رمضان، فقلت: يا أبا بصرة، والله ما تغيبت عنا منازلنا بعد قال:أترغب عن سنة رسول الله؟ قلت: لا. قال: فكل. فلم نزل مفطرين حتى بلغنا ما حوزنا. أي الموضع الذي ضمنا وأردنا السفر إليه (المنهل العذبي المورود ١٥٨/١٠ عن الدين الخالص (٤٠٠/٨).
■ عليها الإطعام:
امرأة عليها أيام كثيرة من صوم منذ سنوات بسبب الحمل والرضاعة ولكنها لم تصمها وقت صحتها، وهي الآن عاجزة عن الصيام بسبب كبر السن، فما الواجب عليها؟
المسلم إذا عجز عن أداء ما وجب عليه فإما أن يكون له بدل أو لا يكون له بدل، فإن كان له بدل انتقل إليه إن كان قادرا على البدل، وإن لم يكن له بدل أو عجز عن البدل سقط عنه. وهذه السيدة عجزت عن الصيام فيجب عليها الإطعام مع تقصيرها في التأخير، فعليها طلب الغفران والعفو عما قصرت فيه، وعليها عن كل يوم مقدار دينار أو ما يعادله.
■ لا يجوز الجزم بأنها ليلة السابع والعشرين: ليلة القدر ميزة وفضل اختصت بها الأمة الإسلامية
■ أراد الله من الأمة صدق التعبد فأبهم عليها الليلة حتى تكثر من العبادات.
د. حمدي شلبي – مدرس الحديث وعلومه بجامعة الأزهر
يتميز التشريع الإسلامي باستخدامه الأسلوب التكليفي الذي يوجه الفطرة إلى السواء، وكذلك تعدد الفرائض فيه والعبادات التي تستقيم مع الفطرة، فلم يثقلها فتعجز، ولم يترك هذا الأمر لطبع يختار فيكسل والإسلام قد أحسن استخدام أسلوبي الترغيب والترهيب لأن النفس البشرية إما أن تكون أمارة فترهب وتقهر، وإما أن تكون لوامة فترغب واستخدام هذا الأسلوب - الوعد والوعيد - ينمي في النفس الخير ويقوم فيها الاعوجاج، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس7-10).
فنلاحظ في الآيات الدلالات التعبيرية التي تحبب إلى النفس الخير فتفعله وتبغض إلى النفس الشر فتكرهه، وذلك الاستخدام يتمثل في هذه الكلمات (فجورها - تقواها - قد أفلح -زكاها - قد خاب - دساها).
وهنا تأتي البلاغة التشريعية حيث إنه يترك للعقل خيارات ومقارنات وهكذا في أساليبالقرآن التشريعية، ومن هذه التشريعات التي تزكي النفس الصيام.
العبادات طريق التزكية:
ومن رحمة الله بخلقه أن جعل أمر التشريع إليه، فلم يتركه لبشر يستحسن أو يقبح، ولأن من مقاصد العبادات أن تهذب السلوك الإنساني مع الله ثم مع الناس وتوحد غاياتها ووسائلها حتى تستقيم الحياة فإن القرآن ولذلك يأمرنا بالصلاة فيعطي هذا الأمر صورة لفظية تحفز النفس وتحدد لها الصفة، فيقول تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ( البقرة: 238) فهذه وسيلة لغاية.
وكذلك الصيام يأتي الأمر التكليفي به بهذا الأسلوب ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ( البقرة: 183) والإسلام في تكليفه هذا إنما يدفع في النفس روح القبول وفي الأداء الصدق، حيث قال: كما كتب على الذين من قبلكم، وربط الوسيلة بغايتها لعلكم تتقون)، وهكذا.
والإسلام في تشريعاته راعى جوانب النفس المختلفة فعدد العبادات ونوعها، ففي النفس اعوجاج لا يقوم إلا بالصلاة، وآخر لا يقوم إلا ـ بالصوم، وآخر لا يقوم إلا بالزكاة... إلخ.
عظمة التشريع: والتشريع الإسلامي تشريع جمع محاسن التشريعات ومزجها في منهجية واحدة، ناسخًا سابقه أو مضيفًا إليه ولذلك قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإسلام ۗ﴾ (آل عمران:۱۹).
ميزات الإسلام: وإذا كان الله قد جعل الدين عنده الإسلام فقد جعل له ما يميزه ويميز أتباعه في الكيفية والأداء والسلوك، فمثلًا الصيام شريعة سابقة والصلاة والزكاة إلا أن الإسلام جاء ليعطيها صورة جديدة مميزة. فالمشاركة مع السابق في الفريضة وليس في الكيفية فالأمة ميزت بالتشريع، فإذا قام المسلم بأداء عباداته علم أن دينه الإسلام وإذا ما تكلم علم أنه مسلم... إلخ. ولذلك جاء الخطاب حيث يقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسلام دِينًا﴾ (المائدة: ٣).
ليلة الشرف.. عطية وتقدير:
إن الله. تبارك وتعالى - يربط الأمة بالقرآن فيتحدث تارة عن عظمة القرآن وإعجازه وتارة عن عظمة الزمن الذي أنزل فيه وأخرى عن عظمة النازل به والمنزل عليه وعظمة الأمة المتبعة لهذا المنهج قال تعالى﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: ١٨٥). فإنزال القرآن نعمة وأي نعمة والنعمة تستوجب الشكر لم ينزل الله لنبيه الشكر وإنما حدده بأداء عبادة في زمن إنزال النعمة، وهذه العبادة ميزت الأمة بها في الكيفية، ويأتي التعظيم ليزداد فيرتبط الإنزال بليلة، فيقول ربنا: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ * وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ * لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ ﴾ (القدر: 1-3).
إنها سورة قرآنية ذات موضوع واحد وعنوانها القدر، والبدء غير مكرر إلا مع الفتح والكوثر، والخطاب فيهن لرسول الله ﷺ وأيًّا كان معنى القدر في الآية من التقدير والتعظيم والمكانة، وأيًا كان معنى الإنزال فالإنزال في الغالب يأتي لما أنزل جملة والتنزيل للعمل المنجم والبدء تنظيم وتكريم، حيث أضمر القرآن ولم يتقدم له ذكر شهادة له بالتشريف وأسنده إليه تعالى وجعله مختصًا به دون غيره ورفع مدة الوقت الذي أنزل فيه ثم تتوالى العبادات للأمة من خلال هذه الليلة الكريمة.
وكذلك نرى الرسول ﷺ بحث الأمة على طلبها وتحريها والتماسها رجاء تحصيل الفضل وكلام الرسول ﷺ يوحي إلينا بالأدب في الطلب والدأب فيقول: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه... ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه).
وهنا تتبين الغاية من الوسيلة (إيمانًا واحتسابًا) وكذلك يأتي هذا التعبير الذي تتبين حرص الجماعة المسلمة على تحصيل الشرف والقدر من ليلة القدر فيقول الرسول التمسوا وفي رواية: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، انظر: مسلم بشرح النووي، وعند البخاري، فالتمسوها في العشرالأواخر في الوتر».
وقال الله عنها مخيرًا ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾( الدخان: 3-4).
أمور تتبع وأخرى تترك:
1-الرأي الأصح هو أن ليلة القدر ميزة وفضل اختصت به الأمة دون غيرها.
٢- ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر.
-3 أراد الله من الأمة صدق التعبد فأبهم عليهم الليلة حتى تكثر الأمة من تقربها إلى الله. 4- ليلة القدر لها علامات كما ورد في السنة (انظر كتب الحديث).
ه- يجوز إحياء ليلة القدر بأنواع العبادات المتعددة من قيام وقراءة قرآن.
٦- ليلة القدر لا ينال فضلها إلا من أهل نفسه بالطاعة والاحتساب.
7 -لا يجوز الجزم بأن ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين بل قد تكون في غيرها.
8 -لا يجوز للأمة أن تتكاسل عن العبادة وتنشط في ليلة السابع والعشرين فقط.
-9ليس من السنة الصحيحة القنوت في قيام رمضان وإطالته في ليلة القدر وكذلك تفصيل الدعاء.
10- ليس من السنة إتمام القرآن في قيام ليلة القدر فلم يرد ولكنه مستحب عند بعض أهل العلم.
■ ورحمتي وسـعت كل شيء.. دعوة ربانية للإسراع بالتوبة
بقلم: محمد يوسف الجاهوش
ما أعظم حلم الله عز وجل على عباده، وما أوسع رحمته وتفضله عليهم إن أحسنوا فهو حبيبهم وإن أساؤوا فهو طبيبهم، يتفضل عليهم بقبول التوبة، وغفران الذنب، ورفع الدرجات، وإجزال الأعطيات لا يرد سائلًا رجاه، ولا يخيب مضطرًا دعاه وسعت رحمته كل شيء، وفاض جوده على كل ما خلق وذرأ.
ومن مزيد إحسانه وتفضله على العائدين إليه: أن نقاهم وطهرهم من كل سيئة اجترحوها أو ذنب اقترفوه، لأنه تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا. وحتى لا يصحبهم من دون ماضيهم وأوزاره ما عساهم يعيرون به أو يخجلون منه أو يخشون المحاسبة عليه بشرهم النبي ﷺ بأن الإسلام يهدم ما قبله، وأن التوبة النصوح تجب ما قبلها، فلا غرابة والحال هذه. أن تفتح الأبواب أمام التائبين، ليبلغوا أرقى مراتب الكمال البشري، ويتمنوا أعلى درجات التقى وأرقاها، ويصبحوا أئمة يقتدى بفعالهم، ويسترشد بأقوالهم.
إنها نفحات الرحمن وعناية المتفضل المنان، تجعل من ينال قسطًا منها من المقربين لديه زلفى الموعودين بعز الدنيا وحسن العقبي.
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمان
واصطد بها العنقاء فهي حبالة وأصعد بها الجوزاء فهي عنان
وكم في سيرة سلفنا من رجال كانوا منحرفين عن الجادة القويمة سادرين في غوايتهم متمادين في ضلالهم، يخشى الناس شرهم، ويخافون بطشهم وفتكهم، كالفضيل بن عياض وسواه ممن تداركتهم رحمة الله تعالى، فغدا الواحد منهم عنوانًا عن تجليات الله عز وجل ولطفه بالعصاة والمذنبين.
لقد تفضل عليهم بالتوبة، وأنعم عليهم بقبولها، ثم رباهم على عينه، حتى أصبح واحدهم من أعلام الأمة الأثبات وحفاظها الثقاة، وفقهائها الزهاد، وزهادها الفقهاء، لقد أصبح اللص أمينًا، حارسًا المبادئ الفضيلة، مربيًا ربانيًا، يهتدي بإرشاده أعلام الأمة فضلًا عمن سواهم، لقد غدوا. بحق. كما قال داود الطائي: ما أخرج الله عبدًا من ذل المعصية إلى عز الطاعة إلا أغناه بلا مال وأعزه بلا عشيرة، وآمن بلا أنيس يا له من كلام بليغ يفتح الأمل أمام من زلت أقدامهم، وانحرفت خطاهم وقادهم إلى الضلال شيطانهم وهواهم.
إن الكريم يناديهم، ويفتح الأبواب مشرعة أمامهم، فما عليهم إلا أن يصغوا بأسماعهم، يفتحوا قلوبهم لتفقه النداء العلوي الحبيب ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (الزمر: 55).
فهل يقنط مؤمن من رحمة ربه بعد هذه البشارة الربانية؟ وهل يؤجل أو يسوف وهو يعلم أن العمر محدود، وفجاءة الموت غير مأمونة!.
فالبدار البدار، قبل ضياع الفرصة وانقضاء الأجل، فإنه لا ينفع الصوت إذا فات الفوت ولا ينفع المنادون عند هول المطلع ﴿هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾( الشورى: 44).
لقد كانت السبيل واضحة وسلوكها ميسرًا. ولكن الهوى طمس القلوب والشيطان سول وأملى.
فلا تعجين بعد هذا. أن يكون الزرع هشيمًا، والثمر مرًا، فما سمعنا بشوك طرح عنبًا، ولا بجهام أرسل غيثًا، فالشوك لا يطرح إلا شوكًا، وأسرع السحب في المسير الجهام، وليس يجني زارع إلا ما زرع ولا نجاة إلا بفضل الله ورحمته، لقد كتب ربنا على نفسه ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ( الأنعام: 54).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل