; ضرورات تفعيل ثقافة العمل التطوعي | مجلة المجتمع

العنوان ضرورات تفعيل ثقافة العمل التطوعي

الكاتب إبراهيم غانم

تاريخ النشر السبت 10-نوفمبر-2001

مشاهدات 59

نشر في العدد 1476

نشر في الصفحة 66

السبت 10-نوفمبر-2001

برغم كل الصعوبات والتعقيدات التي تكتنف ثقافة العمل التطوعي - على النحو الذي تشير إليه الإشكاليات الأربع التي تناولناها في المقال السابق - إلا أن ثمة ما يشجع على التصدي لها، ويبشر بإمكانية التغلب عليها، ويبدو ذلك من جملة التغيرات الاجتماعية، والتحولات السياسية والاقتصادية التي تجري على مستوى المجتمعات العربية والإسلامية كلها . وإن بدرجات متفاوتة من منطقة إلى أخرى، منذ ما يقرب من عقدين على الأقل . إذ إن خلاصة هذه التغيرات وتلك التحولات تصب باتجاه تغيير المناخ الشمولي السلطوي، الذي تولدت فيه أزمة ثقافة العمل التطوعي من ناحية، وتسهم في تشکيل مناخ جديد أكثر انفتاحاً ومرونة من قبل الدولة في علاقتها بالمجتمع من ناحية أخرى. وعندما يبلغ هذا المناخ الجديد درجة معقولة من النضج فمن المؤكد أنه سيتيح فرصة أكبر للتغلب على الإشكاليات التي تكمن خلف الأزمة الثقافية في المجتمع العربي بصفة عامة، وأزمة ثقافة العمل التطوعي فيه بالتبعية بما أنها جزء لا يتجزأ من تلك الأزمة الثقافية العامة.

إلى جانب ذلك ثمة ضرورات محلية قطرية، وإقليمية عربية ودولية عالمية تتطلب بذل مزيد من الجهود المنظمة من أجل تفعيل ثقافة العمل التطوعي في الواقع الراهن للمجتمع العربي. 

فعلى المستوى المحلي (القطري) لكل بلد عربي أو إسلامي بات من الضروري إيلاء ثقافة التطوع الاهتمام الكفيل بإخراجها من حالة الركود إلى حالة الفاعلية، لأن في ذلك مصلحة مزدوجة للدولة والمجتمع معاً: فالدولة من جهتها تسعى لتخفف من عبء إرث السلطة الأبوية والانتقال من فلسفة الرعاية الكاملة إلى الرعاية النوعية التي تقتصر على تقديم بعض الخدمات الاجتماعية التي تحسن تقديمها بعد أن عرفت من تجارب المراحل السابقة أن خدماتها الرديئة تضر المجتمع ولا تنفعها بشيء، ومن هنا فإن تفعيل ثقافة العمل التطوعي يأتي في خدمة هذا التوجه، أما من جهة المجتمع فقد عانى بما فيه الكفاية من الإقصاء والتهميش في ظل الدولة الشمولية أو السلطوية، وهو بمسيس الحاجة للتخلص من ثقافة الاستبداد والقسر والإكراه والاحتكار، وهو يتطلع - كذلك - لترميم شبكة العلاقات التعاونية والتراحمية التي تهتكت من جراء هذا الاستبداد، وخلفت وراءها فجوات نفسية عميقة بين فئات المجتمع، وفوارق طبقية واسعة بين جماعاته، ولذلك فإن تفعيل ثقافة التطوع يضحى . من هذا المنظور - ضرورة اجتماعية لا غنى عما يمكن أن تسهم به في هذا المجال، بما أن التطوع في جوهره هو فكرة للإيثار، وقيمة تنطوي على حرية الاختيار والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين.

وعلى المستوى الإقليمي، تتجلى ضرورة التفعيل في ثلاثة دواع أساسية، أولها: أن جميع أبناء هذه الأمة تجمعهم ثقافة واحدة هي الثقافة العربية الإسلامية، ولا تعدو ثقافة التطوع كونها نسقاً فرعيًا داخل هذه الثقافة الواحدة، ومن ثم فإن تفعيلها يسهم في تفعيل وتقوية الثقافة الأم ويدعم أواصر الأخوة والتضامن على أساس من القيم المشتركة، وثانيها: أن ثمة حاجة فعلية لنقل بعض ثمرات العمل التطوعي من بعض البلدان التي أصبح فيها التطوع يشكل مجالاً حيوياً نشطاً مثل بعض بلدان الخليج إلى بلدان أخرى تواجه مشكلات طاحنة، وهي أولى بالرعاية وأحق بتلقي إسهامات الأشقاء، وكلما كانت ثقافة التطوع أكثر فاعلية على الصعيد العربي الإسلامي زادت إمكانية تحقيق هذا التكامل، وثالثها أن دعم ثقافة التطوع، وتيسير انتقال آثاره الفكرية والعملية عبر الأقطار العربية والإسلامية من شأنه المساعدة في الأخذ بيد البعض منها للخروج من حالة الانغلاق على الذات والتحرر من الاستبداد الداخلي - الذي تبرر الدولة جانباً منه بحجة توفير كافة الخدمات والمعونات - وقد يساعد أيضاً في تجنيبها الوقوع تحت تأثير المنظمات الأجنبية العاملة في مجال التطوع. 

أما على المستوى العالمي فإن تفعيل ثقافة التطوع في المجتمع العربي الإسلامي يعتبر ضرورة حضارية؛ ذلك لكي تتمكن أمتنا من الإسهام بفاعلية في بناء وصوغ الخطاب العالمي حول ثقافة التطوع؛ إذ من غير اللائق - حضاريًا – ألا يكون لهذه الأمة إسهام بارز في هذا المجال، وهي تمتلك تراثاً غنيًا بالقيم والمبادئ والمعايير والأخلاقيات التي يمكن أن تستفيد منها البشرية، وهي في حاجة فعلية إلى مثلها. ومن غير اللائق - حضارياً أيضاً - أن تكون المشاركات العربية الإسلامية شكلية وغير مؤثرة في المنتديات العالمية المعنية بشؤون التطوع وقضاياه، أو أن يكتفي المشاركون من أمتنا بترديد ما يقوله الآخرون (الخواجات)، ولا يظهر لهم دور واضح يقدمون من خلاله المضمون الإسلامي لثقافة التطوع وينعكس فيما يصدر عن تلك المنتديات من بيانات ومواثيق أخلاقية وحتى يتحقق شيء من ذلك فإن ثمة ضرورة لتفعيل ثقافة التطوع على المستويين النظري التأصيلي والعملي التطبيقي، وإلا فلن يكون لأمتنا دور في هذا المجال على المستوى العالمي، وستبقى التبعية لخطاب ثقافة التطوع الأجنبية ما بقيت ثقافة التطوع في مجتمعاتنا راكدة وغير فاعلة.

الرابط المختصر :