; صياح الغوغاء | مجلة المجتمع

العنوان صياح الغوغاء

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يونيو-1979

مشاهدات 100

نشر في العدد 448

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 05-يونيو-1979

كثيرًا ما تسمع تلك الصيحات، وتنصت إلى هذا الضجيج في الشعوب المتخلفة، والأمم الهابطة التي زرعت عقولها في حناجرها، ووضعت حلومها في أصواتها تردد كالببغاوات ما يملى عليها، وتجتر كالسوائم ما يقدم لها، لقنت الوكالات بغير مدلول، وعلمت الألفاظ بغير معان، أوحي إليها أن الوطنية شعار، وأن التقدمية لافتة.

 إنها جرت إلى الهاوية بسلاسل الخداع، وسحبت إلى الحضيض بقيود الزيف، وطمست عقولها، ونهمت بطونها، وفتحت عيونها، وحجبت بصائرها، صورت لها الأوهام حقائق مجردة، وقدمت لها الأباطيل نظريات مسلمة.

 حبست عن كل هواء نقي، وفكر ذكي وقلب تقي، فأصبحت وقودًا لكل فتنة ولهبًا لكل محنة، يد الغاشم وسيف الظالم، وقانون الباغي ولسان الحقود، ومعول الهادم وحجة الكذوب.

 قُدموا ونُحي غيرهم، وصُدروا وأُخر سواهم، بنيت بهم صروح الوهم، وشيدت عليهم ممالك القردة، ورفعت بهم أعلام الهوان.

 حملوا على كواهلهم كل عار، ولطخت بجباههم كل مصيبة، أنطقوا حيث يجب الصمت، وأصمتوا حيث يجب النطق، ناموا حيث اليقظة فريضة، وقاموا حين يكون القيام خزيًا، وتقدموا حين يكون التقدم معصية، وتأخروا حيث يكون التقدم جهادًا.

 وربوا بعناية، ونشئوا بإتقان ليكون دمى على المسرح، وخيالات على حوائط، وصورًا في إطارات وقطعًا في شطرنج، وأعدوا بتخطيط، وشكلوا بمهارة ليصبحوا بهلوانات في الساحة، وحناجر في الطريق وأصوات في الاستفتاء وحزبًا في اليد.

 رغبوا ورهبوا، ومنوا ومنعوا، حتى لانت قناتهم، وسلس قيادهم، فكانوا حيوانات في سيرك، ونمرة في لعبة، ومشهدًا في برنامج.

 عقد بهم الإجماع، وعدل بهم العرف، وبند بهم القانون، تكلموا ولم يفتحوا فمًا، وأرادوا وليست لهم إرادة، وحكموا ولم يعرفوا قضية، إنهم علماء حيث يراد التضليل، وقادة حيث يراد الاستعراض، ومهرة حيث تحاك الفتن، ونبغاء عند الأوسمة، وشرفاء عند المناصب، وأمناء عند الخزائن، وعمالقة في الاحتفالات، وسادة على المقاعد الوثيرة، وأباطرة فوق المنصات المرتفعة.

 يأخذون بغير عطاء، ويكسبون بغير تجارة، ويقبضون بغير عمل، ويجمعون ولا نصب، ويبذرون ولا مبالاة، ويبددون ولا رقيب.

 إنهم هالة فوق النظام، وقداسة فوق القانون، وإرادة فوق اللوائح، وسلطة فوق المحاسبة.

 أمنهم هو الأمن، ورغبتهم هي المصلحة، وشهوتهم هي السداد، وحقدهم هو الحزم، وأموال الناس ثروات لهم يتفضلون بها عليهم، وأرزاق الأمة جهدهم يمنحونه إياهم وحياة الناس ملك لهم يتمتعون بها تحت رقابتهم، وجملهم ينفذ من سم الخياط، وثورهم يمر من ثقب الباب، وفيلهم يطير دون جناح.

 أعماهم صادق النظرات، وأقطعهم قوي اليد، وأخرسهم فصيح اللسان، وأعرجهم يسابق الريح.

 نفاقهم لباقة، وكذبهم كياسة، وجبنهم حكمة، وهلعهم شفقه على الناس.

 هم دخان لا ضوء، وسراب لا ماء، ووهم بلا حقيقة، وخيال دون إجرام، و أقوال بغير فعال، هلع في الشدة، وخنوع في البأس وجبن في الوغى. 

 إنهم فرار في النزال لا يقوم عليهم بناء، ولا ترتفع بهم صروح، ولا تعتمد عليهم أمم، ولا تنهض بهم حضارة، ولا تعلو بهم قيم، يتوهون كالجرذان عند المكارم، ويحقرون كالديدان عند العظائم، ويصيحون كالغربان عند الغنائم، يطربون للفتن ويتيمون بالطغيان، ويعشقون الوقيعة ويهوون الضلال ويصفقون للخراب.

 الوحل يسكرهم والجيف تسمنهم، والذل يكسوهم والعار يعلوهم.

 اشتروا الضلالة بالهدى، والخسة بالشرف، والخنوع بالرجولة والعماية بالبصيرة، إنهم ذباب في الهواء، وريش في الفضاء، وكلاب في العراء.

 أقول هل هذا هو الإنسان؟ وهل هذه طبيعته؟ وهذا هو معدنه؟ لا و ألف لا.

 إذن فمن الذي أفسد تلك الفطرة وخرب هذه النفوس، وشتت هذه الأذهان؟ من مسخها قرودًا وملأها برودًا؟ ودربها على الحقد، وأسلمها للعقد؟ وسلبها الإحساس؟ حتى صارت خشبًا مسندة وقطعًا مبددة. 

 من قتل فيها الرجولة وعلمها الرعونة، وأخذ منها الفهم وأعطاها الوهم؟ أي إبليس هذا وأي شيطان هو؟

 ولا عجب فهي طبقات ومدارس وثقافات وفن، فقد تثقف أحدهم على يد ساحر، وتدرب على يد كاهن، ولبس مسوح راهب، وتكلم بصوت ملك، وحفظ أرجوزة ثعلب، ونطق بلسان ببغاء، وتعلم في مدرسة ذئب، وتقمص طبيعة شيطان، وتشبث بحجم إبليس، فإذا أتم ذلك وجهوه وغيره ليكونوا قادة مهرة للقطعات، ومدربين محنكين للغوغاء. 

 يوجهونهم كالسيل للخراب، ويدفعونهم كالموج للدمار، ويحرضونهم كالبله للصياح.

 وتكاد تسمع هذه الضوضاء الراعنة على مدار التاريخ سندًا للظلم الصارخ والباطل السافر، والضلال المبين. 

 يحكي القرآن الكريم قصة إبراهيم -عليه السلام- فكأنك تسمع فيها رعشات الأصوات الهوجاء ونبرات الحناجر الملتاثة، إذ يقاد إبراهیم تسوقه أفواج الرعاع البله، وتشيعه لعنات المقهورين العمي، لأنه ثار على الخرافة المتسلطة، والأوهام المتحكمة، والأهواء المتربصة، وأنكر الأباطيل الشامخة، والهياكل المقامة والهالات المعبودة، وخرج على النماردة المؤلهين، والسدنة المدجلين، والغوغاء المخدوعين، فتقام له محاكمة دستورية، ومهزلة قانونية ومحاسبة شعبية، ويظهر العصر بمباحثه ومخابراته كالح الوجه، أزرق العين، كبير الأذن، صغير العضل، منعدم الضمير، متمثلًا في قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (الأنبياء: 60).

 وكثيرًا ما يسترق السمع على المصلحين، وتعد الأنفاس على الراشدين، وتحسب الزفرات على المخلصين، ويبارك اللاهون المدمرون الذاهلون، ثم تقول السلطة اللعوب والقيادة الملتوية ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (الأنبياء: 61)، ويحضر إبراهيم -عليه السلام-، ويا له من موقف صعب أججته المخابرات، وتنمرت له السلطة، وهيأته الدعاية، وبهرجته البطانة، وتحمست له الجماهير، ثم يستأنف التحقيق بدهاء الثعلب، وبمنطق المستدرج وأسلوب المعذر ﴿أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (الأنبياء: 62)، وليس بأصنامنا وهي الخشب! ولا بأوثاننا وهي الحجارة!، بل بلغة التهييج والمقدسات «بآلهتنا»، فلسنا نحاكمه حفاظًا على سلطتنا، أو خوفًا على سطوتنا.. إنما لتعديه الصارخ على معبوداتكم، ونيله الآثم من عقيدتكم، وكم تجهز القوالب وتعد الأوعية، وتصنع المقاسات، حتى ولو كانت لأنبياء الله -تعالى- ورسل

الهداية.

 وهنا يقف الإنسان جامدًا مبهورًا لثبات إبراهيم -عليه السلام- المذهل، ورسوخه المدهش وإيمانه العميق، فينطلق لفظه المسكت، وتظهر حجته الدامغة، ويتكلم لسانه الساخر ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ كم فيها من لمس للعقول، وتحريك للضمائر، وتنبيه للأذهان وتلويح بحالهم، فكانت وقفة من هول الحق، ورعدة من صدع الحقيقة. ولكن إذا كان التدني عميقًا والتسفل غائرًا، والأجواء ملوثة، والضباب كثيفًا، قلما ينجو من هوله مصاب، ويخلص من من براثنه مستسلم.

 ويصور القرآن ذلك بإعجاز: ﴿فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ (سورة الأنبياء: 65). 

 ونرى بعد ذلك احتدام الصدام ونهايته الحتمية، فيقول إبراهيم -عليه السلام-: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (سورة الأنبياء: 67)، وتكشر السلطة عن أنيابها الغليظة، وتفتح أشداقها المحمومة، وتتحرك طبيعتها الناسفة، وتصدر أحكامها الملتهبة وقراراتها المحرقة فتقول ﴿حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (سورة الأنبياء: 68)، فانطلقت الجموع الملتهبة تسعر الوديان، وتوقد النيران، وترضي الطغيان وتهلك الإيمان.

 وتحريق إبراهيم -عليه السلام- يعني تحريق كل عقل مفكر، وكل إرادة حرة، وكل معتقد سليم، وكل نفس أبية، وكل دعوة للإصلاح، وطريق للخلاص، وأسلوب للكرامة، وأمل للمظلوم، ونصرة للحق، وكم كان حجم التدمير كبيرًا ومهولًا. وهذا لا قيمة له عند الغوغاء في لحظات نحوس، وساعات حوالك، وأوقات عجاف، تعاني البشرية منها طويلًا، وكم تعاني كلما تكرر الوباء ورجعت العلة وعاود الداء، وكم يلاقي المصلحون منه ما يثقل كواهلهم، ويوهن قواهم، ويحطم عزائمهم لولا عناية الله -تعالى-.

 وبعد.. فيجب أن يكون في كل أمة ناهضة ومجتمع سامق، آذان تمیز الصياح من النصح، والصراخ من الإرشاد، والتشنج من الحكمة، والإسفاف من الإنصاف، وعيون تفرق بين الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور، والأحياء والأموات، وعقل تبين الهدى من الضلال، والرجال من الصغار. نسأل الله -تعالى- ذلك لرجالنا وأمتنا..

الرابط المختصر :