العنوان ضرورة التّفريق بين : المنهج العلمي .. للإنسان والمننهج العلمي .. للأشياء
الكاتب عبدالحليم خفاجي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1973
مشاهدات 23
نشر في العدد 136
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 06-فبراير-1973
- من
العقل.. ألا يتجاوز «العقل» دائرة عمله!
- تنوعت
الأسباب.. والإيمان واحد!
- جمهرة
من العلماء.. توضح أسباب إيمانها بالله.
- الوحي
طريق المعرفة المغيبة عن حواسنا.
بنظرة جديدة من قلب يقظ في الكائنات المحيطة
بنا نجد أن كل ظاهرة إن هي إلا ملتقى للعديد من الصفات الربانية، ويتميز الإنسان عن
جميع الكائنات بتكريم الله له في الخلق وبالتالي في فعل تسعة وتسعين اسمًا من
أسماء الله الحسنى في حياته، وهل تكون صفة الغفور والتواب إلا لهذا الإنسان الذي
يخطئ ويصيب ويذنب ثم يتوب ويستغفر الله فيغفر له.. فكل ظاهرة على قدر مركزها في
سلم التفضيل ما هي إلا تسبيحة كبيرة للخالق جل شأنه تدل عليه، على غرار ﴿وَإِنْ
مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾
(الإسراء: 44).
فكل حركة هي آية ناطقة بجلال الله تعالى، وكل
فرع من فروع العلم هو نافذة جديدة على هذه الحقيقة الكبرى.. ومن ثم فإن أسباب الشك
التي انتشرت في القرن التاسع عشر في أوروبا قد فقدت قوتها أمام تقدم العلم في
القرن العشرين بل إنها أصبحت اليوم كما يقول الأستاذ العقاد في «مقالات المفكرين»
من أسباب الشك في الإنكار بعد أن كانت مصحوبة بكامل قوتها إلى التمسك في الإيمان،
وإن الروح التي تسود علماء أوروبا في القرن العشرين تختلف كلية عن الروح التي سادت
القرن التاسع عشر الذي عاش فيه ماركس، وإن الهجوم على الفكر المادي اليوم إنما
يعيش في القرن العشرين بعقلية أوروبا في القرن الـ(19)، وما أسهل دعوى التجديد
للإنسان.
وفي النصف الثاني من القرن الـ(20) تقدم
الأستاذ جون كلوفر مونسما بسؤال واحد إلى طائفة من العلماء المتخصصين في سائر فروع
العلم من الفيزياء إلى الطبيعة إلى الأحياء إلى الفلك إلى الرياضيات إلى الطب، وقد
أجاب هؤلاء العلماء على السؤال معددين الأسباب العلمية التي تدعوهم إلى الإيمان
بالله.. هذا السؤال هو:
«هل تعتقد في وجود الله؟ وكيف دلتك دراساتك وبحوثك
عليه؟»
وقد أجاب كل منهم من خلال تخصصه إجابة شافية،
وقد تضمن كتاب «الله يتجلى في عصر العلم» هذه الإجابات الجلية التي تدعوهم إلى
الإيمان بالله..
وقد رأينا في الحلقة السابقة كيف أن عظمة هذه
القضية تتجلى في كونها ليست وقفًا على المتخصصين بل إنها كالبحر الكبير يستطيع كل
فرد أن ينهل منه حسب قدراته الفكرية والقلبية حتى لو كان لا يملك إلا كفيه يغترف
بهما.. وقد يسبق العامل بعمله العالم بعلمه، وإن الإعرابي الذي سجل التاريخ قولته
البسيطة المعبرة: «الأثر يدل على المسير والبعرة تدل على البعير.. كيف بأرض ذات
فجاج وسماء ذات أبراج.. ألا يدل ذلك على العليم الخبير» ليعطي المثل على عظمة هذه
القضية التي تغني كل المستويات وتروي كل ظامئ.. وعندما تتقوى فطرتنا بالمجاهدات
على الأهواء، وبالعلم على الظنون فإنها تكوّن أفقًا صالحًا لإشراق هذه الحقيقة الخالدة
في سماتها.
وقد كشفت لنا الحلقة السابقة عن كيفية
الاستفادة من المنهج القرآني بالنظر في ملكوت السموات والأرض وعن سهولة التعرف على
صفات الله تعالى بتتبع آثارها في خلقه.. وأن الأمر أظهر من الشمس وأقرب من حبل
الوريد.. وأن من قال: «ومتى غاب حتى يُستدل عليه» كان على حق.. ومن قال «أفي الله شك
فاطر السموات والأرض» كان سليم القلب نقي الفطرة واسع العلم.. وأن مشكلة البشر
الدائبة هي في أنفسهم وليست في الحقيقة ذاتها.. ﴿وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ﴾ (يونس: 44)، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: 13).
القضية المنطقية:
والآن.. وقد تحقق الغرض وأصبح حقيقة علمية لا
غموض فيها.. حقيقة تزداد بالبحث جلاءً لا غموضًا... وبتقدم العلم يقينًا لا شكًا..
وبالفكر الديني قربًا من أنفسنا وحياتنا لا بعدًا، فماذا يكون موقف من كان ينكرها
أو يقف منها موقف اللامبالاة على أحسن الفروض.
لقد قلنا لهم في حلقة سابقة «فماذا لو فرضنا
أن الحياة أوجدها خالق.. خذوها كفرض.. ولا نطالبكم بمنطقنا فهيا عندنا اعتقاد له
حجيته وبراهينه.. فماذا يدخل على منهجكم من تغيير لو صح هذا الفرض؟ وكيف سيكون
مركز فلسفتكم المادية وما تفرع عليها؟ وقلنا للزميل الذي حاول الهروب من الإجابة
«إننا نعجب كيف لا تأخذ الأمور مأخذا كاملا دون تهيُّب.. ثم ماذا يكون موقفك لو
علمت أن ما نطالبك بفرضه هو حقيقة علمية».
وعند هذا الحد من الحوار انبرى الزميل (ع. ط)
الذي اشتهر بيننا بصراحته وقال: اسمحوا لي أن أجيب.. وعلت الابتسامات الشفاه ولم
يخيب ظننا حين انطلق قائلًا: إذا صح هذا الفرض سنضطر قطعًا إلى التوقف.. لنراجع
أنفسنا كثيرًا.. إذن وراء الحياة قصد؟ لن تصير المادة هي أصل كل شيء.. سيخلو
الطريق للقول بالفكر الأعظم.. ستتغير قطعًا النظرة إلى الإنسان ودوره في الحياة..
سيصبح كونه مكلفًا أمرًا معقولًا بل ضروريًا حتى ولو كان أصله قردًا فعلًا..
ستنقلب فلسفتنا المادية وما تفرع عنها رأسًا على عقب.. سيكون سهلًا على نفسي أن
أصدق بالكتاب السماوية وبالرسل وبالرسالات.. وبعقيدة البعث والجزاء.. سأضع في اعتباري
أمر الجنة والنار وما يتطلبان بين الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر.. كل
القيم في الحياة ستتبدل.. سأقول بنفسي للناس لقد كنت أجهل أمرًا جللًا والآن إليكم
الطريق القويم!
وعن نفسي، فإنها لأمنية غالية أن أطمئن إلى
أنني سأبعث حيًّا حياة أبدية في جنات النعيم.. فعندئذ يهون علي أن أقضي هذه الحياة
بطولها أو قصرها على أي وضع مضحيًا في هذا الطريق الجديد بنفس القوة التي أضحي بها
في طريقي هذا نفسي حتى لو عشت طيلة عمري أضرب بالنعال».. وانفجرنا ضاحكين، وشكرنا
له صراحته. وقلنا في ختام الجلسة: «لا نطالب بأكثر من النتائج التي رتبها الزميل
بلسانه».
• ولم أكن أقل اندهاشًا من إخواني لهذا
التسلسل المنطقي الذي نطقت به فطرة الزميل في لحظة من لحظات الصدق مع النفس التي
لا يخلو منها إنسان في حياته والتي تكون في الوقت نفسه حجة الله عليه يوم أن
يلقاه، بل إنني كلما رجعت إلى هذه الكلمات بين الحين والحين اكتشفت فيها جديدًا
يدهشني، لاستيعابها متعلقات قضية التوحيد من قضايا أو منهج، وكان أحد الإخوة
معذورًا عندما كتب معقبًا على هذه الجلسة: «أحب أن تتحققوا من كل كلمة قيلت في هذه
الجلسات فلا يسرح بكم الخيال حتى يأمن الناس جانبنا في النقل.. وأنا لا أتهم بعدم
التحقيق ولكن أحب أن أطمئن عليكم مستقبلًا أمام من نقلتم عنهم».
وعقبت على كلمته يومها كتابة: «تكاد تكون الجلسة
حرفية وقد سجلت أعقابها مباشرة ولا حيلة في أن تكون الحقيقة أبلغ».. كل هذه
العبارات أنقلها اليوم من مذكرات مضى عليها سنوات.
• إذن فقضية وجود الله تعالى هي قضية علمية قد
رأينا سهولة الاستدلال عليها وهي قضية إنسانية يستطيع العلماء في كل عصر تقديم
مختلف الاستدلالات العلمية على صحتها.
وكان الفقهاء على حق في قولهم إن الإيمان
بالله مقدم على الإيمان بالرسل إذ لم تكن الرسل تبعث إلى أقوام يجهلون هذه
الحقيقة.. ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ
لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (الزمر: 38) ولكنهم كذبوا الرسل.
ولم تعد المشكلة في محاولة إثبات ذلك.. بل
تنبت المشكلة الحقيقية في كيفية الإمساك بكل النقاط التي نطقت بها فطرة الزميل..
وخاصة عندما يتقدم هذا الزميل خطوة أخرى ويقتنع فكريًا بصحة القضية ويبدأ على
أعتاب الاطمئنان القلبي وتطالب فطرته بالمزيد.
والفطرة السليمة لا تكف عن البحث عن وسيلة
لصلة بذات الله تعالى الذي تحققت من وجوده فكريًا ولم ترتوِ بعد وجدانيًا.. إنها
تريد أن تسمع منه هو سبحانه الإجابة على كل ذلك.. وهذه الفطرة السليمة تستهجن عدم
قيام هذه الصلة بالله الذي خلقها ثم دلها عليه، بل إنها لتتعلق به أن يفعل هو ذلك.
والمنطقي أن تتم هذه الصلة بين موجدَين وجودًا
علميًا كل منهما يعرف الآخر وإذا لم تتم هذه الصلة فإنها تكون إذن قطيعة غير
مفهومة ولا مقبولة.. إننا نستهجن هذه القطيعة ممن نعرفه فكيف نصبر عليها ممن عرفنا
ربوبيته لنا.
فالصلة قضية منطقية مبنية على أصل علمي.
• ويلبي الله تعالى أشواق هذه الفطرة إلى
منطقية هذه الصلة في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ
قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ (الأنعام: 91).
وفي قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِي
الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ
السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 95).
ويستهجن موقف المكذبين بذلك في قوله تعالى:
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ (يونس: 2).
فعن طريق الوحي صلة الله تعالى بخلقه تتم
معرفة جميع حلقات المعرفة المغيبة عن حواسنا وتتم القدرة على التعامل معها
وبالتالي تتم الحركة الصحيحة للإنسان.
فالتدليل على وجود الله تعالى قضية إنسانية..
وبتكملتها بالوحي تصير قضية إسلامية.
ومن عجيب أمر هذا الوحي أنه يخبر عن كل ما ليس
في طاقة البشر معرفته بوسائلهم العلمية التي اقتضت حكمة الله أن يجعلها موصلة إلى
حقيقة الحقائق وهي الذات الإلهية ولا يجعلها موصلة إلى ما عداها من أمر الروح
والملائكة والبعث والحساب.
ومن هنا اتجه البحث لدى الأقوام قديمًا اتجاهًا
منطقيًا حول التحقق من صدق الرسول المبعوث واتجه الرسل بدورهم إلى تأكيد صدقهم كما
كانوا دائمًا قمة أقوامهم في العلم والخلق وفعل الخيرات وبعد بعثة الرسول كانت
المعجزات أسلوبًا مطلوبًا لنقل مركز الثقة إليهم ريثما يتم تحريك المعقول تحريكًا
ذاتيًا.
• نخلص من ذلك أن سبيل الأمان في قضية التوحيد
هو في أن للعقل دوره في الاستدلال على الله تعالى فقط على غرار ما رأينا في الحلقة
التاسعة.. دون أن يتجاوز هذه المنطقة وإلا دخل في دائرة الظنون والتخمينات وتعود
للفلسفات المثالية سيرتها الأولى..
كما أن للوحي دوره في تكملة المعرفة بصفات
الله تعالى وما يجب وما يستحيل في حقه وما يلزم معرفته من جميع حقائق العقيدة
والتزاماتها التشريعية وآدابها الربانية..
• ولم يتميز المنهج العلمي للإنسان عن المنهج
العلمي لكل الكائنات الأخرى إلا بهذا الوحي الذي يصلح دنياه وآخرته..
أ- وعند إطلاق عبارة المنهج العلمي للإنسان
يكون الوحي السماوي هو ركنها الأول والاكتشافات لكافة فروع العلم هو ركنها الثاني.
ب- عند إطلاق المنهج العلمي للأشياء يكون كل
ما وصل إليه الإنسان من قوانين واكتشافات في كل فرع من فروع الحياة هو مقصودنا
بهذه العبارة.
• والخطورة الكبرى تكمن في طمس هذه الحقيقة..
فلا تتضح التفرقة بين المنهج العلمي للإنسان والمنهج العلمي للأشياء.
بل وأشد من ذلك خطرًا على حياة الإنسان
ومستقبله قصر مفهوم المنهج العلمي على ما وصل إليه الإنسان من اكتشافات في كل فرع
فقط وتنحية الوحي من حياته.. وهذه هي المناهج العلمانية التي تلتقي مع المادية في
النظر إلى الإنسان نظرة ظالمة تدمر حياته وآخرته.. وهي أخطر ما تعرضت له أمتنا في
معركة الغزو الفكري والاستعمار الثقافي من خلال شعارات الاشتراكية العلمية.. أو
العلم والتكنولوجيا، أو العلمانية أو الدولة العصرية حيث عملت جميعها على تسوية
الإنسان بالأشياء وسلبته ما كرمه الله به وفضله على كثير من خلقه.
• ويأتي الآن موقفنا من قوانين الجدل وهي آخر
ما تبقى من المادية الجدلية قبل أن ندخل على بقية أجزاء الماركسية في ضوء المنهج
العلمي للأشياء والمنهج العلمي للإنسان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل