العنوان ضرورة الإجماع النسبي
الكاتب توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-2001
مشاهدات 66
نشر في العدد 1433
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 09-يناير-2001
قراءة تحليلية للموسوعة العصرية للفقه الجنائي الإسلامي (7)
- الإجماع يعني توافق إرادة الجماعة على نظام عام يستلزم تنفيذ حكم واحد على الجميع
لسنا مختارين في الالتجاء إلى الإجماع النسبي، فهو ضروري لتحديد النظام العام والأحكام الموحدة في المجتمع، ومن أهم أسس النظام العام وأصوله توحيد القضاء على مذهب واحد ورأي واحد، وتسهر على ذلك المحكمة العليا التي هي قمة المؤسسة القضائية، وواجبها هو إلغاء الأحكام التي تشذ عن الاتجاه الموحد الذي تقره محكمة النقض، وهي المهمة التي كان يقوم بها «قاضي القضاة» في الدول الإسلامية.
ومع ذلك فإن هناك مبدأ أساسيًا تمتاز به شريعة الإسلام هو أن كل فرد مسؤول عن الالتزام بالأحكام الشرعية فهو يلتزم باستنباطها بنفسه مباشرة في حدود استطاعته، وإذا عجز فإنه يلتزم باختيار المذهب أو الرأي الذي «يقلده» دون غيره من المذاهب المتعددة المعترف بها أو الفتاوى التي تعطى له ممن يثق في علمهم ونزاهتهم من العلماء والفقهاء.
ولكن هذا المبدأ الأساسي - إذا أخذ على إطلاقه دون حدود - فقد تترتب عليه الفوضى والنزاعات في المجتمع وخاصة أمام القضاء، فإذا تنازع شخصان أو زوجان مثلًا في أمر من الأمور فقد يجد القاضي نفسه محرجًا إذا قال أحد الطرفين أو أحد الزوجين إنه ملتزم بمذهب معين يختلف فيه الحكم عن المذهب الذي يلتزم به الطرف الآخر.. فأي المذهبين يلتزم القاضي بتطبيقه؟ علمًا بأن المذهبين كلاهما صحيح معترف به.
قال البعض في هذه الحالة: إن القاضي يحكم بمذهبه هو، لا بمذهب أحد الأطراف المتخاصمة، فمن يلجأ للقاضي إنما يطلب منه الحكم بالمذهب الذي التزم به القاضي لا المذهب الذي اختاره الخصوم أو أحدهم.
ولقد جرى العمل في مصر في فترة من الفترات أنه كان يجلس للقضاء في المسجد أربعة قضاة - أحدهم حنفي والثاني شافعي والثالث مالكي والرابع حنبلي.. وكل من هؤلاء القضاة يحكم بمذهبه متى لجأ إليه الخصوم أو أحدهم، وهنا يجوز التساؤل عما يحدث إذا لجأ أحد الخصوم إلى القاضي الشافعي ولجأ الطرف الآخر إلى القاضي الحنفي - وصدر من القاضيين حكمان مختلفان أو متناقضان.
إننا نرى أنفسنا في هذه الحالة أمام حكمين صحيحين شرعًا، ولكنهما متناقضان مضمونًا، فأيهما ينفذ؟ هذه هي الحالة التي تسمى في القوانين العصرية بتنازع القوانين أو تنازع الأحكام القضائية، أي تعارض الأحكام وتنازعها – وهنا يتبين أن اختلاف القضاة وتعدد مذاهبهم وآرائهم بل وتناقض أحكامهم قد لا يقل خطورة على نظام الجماعة ووحدة المجتمع وتضامنه عن اختلاف مذاهب الأفراد وتعارض آرائهم ومصالحهم، وفي نظامنا الإسلامي وجد «قاضي القضاة» ليفصل في هذه الحالات، وفي عصرنا الحاضر تقوم بمهمته محكمة النقض.
ومع ذلك فإن النظام العام في الجماعة يوجب عليها أن تتدخل لمعالجة هذه المشكلات مقدمًا، قبل أن تحدث، وذلك بوضع حكم موحد يلتزم به القضاة جميعًا، وذلك بطريق الإجماع النسبي.
إذا كان القائلون إن الإجماع له صورة واحدة هي اتفاق جميع المجتهدين فقد عطلوا الإجماع لعدم وجود هؤلاء المجتهدين الذين تكلموا عنهم – فإن من قالوا إن الإجماع له صورة واحدة هي اتفاق جميع أفراد الأمة لأن الإجماع هو إجماع الأمة كلها قد زادوه تعطيلًا، لأن كل فرد يستطيع بذلك أن يعترض على الحكم الذي اختاره الشعب أو الأمة إذا ظن أن هناك مذهبًا آخر فيه حكم قريب لهواه أو لمصلحته أو لرأيه، وقد ينفرد برأيه ويدعي أن الإجماع لن يتم دون موافقته، أي أن كل فرد يصبح له الحق في أن يدعي لنفسه حق «الفيتو» على ما «يجمع» عليه جمهور الأمة أو الجماعة أو الشعب – وهذا هو السبب في قول البعض إن الإجماع بالصورة الكاملة هو أمر مستحيل ولم يتحقق عملًا.
وسبب الاستحالة أن كلمة الإجماع تشير في نظر البعض إلى الاتفاق الجماعي على حكم واحد– لكن الأصل اللغوي هو أن الإجماع يعني العزم والتصميم وذلك استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ (طه: 64)، فالإجماع يعني توافق إرادة الجماعة على نظام عام يستلزم تنفيذ حكم أو رأي واحد على الجميع، سواء كان إصداره بإجماع الآراء أو تم بالأغلبية بعد الشورى، ولا تقوم جماعة إلا بوجود نظام عام ملزم الجميع من ينتمون إليها أو يقيمون على أرضها، ويكفي أن تقر الأغلبية بالشورى هذا النظام.