العنوان المجتمع الاقتصادي.. عدد 1834
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 10-يناير-2009
مشاهدات 70
نشر في العدد 1834
نشر في الصفحة 38
السبت 10-يناير-2009
ضرورات وحاجات الشعب
الفلسطيني وإسراف وتبذير الشعوب العربية
-
حصار غزة
الظالم أشبه بحصار شعب أبي طالب وما حدث في العراق و«السودان» ليس ببعيد.
-
مساعدة الشعب
الفلسطيني المحاصر بالمال جهاد في سبيل الله وهو واجب شرعاً على المسلمين.
-
أ.د. حسين شحاتة
يعتبر الإسراف
والتبذير من أعظم الأخطار الاجتماعية والاقتصادية والنفسية السيكولوجية التي تهدد
الإنسان والدول والأمم؛ ولذلك يجمع جمهور الفقهاء والعلماء والدعاة، وغيرهم على
أنهما من مظاهر الفساد الاقتصادي والاجتماعي
الواجب تجنبه.
فيرى علماء الاقتصاد
الإسلامي أن الإسراف والتبذير من السفه المالي ويعتبران
إهدارا للموارد الاقتصادية، وهلاكا للأموال، وزيادة في النفقات بدون عائد،
وتبديداً للطاقات، ولذلك فإنهما يسببان الإرهاق الميزانية الأسرة والدولة
ويعوقان التنمية ويسببان الحياة الضنك، ولاسيما للطبقة الفقيرة والتي تشقى
بفعل السفهاء من الأغنياء.
ويرى الفقهاء أن
الإسراف محرم بنص قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ
يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان:67) كما يعتبر
التبذير من الكبائر التي نهى الله عنها، وأصل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ
الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ
لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (الإسراء:27).
وبالرغم من تيقن معظم
المسلمين من حرمة الإسراف والتبذير، إلا أن هناك المليارات من الأموال تبدد في هذا
المجال، وذلك في الوقت الذي تعاني بعض الدول الإسلامية الفقر المدقع، ونقصا في
الضرورات والحاجات الأصلية للحياة الاعتيادية، كما أن بعضها يئن من ظلم الاحتلال
بين مشرد ومسجون ولاجئ ومطرود كما هو الحال في «فلسطين» وأفغانستان»، و«الشيشان»، و«العراق» فماذا يحدث لو
أن ما ينفق على أوجه الإسراف والتبذير وجه إلى إطعام الشعب الفلسطيني المحاصر
وتوفير ضروراته وحاجاته الأصلية؟! يعاني هذا الشعب من مشكلات عديدة منها :
-
قضية الاحتلال
من الصهاينة والصليبيين المعتدين، ومن يعاونهما.
-
قضية القتل
وهدم المنازل وتجريف الأراضي، وغير ذلك من الاعتداءات بصورها كافة.
-
قضية أسر
الشهداء والمعتقلين المعوزين الذين لا يجدون ضرورات
الحياة.
-
قضية
الفلسطينيين اللاجئين والذين يعيشون تحت خط الفقر.
-
قضية الحصار الاقتصادي الذي أوصل الفلسطينيين
إلى مرحلة عدم توافر الضرورات والحاجات.
-
قضية المساومة
حول التنازل عن الحقوق المشروعة مقابل المال وفك الحصار الاقتصادي.
-
قضايا أخرى
يعلمها الجميع، ويضيق المقام لسردها.
وهذا الحصار
يذكرنا بما حدث مع رسول صلى الله الله ﷺ والذين آمنوا معه في مكة في شعب أبي طالب، وما
حدث لـ«العراق»، و«السودان» ليس منا ببعيد.
ويحتاج الشعب
الفلسطيني لتوفير ضروراته ما يعادل ١٥٠ مليون دولار شهرياً حسب تقدير حكومته، وهذا
لا يزيد على ٠.٠١% مما ينفق في مجالات الإسراف والتبذير في بعض الدول
العربية، أو ما يعادل دولارا واحدا عن كل برميل نفط ينتج من دولة عربية إسلامية
واحدة.
فهل تستجيب الأمة
العربية والإسلامية بتجنب الإسراف والتبذير لدعم الشعب الفلسطيني وسد ضرورياته
وحاجاته حتى يصمد ضد الصهاينة ومن على شاكلتهم؟
تكافل وتضامن والتكييف
الشرعي لما يقدم للشعب الفلسطيني المجاهد يعتبر من نماذج الجهاد بالمال، أو من
نماذج التكافل والتضامن الاجتماعي أو من نماذج التعاون على البر والتقوى أو من
نماذج تقوية أواصر الأخوة في الله أو على أضعف الإيمان أنهم جزء من الأمة
العربية.
فأيهما أولى أن ندعم مشروعات اللهو والفسوق
والعصيان، وندعم صالات القمار وحمامات السباحة أم ندعم الشعب الفلسطيني الذي لا
يجد مالا لشراء الضرورات والحاجات مثل: الطعام والشراب
والدواء والملبس والمأوى والتعليم؟؟
يعتبر شعب
فلسطين رمزا للمقاومة الباسلة ضد الاحتلال الصهيوني المجرم، وهو يضحي بكل عزيز من
أجل عزته وكرامته، ومن أجل حماية المقدسات الإسلامية، وهو يجاهد حتى يتحقق بناء
دولته الحرة المستقلة وعاصمتها «القدس»، وعودة
المبعدين إلى بلادهم الذين أخرجوا منها بغير حق.
ويضحي الشعب الفلسطيني المجاهد بالأنفس،
وبالأموال وبكل عزيز لديه من أجل مقاومة العدو مستشعرا قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ
اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ
الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ
وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ
أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاستبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي
بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة:111).
ويثار التساؤل
الآتي: هل يقبل الشعب الفلسطيني التنازل عن حقوقه مقابل المال؟
لا يجوز ذلك شرعاً، ويعتبر كل العرب والمسلمين أثمين عندما يتخلون عنه بوسائل الدعم والغوث
كافة يجمع فقهاء الأمة على أن دعم الشعب الفلسطيني المجاهد
فريضة على كل مسلم ومسلمة، ومن نماذج هذا الدعم: المالي ومن مصادره
المشروعة ما يلي:
- زكاة المال: لأنه تتوافر
في الشعب الفلسطيني شروط استحقاقها.
-
الصدقات التطوعية والكفارات والنذور،
والأضاحي وما في حكم ذلك.
-
الصدقات الجارية والأوقاف الخيرية.
-
ويضاف إلى ذلك
ما قد يتوافر من الترشيد الاقتصادي في النفقات الجارية، فلو أن كل مسلم
وفر من نفقات طعامه وشرابه ما يسد به جوعة أخيه الفلسطيني ما حدث ما يحدث الآن،
إنما يشقى الشعب الفلسطيني بصنيع إخوانه المسلمين
القادرين على دعمه.
وتوجه التساؤلات الآتية إلى كل إنسان عربي أو مسلم
وغير مسلم:
-
هل تستشعر
شهية الطعام الذي فيه إسراف وأخوك في فلسطين يموت جوعاً ومرضا؟
-
وهل تستشعر
أنك آمن في سربك وأخوك في فلسطين يعيش ليل نهار تحت رعب الدبابات والمدافع؟
-
وهل تستشعر
بهجة حفلات أعياد الميلاد والرقص والغناء، وأختك الفلسطينية أم الشهيد ؟ أو أخته تبكي
حزناً ؟
-
وهل أنت رشيد
في تصرفك عندما تسرف وتبذر وأخوك لا يجد الضرورات؟
وبعد، فهذا
نداء إلى الناس كافة ألم تؤمنوا بقول الله
تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات:15)؟ ألم تؤمنوا
بما جاء في الأثر: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ؟ ألم تخشع قلوبكم
لنداء إخوانكم في فلسطين وا معتصماه واغوثاه
واقدساه؟
ندعو الله سبحانه
وتعالى أن يثبت أقدام إخواننا المجاهدين في فلسطين، ويبارك في أموال من
يدعمهم بالمال والدعاء، والحمد لله الذي بنعمه تتم
الصالحات .
أمة الاقتصاد لا تعيل
أ.د. عبد الحميد البعلي
يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ
أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن
رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ
أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (المائدة:66) وعن عبدألله
بن مسعود أن رسول الله قال: «ما عال من اقتصد» (رواه أحمد في مسنده)، وقال
العلقمي إسناده أمة مقتصدة معناه معتدلة، والقصد حسن وقوله تعالى في الآية: ومنهم والاقتصاد
الاعتدال والرفق والتوسط الحسن في الأقوال والأفعال انظر تفسير ابن عطية المحرر
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ص ٥١٥ والأمة
المقتصدة هي الأمة العادلة غير الغالية ولا المقصرة، وهم الذين أمنوا بمحمد كما
ذكره الشيخ محيي الدين شيخ زاده في حاشيته على تفسير البيضاوي ج ٢
ص ١٢٤ وفي قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ
وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (الأعراف:181) يعني أمة محمد ﷺ (انظر الدر
المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ص ٥٢٨) فأمة محمد أمة مقتصدة، فهي أمة الاقتصاد
القائم على العدل والتوازن الذي يعتبر ضالة علماء الاقتصاد في الإنفاق والإنتاج
والاستهلاك والتبادل والادخار والاستثمار، وكل فروع الاقتصاد كعلم وكمذهب وصدق
الله وعده فجمع لهذه الأمة من موارد الثروة بمختلف أشكالها وأنواعها ما به تتكامل
مجتمعة وتنمو وتزدهر من موارد طبيعية زراعية ومعدنية وموقع ومناخ وموارد بشرية وما
تمثله من قوى عاملة ومدربة وعقول مبدعة منظمة وموارد مالية متمثلة في رؤوس الأموال
الهائلة المكتنزة والمثمرة، وقبل كل هذا وبعده بما توافر لأمة محمد من منهج اقتصادي
قويم به تنصلح حركة الإنسان وحركة الأموال، ويسعد الناس في أولادهم
وأخراهم جزاء وفاقاً ولقد حدد الرسول النتيجة المترتبة على كل ذلك من إتباع المنهج
الاقتصادي بكلياته وجزئياًته، وما يقوم عليه من عدالة وهي ألا تعيل الأمة في
كمالاتها الثلاث من الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وما يفيد ذلك من كفالة
الضروري كواجب شرعي، والحاجي كمندوب إليه، والتحسيني كمباح: فاجتمع في
المسألة ثلاثة أنواع أو أقسام من أحكام الشرع وهي الواجب المتمثل في تأمين حد الضروري
أو الكفاف، والمندوب المتمثل في توفير حد الكفاية، والمباح المتمثل في الغني بدرجاته
المختلفة.
وبمراعاة الواقع
الكويتي، نجدان الدستور نص في مواده الخمس أرقام ۱4، ۱۷ ۱۸، ۲۰، ۲۲ على أن
الملكية ورأس المال والعمل هي مقومات الثروة الوطنية الحقيقية، وأنها جميعاً موظفة
لمصلحة المجموع ومنظمة بالقانون، ومن ثم كانت الأموال العامة مصونة لتعلق حق
الجميع بها، ولها حرمة وحمايتها واجب على كل
مواطن، كما أن الملكية الخاصة مصونة كذلك وفقا للقانون، وأكثر من ذلك فإن العدالة
أساس الاقتصاد الوطني، كما نصت على ذلك المادتان ۲۰، ۲۲ من الدستور
والكويت بلجنتها الاستشارية العليا للعمل على استكمال
تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية تنتقل بالنص الشرعي من قرآن وسنة وما تضمنه الدستور
إلى واقع القوانين السارية، ومختلف شرايين الحياة الاقتصادية لتقيمها على أساس من
الشرع الحنيف فتكون أمة الاقتصاد التي لا تعيل .
الهوامش:
(*) استاذ بكلية التجارة جامعة الأزهر – خبير استشاري في المعاملات
المالية الشرعية
(*) المستشار الاقتصادي
بالديوان الأميري - خبير اقتصادي دولي