العنوان صياغة العقيدة
الكاتب منير الغضبان
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يوليو-1974
مشاهدات 101
نشر في العدد 211
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 30-يوليو-1974
كانا أخوين في بيت واحد، أبو حذيفة بن عتبة، وهند بنت عتبة، ونشأ في بيت عتبة ربيعة غني مكة وأحد قادتها الأعلام وزعمائها المشهورين.
جاء الإسلام ليفرق بين الأخوين فتبقى هند في بيت أبيها عتبة ثم تنتقل إلى بيت زعيم آخر هو أبو سفيان ابن حرب أما أبو حذيفة فينضم إلى لواء الإسلام وتصبح يثرب موطنًا له.
وتقوم غزوة بدر.
يستمع أبو حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينهي المسلمين عن قتل بعض المشركين في جيش مكة أمثال حكيم بن حزام وأبي البختري بن هشام والعباس بن عبد المطلب.
وفي لحظات من لحظات الضعف وهو يصغي إلى هذا النهي فيفقد أعصابه وتغيب العقيدة الإسلامية عن ذهنه ويقول:
أنقتل آباءنا وأعمامنا وندع عم محمد والله لئن لقيت العباس بن عبد المطلب لألجمنه بالسيف ويستمع الرسول المربي عليه الصلاة والسلام لأبي حذيفة وهو في هذه النزوة فيتجه لابن الخطاب قائلًا: یا أبا حفص أيضرب وجه عم محمد بالسيف.
قال عمر رضي الله عنه: دعني أضرب عنقه یا رسول الله فلقد نافق.
ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يود ضرب عنق جنديه أبي حذيفة ولكنه أحب أن يضع نصب عينيه الموقف الأمثل للجنـدي المؤمن.
كانت سورة غضب عنيفة من أبي حذيفة ولكنها كانت درسًا قاسيًا عنيفًا بنفس الوقت.
فعاد إلى مصون عقيدته يراجع مقالته.
عاد المؤمن إلى حصن إيمانه وتخلى عن طبيعته الغاضبة الثائرة الجموح لعصبيته وأقاربه وعرف أنه فعلًا بهذه الكلمة تصرف تصرف المنافقين.
ولم يمض في شوط عصبيته إلى النهاية فحمل سيفه وراح يجالد بن الخطاب بل عاد يراجع رصيده على ضوء معطيات الإيمان لديه.
ولم تكن كلمة عابرة وانتهى الأمر.
بل كما قال: فما زلت أصوم وأتصدق رجاء أن يكفرها الله عني وما أرى يكفرها إلا الشهادة.
وقتل يوم اليمامة شهيدًا.
ولم تكن كلمة عابرة، وانتهى الأمر، بل كانت إعادة لصياغته وبنائه من جديد
فأين نشهد ذلك؟
نشهده بالمقارنة بين ثورته العارمة لكلمة يرى بها تميزًا لعم محمد صلى الله عليه وسلم على أبيه وعمه وبين صمته وهو ينتقل من الكلام المجرد إلى الواقع المرير.
ها هو في الصف الإسلامي وهو ينظر بأم عينه
أبوه عتبة بن ربيعة وعمه شيبة بن ربيعة، وأخوه الوليد بن عتبة يتشحطون بدمائهم قتلى تسفي عليهم الربح، وليس هذا فقط.
بل يقوم إخوانه المسلمون بجر جثثهم إلى قليب بدر.
وقبل أن نتحدث عن موقفه وتصرفه وهو صاحب الثورة العارمة، والغضب الهائج يحسن أن نعود إلى أخته هند بنت عتبة التي تركناها في أول الحديث.
مر على بدر سنة كاملة والحقد ينهش قلبها ويأكل كبدها وفي لحظة من لحظات الانتقام وجدت جثة حمزة بن عبد المطلب قاتل أبيها وعمها وأهلها بين يديها فانصبت بكل ما تملك من حقد، وما تحمل من ثأر وغضب لتشق بطن الحمزة، وتلوك كبده ثم تلفظه لعجزها عن ابتلاعه.
هكذا تصرفت، متى؟ بعد سنة. ومن هي؟ امرأة.
والمصيبة نفسها لدى أبو حذيفة أبوه وأخوه وعمه، فماذا تصرف؟
لا بعد سنة. ولكن بعد لحظات والدم لم يجف بعد ومن هو؟
هو الرجل المكلف بالثأر وهو هو وأخته من طينة واحدة وبيئة واحدة وخلق واحد وبيت واحد.
رأينا كيف تصرفت هند الجاهلية«آنذاك»
فكيف تصرف أبو حذيفة المسلم؟
إننا إذا شئنا القياس على أساس البيئة والتكوين والخلق، وبجانب أبي حذيفة حمزة وعلي قاتلًا أبيه وأخيه وعمه.
كل ما يملك أن يتصرفه بدون عقيدة وقياسًا على تصرف أخته هند، قياسًا على خلقها وحقدها وغضبها وثورتها.
كل ما يملكه أن يستل سيفه، وينقض من خلف حمـزة وعلى. فيقتلهما، ويقتل بعد أن يثأر لأبيه وعمه وأخيه، وعمرو بن أبي سفيان ابن أخته هند.
وهنا تبرز صياغة العقيدة.
نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه جنديه أبي حذيفة في اللحظات العصيبة. إبان جر جثة أبيه وأخيه وعمه إلى القليب.
فوجده قد امتقع لونه
ترى أیفكر في الانقضاض؟
قال له رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: يا أبا حذيفة لعله رابك من مقتل أبيك شيء؟ وينطق الإيمان، وتنطق العقيدة وينطق أبو حذيفة.
والله ما شككت في أبي ولا في مصرعه ولكن كنت أرى لأبي حلمًا وعقلًا كنت أرجو أن يهديه إلى الإسلام فلما رأيت مصرعه آلمني ما رأيت.
أين العواطف الهائجة، وأين الثورة العارمة، وأين الحقد الدفين، وأين الغضب الجامح، أين هذا كله؟
لقد ذاب في أقوال العقيدة وانصهر في معملها وتحول أبو حذيفة بن عتبة إنسانًا آخر جل تفكيره وهو يرى مصرع أبيه وأخيه وعمه هو في المصير البائس الذي انتهوا إليه ماتوا على الكفر حزن عليهم حزن المؤمن الواثق الذي كان يتمنى لهم الهداية.
ولكن ماله ولهم.
هو مؤمن، وهم كفار. وليذهب دمهم هدرًا ويطل.
وأصغى مع المصغين بخشوع وضراعة وأسى إلى قائده رسول الله صلى الله عليه وسلم وهـو يخاطب أباه وعمه وأخاه وبقيـة عصابة الكفر.
يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة يا عمرو بن هشام، هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا.
وانطوت صفحة عتبة وشيبة والوليد في رمال بدر وغيبهم الثرى هناك.
وبقي أبو حذيفة المؤمن الصابر المجاهد لا يشك في مصرع أبيه. ويعلم أن مصيره كما وعد ربه وكأنه يردد قول نبي الله صالح عليه السلام:
﴿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ (الأعراف : 79).
الرابط المختصر :