; صيحة تذكير ضد الإجهاض .. الأجنة البريئة.. لا روح فيها فكرة خاطئة | مجلة المجتمع

العنوان صيحة تذكير ضد الإجهاض .. الأجنة البريئة.. لا روح فيها فكرة خاطئة

الكاتب د. زياد التميمي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1995

مشاهدات 91

نشر في العدد 1150

نشر في الصفحة 62

الثلاثاء 16-مايو-1995

 

  • مؤتمر السكان بالقاهرة كان محاولة مشبوهة لتمرير قوانين الإجهاض في البلاد الإسلامية

بقلم: د. زياد التميمي 

رئيس قسم الأطفال بمستشفى الرس السعودية

تتعرض الأجنة في عصرنا الحاضر إلى عملية إبادة، منظمة، ليست جديدة الأصل لكنها أخذت طابعا مفزعا ومريعا بدأت في بلاد العالم المتحضر، وانتقلت إلى بلاد المسلمين مثل غيرها من العادات إن هذه العملية هي ما يعرف بالإجهاض إن هذا الموضوع يكتسب أهمية قصوى لا لأنه يتنافى مع أبسط حقوق الإنسانية فحسب بل لأنه يمس لب العقيدة وجوهرها، هذا إذا أبقينا جانبا آثاره السلبية على المرأة والأمة عموما. ولقد سرى هذا الداء حتى أنه أصبح يمارس بطريقة تنم عن جهل ونقص الشعور بالمسئولية وتلاشي معاني الرحمة والإنسانية في نفوس فاعليه. 

وإذا كان الواحد ينظر بشزر إلى: تلك العادة القبيحة التي سادت قبائل العرب قبل الإسلام وهي الوأد، فإننا ننظر بشزر أشد لانتشار الوأد الحديث الإجهاض، في مجتمعاتنا الحالية. 

نظرة غير المسلمين

ينظر غير المسلمين لهذا الموضوع بكل سذاجة واستهانة، بل إن قوانين صدرت في دول متقدمة تبيح الإجهاض وتجعله عملا خاضعا لهوى وتقدير الأسرة وربما الأم فقط بل ربما صدرت قوانين في دول أخرى تأمر به جريا وراء ما يسمى بتنظيم الأسرة، وما مؤتمر القاهرة للسكان الذي عقد في صيف ١٩٩٤م، إلا محاولة لتمرير مثل هذه القوانين الظالمة للبلاد الإسلامية كل ذلك تزيينا للمنكر لتبوء الأمة بالخسران المبين.

تعريف

تعرف عملية سقوط أو إسقاط الجنين أو انتهاء أو إنهاء الحمل به الإجهاض.

ويمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام:

الأول: وهو الإجهاض التلقائي (الذاتي) والذي يحصل بالرغم من المرأة وله أسباب كثيرة.

والثاني: هو الطبي (المحث) والذي يقوم به الطبيب الموثوق في دينه وعلمه أو يأمر به إنقاذا لحياة الأم عندما تتعرض للخطر بسبب الحمل مثل حالات السكري أو تسمم الحمل أو غيرها.

الثالث: وهو موضوع مقالتنا هذه، وهو الإجهاض المتعمد أو الجنائي، والذي يعمل بهدف واحد فقط وهو التخلص من الجنين.

أرقام مفزعة

تمارس عملية الإجهاض الجنائي يوميا في شتى بقاع العالم، منها ما يجري بطرق علمية أي بإشراف طبي وكثير منها يجري بلا إشراف وبطرق بدائية مما يؤدي في أحيان كثيرة إلى موت الأم (خاصة في الدول النامية) وتقدر الإحصائيات حالات الإجهاض تلك بالملايين فهي تزيد عن خمسين مليون حالة سنويا نصفها على الأقل في دول العالم المتحضر والنصف الآخر في الدول النامية إلا أن نسبة الوفيات في الأمهات أعلى في الدول النامية لقلة الرعاية الصحية وقيام كادر غير مؤهل لهذه العملية بعملها

غني عن البيان أن تفشي هذه الجريمة جاء نتيجة طبيعية لسلسلة الآثام والخطايا التي يقترفها البشر، إن شيوع الفاحشة والخطوات المؤدية إليها من تحلل غير مقيد بدين ولا عرف ولا وازع بشري يؤدي حتما إلى مثل هذه النهايات الخاطئة. وإن وقوع أعداد من أبناء المسلمين ضحايا للتقليد الغربي يوصلهم بلا شك إلى نفس هذه النتائج المحزنة، وإن كان ثمة ذرائع لمن يقدمون على هذه الفعلة فهي واهية، وأهمها السبب المادي والخوف من الفقر، فكأن الرزق بيد أولئك النفر وليس بيد الله تعالى الذي يحذر سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: ٣١)

 

عمر الجنين وقضية نفخ الروح

يحمل عدد غير قليل من العامة وعدد لا بأس به من المثقفين فكرة لا أصل لها ولا يؤيدها منطق وهي أن الجنين لا روح له ولا أهمية لحياته قبل ثلاثة أو أربعة أشهر من الحياة الرحمية، وقد يشتط البعض في فكرته إلى درجة الاعتقاد أن لا إثم ولا بأس من إسقاط الجنين خلال هذه الفترة أو قبلها. وقد يعزى رأي بعض الناس في ذلك إلى فهم خاطئ لحديث رواه عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون مثل ذلك علقة، ثم يكون مثل ذلك مضغة، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد... الحديث الوارد في الصحيحين ونقول إن هذا الفهم خاطئ لأسباب منها أن الروح التي هي أساس الحياة موجودة في هذا المخلوق منذ تكونت النطفة الأمشاج التي تنتج عن اتحاد نصفي الخلية المذكرة والمؤنثة والنطفة الأمشاج هذه تتعلق بالرحم بعد أسبوع واحد فيصبح اسمها علقة، كما أن عنصر الحياة الذي بدأ يمنع من إنهائها. يقول الدكتور محمد علي البار في كتابه القيم والذي يعد بحق موسوعة طبية دينية لا غنى للعائلة المسلمة عنها هناك من السابقين أمثال العالم ابن رجب الحنبلي في كتابه جامع العلوم والحكم ومن أن خلق يجمع في أربعين يوما، وفي هذه الأربعين تكتمل مراحل النمو من النطفة إلى العلقة إلى المضغة.. وهناك من فهم أن خلق الإنسان يتم في مراحل تستغرق كل مرحلة أربعين يوما فالنطفة أربعين والعلقة أربعين والمضغة أربعين ومجموعة ذلك مائة وعشرون يوما ثم يحدث عندئذ نفخ الروح، ولكن كثير منهم رأى أن ذلك يخالف الأحاديث الكثيرة الواردة في هذا الشأن ومنها حديث حذيفة بن أسيد - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول إذا مر بالنطفة (اثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكا فصورها وخلق سمعها ويصرها وجلدها ولحمها)، وعنه أيضا قال: إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك فيقول يارب ذكر أم أنثى... وغيرها أحاديث أخرى.

الفهم الجزئي للأحاديث

لذا يمكننا القول مرة أخرى إن فهم الأحاديث الشريفة جزئيا لا يعطي الصورة الواضحة ومن العلماء الأولين الأفاضل أمثال العبقري ابن القيم. رحمه الله - من فهم الموضوع فهما عميقاً متكاملا فعن حديث ابن مسعود وغيره من الأحاديث التي تتناول خلق الإنسان يقول رحمه الله في تفسيره التبيان في أقسام القرآن كلاهما حق قاله الصادق، وهذا تقدير بعد تقدير فالأول تقدير عن انتقال النطفة أول أطوار التخليق والتقدير الثاني عند كمال خلقه ونفخ الروح فيه، فذلك تقدير عند خلقه وتصويره وهذا تقدير عند تمام خلقه وتصويره. وقد فهم ابن القيم - رحمه الله - الأحاديث الواردة كلها والتي تبدو متناقضة في ظاهرها ولكنه شرحها بطريقة علمية فذة بينها بحكمة ودراية وهي أن هناك تصويرين للمخلوق أحدهما خفي في حكم الله وعلم الله وتقديره والثاني جلي ظاهر للعيان ثم يقسمها إلى أربع مراتب مرورا بعلم الله بالخلق قبل خلقهم ثم تقسيمهم في علمه إلى شقي وسعيد ثم تخصيص كل واحد بحصته ونصيبه ثم في النهاية خلقه ونفخ الروح فيه. ولم يكن ابن القيم - رحمه الله - هو الوحيد الذي (غاص) في هذا العلم الشائك وخرج منه بالنفائس والدرر ولكن كان هناك آخرون أمثال ابن حجر العسقلاني وابن رجب الحنبلي.

حق إنهاء حياة الكائن لمن؟!! 

وقد أجمعوا أن خلق الإنسان كله يجمع في الأربعين ونحن بعد هذا العرض نتساءل أيحق لأحد كائنا من كان أن يسقط هذا الكائن أو ينهي حياته بلا سبب شرعي قبل الأربعين، والجواب الوحيد هو طبعا لا، لأن هذا المخلوق قد بدأ مرحلة التخلق التي ستفضي له لأن يكون إنسانا كاملا، فإذا ما حرم من حق الحياة وأنهيت حياته التي منحه الله إياها فإن ذلك اعتداء على حياة واعتداء على حق الخالق الذي يعطي ويأخذ. ومن يعتقد أن الروح (بمعنى الحياة) وبالتالي الحق في الوجود غير موجودة قبل الأربعين وأنه لا ضرر ولا وزر من إنهائها في ذلك الوقت فإنه شخص واهم ومخطئ لأن الحياة بدأت في هذا المخلوق من ساعة التحام نصفي الخليتين لتكون في النهاية إنسانًا.

الخلاصة: نخلص إلى القول: إن الكائن البشري يتمتع بالحياة وبالحق فيها من ساعة التحام نصفي الخليتين التي توصله بأمر الله إلى الخلقة الكاملة التي قدرها الله له وهذه الحياة لا تنزع منه إلا بحقها، فإذا ما اعتدى عليه معتد ونزع منه حياته فأنهاها وأسقطه من مهده الذي ينمو فيه في أية مرحلة من مراحل نموه فقد أوقع نفسه تحت طائلة الشرع ومحاسبته في الدنيا فإن نجا منها فلن ينجو من عقاب الله الشديد في الآخرة.. 

الرابط المختصر :