; ضرورات تجديد ثقافة مقاصد الشريعة (2) | مجلة المجتمع

العنوان ضرورات تجديد ثقافة مقاصد الشريعة (2)

الكاتب إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 17-يناير-2009

مشاهدات 51

نشر في العدد 1835

نشر في الصفحة 66

السبت 17-يناير-2009

نظرية «مقاصد الشريعة» ليست غائبة عن البرامج التعليمية ومؤسسات صنع القرار فقط، وإنما غائبة عن الثقافية والوعي الاجتماعي العام أيضاً. والجهد اليسير الموجه للاهتمام بها يتركز أساساً على إعادة تكرار ما قاله السابقون دونما أدنى محاولة لإعادة قراءة هذه النظرية وضخ ماء الحياة في أوصالها، وتجديد المعرفة بها، ونشر ثقافتها على أوسع نطاق ممكن لتصبح عاملاً مؤثراً في ا في صوغ الوجدان الفردي، والوعي الجماعي، ولتصبح معياراً مرشداً لصناع القرار، ومعياراً رئيساً من معايير المتابعة والرقابة والمحاسبة. والاستثناء الذي يرد على ذلك يقوم به مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، الذي أسسه الشيخ «أحمد زكي يماني» في «لندن» سنة ٢٠٠٥م، ولا تزال جهوده في بداياتها المبكرة.

تجديد «ثقافة المقاصد»، له ضرورات نظرية وعملية إلى جانب أنه يتطلب أيضاً تخليص «نظرية المقاصد» ذاتها مما لحقها من جمود. ولا يجادل أحد في أن ثقافة المقاصد ثقافة أصيلة وعريقة، ولكنها تحتاج إلى ضخ ماء الحياة فيها بعد أن جمدت على ألفاظ وتعبيرات ليس في التمسك بها فائدة كبيرة ولا في تجاوزها خسارة ثقيلة، وتحتاج إلى جهود لتقريبها من أفهام أبناء هذا العصر، بعد أن انقطعت معطيات تاريخية وثقافية كثيرة عاشها أبناء العصر الذي صيغت فيه نظرية المقاصد أول مرة.
 

ومن ذلك مثلاً: أنه قد استقر في الأذهان ومنذ أحقاب متطاولة من الزمن مفهوم «الحفظ»، كبادئة عند الحديث عن الضروريات الخمس، فنقول: إن للشريعة مقاصد كلية أو ضرورية تتمثل في: حفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ النفس وحفظ النسل، وحفظ المال. ولا نرى ضرورة أصولية أو منطقية تحتم التمسك بكلمة «الحفظ»، بل هناك ما يوجب إعادة النظر فيها واستبدال كلمة أخرى بها.

باستشارة قواميس اللغة بشأن المعاني التي يشير إليها لفظ «الحفظ»، وجدنا أن هذا اللفظ يعني الصيانة من التلف، والإبقاء على الشيء بمنأى عن الخطر، ويعني أيضاً دفع التحريف عن الشيء المحفوظ، ورعايته بما يضمن استمراره على ما هو عليه. تلك هي الحقول الدلالية التي يتجه إليها معنى الحفظ، ومن تلك الحقول تتشكل الشحنة المعنوية للفظ لدى مستقبله وسامعه وقارنه، وهي شحنة تميل كل الميل نحو السكون والدفاع والصيانة والترميم في أحسن التصورات فإذا أضفنا إلى ذلك اقتصار مؤسسي نظرية المقاصد على ذكر أمثلة ردعية وزجرية لبيان كيفية تطبيق «حفظ هذا المقصد أو ذاك، سنجد أننا بإزاء مظلومية تاريخية تعاني منها نظرية المقاصد حتى اليوم. فقد اشتقت الأمثلة التي ضربها مؤسسو المقاصد. في أغلبهم وليس جميعهم على أية حال. من الحدود الخمس: فمثال حفظ الدين مشتق من عقوبة الردة لمن بدل دينه، ومثال حفظ العقل مشتق من عقوبة شارب الخمر، ومثال حفظ النفس من حد القصاص، ومثال حفظ النسل من حد الزني، ومثال حفظ المال من حد السرقة. ولم يأت ضربهم لتلك الأمثلة جزافاً؛ إذ يقف خلفها منطق متماسك وموصول بالجهود النظرية الأولى التي ظهرت مبكراً في تاريخ ابتناء نظرية المقاصد ذاتها. فقد انطلقت تلك الجهود من مفهوم «الزجر»، و«المزجرة» وهذا هو ما نجده عند أبي الحسن العامري (ت۳۸۱هـ)، وهو أحد الأوائل المؤسسين معرفة وكتابة لنظرية المقاصد، وهو أول من سبق إلى صوغ الضرورات الخمس الكبرى، التي.  كما يقول الريسوني. أصبحت على مر العصور محور الكلام في مقاصد الشريعة، وجرى تنقيحها وضبطها لاحقاً على يد إمام الحرمين ومن بعده «الغزالي»، ومن بعدهما «الشاطبي»، وهلم جرًا.

من أهم الضرورات النظرية لتجديد ثقافة المقاصد الفراغ الهائل في مواجهة النظريات الوافدة وبخاصة في مجالات حقوق الإنسان، ومبادئ الإدارة الجيدة والشفافية والمحاسبة. ولا يملأ هذا الفراغ في هذه المجالات إلا «نظرية المقاصد العامة للشريعة»، على أن يجري تجديدها، وتقديم اجتهادات معاصرة لكيفية ربطها بالقضايا المشار إليها.

ومن أهم الضرورات العملية لتجديد ثقافة المقاصد أيضاً: تلك التحديات الكثيرة التي تواجهها مجتمعاتنا العربية والإسلامية والتي لم تكن معروفة في العصور السابقة، ومنها التحديات التي تفرضها موجة العولمة الكاسحة، وسرعة التغيرات الاجتماعية والسياسية ومركزية قضايا حقوق الإنسان والحريات العامة والفردية وقضايا الأقليات المسلمة وغير المسلمة وكيفية استيعابها في إطار جامع يحقق المصلحة العامة.

الرابط المختصر :