; ضوابط التجديد فى الدين | مجلة المجتمع

العنوان ضوابط التجديد فى الدين

الكاتب د. محمد جميل المصطفى

تاريخ النشر الجمعة 11-مايو-2012

مشاهدات 71

نشر في العدد 2001

نشر في الصفحة 56

الجمعة 11-مايو-2012

مشروعية تجديد الدين بين الأمل والواقع (٦)

لابد لمن يريد التجديد أن تكون حركته مدروسة وفق منهج واضح له خطوات تبدأ بالأولويات والمقدمات التي يتم البناء عليها

حتى نثبت وجودنا في صناعة الحضارة.. يجب العناية بالمبتكرات الحديثة والبحوث العلمية

واكتساب المهارات وتطوير القدرات

ناقش الكاتب في مقالات سابقة المراد بتجديد الدين ومشروعيته ودواعيه الداخلية والخارجية، وأهمية التجديد على مستقبل الأمة، وأركان التجديد، ويشير هنا إلى ضوابط التجديد في الدين.

١- الالتزام بالكتاب والسُّنة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما؛ كتاب الله وسُنة نبيه» (1).

٢ - الالتزام بالمقاصد العامة للشريعة؛ لأن الشريعة الإسلامية جاءت لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة ودفع المفاسد عنهم، وذلك يكون:

أ- بكفالة حفظ الضروريات الخمس التي لا تستقيم الحياة بدونها، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وهذه محل إجماع من الأمة، واتفاق من الديانات السماوية.

ب- مراعاة الحاجيات التي يحصل حرج ومشقة على المكلفين عند فقدانها.

 جـ- مراعاة التحسينيات التي تتحقق فيها مكارم الأخلاق.

ومراعاة المقاصد العامة للشريعة؛ من أهم ما يستعان به على فهم الشريعة وتطبيقها على الواقع، واستنباط الأحكام لما لا نص فيه، فلا يراعى تحسيني إذا كان يُخل بحاجيّ، ولا يُراعى تحسيني ولا حاجيّ إذا كان يُخل بضروري(٢)، يقول الشيخ مصطفى الزرقا يرحمه الله: إن ميزان قواعد العدل والإنصاف عند الفقيه المسلم المجتهد؛ هو المقاصد العامة للشريعة، وإن أهم المسالك الموصلة إلى الأحكام البصيرة والحلول المستنيرة؛ هو طريق الاستحسان والاستصلاح، ثم رعاية أعراف الناس التي تعارفوها في بيئتهم وحياتهم الاجتماعية والاقتصادية، مما لا يتعارض مع نصوص الشريعة ومقاصدها العامة (۳).

۳- استيعاب نصوص الكتاب والسُّنة حتى تفهم في ضوء بعضها؛ فقد يكون بعضها منسوخًا، أو مخصوصًا، أو مقيدًا.

4- الاطلاع على اجتهادات السلف في النصوص؛ لأنها تعطي أضواء كاشفة يستأنس بها في فهم النصوص.

5- استيعاب الواقع ومتطلباته حتى يمكن تنزيل النصوص عليه.

٦- الاستفادة من الحقائق العلمية الثابتة وعدم مناقضتها.

7- اتباع الطرق المنهجية في البحث والعمل؛ من موضوعية، وإنصاف، واعتماد على الدليل والبرهان.

التجديد المنهجي الذي ننشده

لابد لمن يريد التجديد؛ «فردًا أو جماعة أو مؤسسات» أن تكون حركته مدروسة؛ تقوم وفق منهج واضح، له خطوات؛ تبدأ بالأولويات والمقدمات التي ينبني عليها غيرها.. ومما يشير إلى ضرورة اتباع منهج في التغيير؛ المنهج الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم للتغيير في اليمن؛ حيث قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم..» (4).

 فهذا الحديث يشير إلى الخطوات الأساسية التي لابد منها؛ فلا يمكن أن تطالب بالصلاة من لا يعترف بوجود الله، أو لا يؤمن به، كذلك لا يُطالب بالزكاة من لم تزكُ نفسه وتتطهر بالصلاة؛ لأن من عجز عن أداء الصلاة التي لا تكلفه شيئًا من المال؛ فمن باب أولى أنه لن يقوم بأداء الزكاة التي يخسر فيها شيئًا من ماله.

وبما أن التعليم أهم وسيلة للمعرفة؛ لذلك أولاه الإسلام عناية لم يولها له دينٌ ولا مبدأ من المبادئ من قبل، حتى إن رسول الله ﷺ جعل فكاك الأسير في «بدر» تعليم عدد من المسلمين القراءة والكتابة؛ لكي ينهض بهم؛ فيستوعبوا ما يقول ويأمر، ويحفظوه لأنفسهم، ولغيرهم.

لذلك لابد من العناية بالتعليم؛ لأنه أهم وسيلة للمعرفة وأفضل وسيلة للارتقاء بقدرات الإنسان حتى يستوعب ما تريد الوصول إليه مع استمرارية التعليم؛ حتى يمكن مواكبة التطورات والتفاعل معها والتأثير فيها واستخدامها من أجل الانطلاق في المشروع الإسلامي؛ الذي هو عمارة الأرض بحكم الله؛ فهو مضمون الأمانة التي حملها الإنسان، ومضمون الخلافة التي ندبه لها عندما قال سبحانه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (البقرة:30).

هناك أناس انعزلوا في شعاف الجبال؛ أو زوايا بيوتهم؛ هاربين من الاختلاط بالناس رافضين تعليم أولادهم وبناتهم؛ خشية ما في التعليم من مفاسد؛ فتخلفوا عن ركب الحضارة والمشاركة فيها، أو صنعها، أو توجيهها، حتى فاز بالتعليم والمراكز آخرون بعيدون عن الدين؛ وأصبح الانعزاليون - ممن يدعي الحرص على الدين - يعيشون على هامش الحياة، تبعًا لغيرهم في كل شيء، وسار ركب الحضارة عائرًا (5) تائهًا؛ بعيدًا عن نور الدين وضوابطه، حتى كاد يُودِي بأهله إلى المهالك.

إن التعليم والتدريب تَقَدَّما خطوات كبيرة، وكذلك تقدمت وسائل التعليم، ومن لم يتعلمها واستمر على وسائله القديمة؛ لن يكون بإمكانه مسايرة غيره، وسيسبقه أعداؤه بمراحل.. إن إجراء عملية حسابية معقدة يدويًا يحتاج إلى ساعات، أصبحت أجهزة الحاسب تجريها بأقل من لحظة، ونسخ كتاب يدويًا، يحتاج إلى أشهر، أصبح تصويره أو طباعته لا يحتاج إلا بضع دقائق، وإذا كان إرسال كتاب إلى مسافة قصيرة يحتاج إلى يومين أو أكثر؛ حتى يتسنى له من يحمله، فإنه أصبح بالإمكان الآن إرساله عبر البريد «الإلكتروني»؛ فَيَصِل إلى أبعد مكان في الأرض قبل أن يرتد إليك طرفك، وإذا كنت تريد معرفة بُعْد عدوك عنك؛ سواء كان جنديًا أو طائرة، أو دبابة، وتخمن تخمينات قد تصيب وقد تخطئ، فإن عدوك عن طريق الأقمار الصناعية كشف أرضك وسماءك وأبعادك وتحركاتك بشكل دقيق، وأصبح العدو يوجه إليك صواريخه وقذائفه من قارة إلى قارة؛ فتصيب أهدافها بدقة متناهية.

كل هذا يستدعي ألا نكتفي من التعليم بمجرد القراءة والكتابة، والعلوم البدائية، بل يجب أن يكون التعليم مستمرًا، مع العناية بالبحوث العلمية لاكتشاف سنن الله في الكون والخلق والأنفس، ولابد من اكتساب المهارات وتطوير القدرات حتى نستطيع استخدام المبتكرات الحديثة في دعوتنا وتجديد ديننا ونشره، وفي إثبات وجودنا في الحضارة، أو على الأقل المشاركة في قيادة ركبها، أو التأثير فيه.

 لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشجع على تنمية المهارات التي تحتاجها الأمة كمهارة الرمي، فقال للجماعة الذين مرّ عليهم وهم يتناضلون مشجعًا: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا» (6)، وأمر بإتقان العمل أيًا كان فقال: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه» (7)، واتقان العمل: يقتضي معرفة أصوله وحذق مهاراته، والقيام به بأقصى ما يمكن من الجودة.

الهوامش

(۱) موطأ الإمام مالك بشرح الزرقاني، ط. دار الفكر، ج 4/246، رقم ١٧٢٧.

(۲) انظر: الموافقات للشاطبي، توزيع دار الباز، ج ۲، ص ۸ وما بعدها، وج4/27، وأصول الفقه عبد الوهاب خلاف، ط. دار القلم، ص 197- 198.

(۳) الفقه الإسلامي ومدارسه، للشيخ مصطفى الزرقا، ص ٣٩ - ٤٠، وانظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا.

 (٤) صحيح البخاري، ص ٢٠٣، رقم ١٤٩٦.

 (٥) عار الفرسُ: إذا انفلت من مرجه يركض مسرعا هنا وهناك دون انضباط، أو وجهة محددة.

(٦) صحيح البخاري، ص ۳۹۲، رقم ۲۸۹۹.

 (۷) صحيح الجامع الصغير، ۳۸۳/۱ رقم 1880.

الرابط المختصر :