العنوان صور من الاتجاهات المعادية للإسلام
الكاتب الشيخ محمد الأباصيري خليفة
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1975
مشاهدات 114
نشر في العدد 255
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 24-يونيو-1975
صور من الاتجاهات المعادية للإسلام
سطر التاريخ في صفحاته أن المسلمين منذ أن اهتدوا بهداية الإسلام وأقاموا نظامه في الحياة… والكفرة -على اختلاف مذاهبهم ومواقعهم- يحاربونهم بكل سلاح ويعملون على تدميرهم!
ومبعث ذلك أمران، الأمر الأول حقد الكفرة على الإسلام وأهله. وإذا كان قيام الكفار في مهد الدعوة الإسلامية بتعذيب المؤمنين بها، وما شنوه من حروب في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة، إذا كان ذلك عنوانا واضحا على هذا الحقد فإن ما قام به الكفر بعد ذلك، ويقوم به للآن ضد المسلمين في كل مكان لدليل على تأصل هذا الداء الوبيل واستمراره وعدم التخلي عنه، الأمر الذي يوجب علــــى المسلمين الحذر واليقظة والإعداد والاستعداد والتعاون حتى يردوا كيد الأعداء في نحورهم، ويسلم لهم دينهم، وتصان حقوقهم، ولقد كشف القرآن الكريم عن هذا الحقد محذرا المؤمنين من غوائله فقال تعالى ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 217).
وأثار هذا الحقد في البـلاد الإسلامية على مدى التاريخ كثـيرة وعديدة نكتفي منها بذكر المعالم للتنبيه والتذكير.
لقد قامت دول أوروبا في أواخر القرن الحادي عشر بشن حملات تحمل اسم الصليب على بلاد المسلمين في الشرق الأوسط. مكثت أكثر من مائتي عام، وكان الغرض منهـا القضاء على الإسلام كدين بعد أن لم تفلح في القضاء عليه كنظام، وانحدرت حملة التتار من وراء الهضبة الفارسية إلى بلاد المسلمين في الشرق الأوسط كالسيل الجارف وعاثت فيها فسادا وتخريبا!! ولكن روح المقاومة الإسلامية التي حملت مصر رأيتها هزمت الصليبيين في «حطين» والتتار في «عين جالوت» وعلت كلمة الحق على أنقاض الحقد والطغيان.
وكان من آثار هذا الحقد أن هجمت دول أوروبا -بعد الحرب العالمية الأولى- على بلاد العرب ومزقتها واقتسمتها، وتواصت هذه الدول فيما بينها أن تحارب بكل الوسائل نزعات الحنين إلى الإسلام، والرغبة في الأخذ بتعاليمه والاحتكام إليه حتى لقد نصت فيما تعقده مع العرب من معاهدات على أن تكون القوانين السائدة متفقة مع قوانين الغرب الفاسدة.. فعلوا ذلك مع البلاد العربية في الوقت الذي سلخوا فيه دول البلقان من الخلافة العثمانية ومنحوها الاستقلال مع أن البلاد العربية -حينذاك- لا تقل عنها تقدما ورقيا.. ولم يطيقوا أن يروا رمزا لكلمة المسلمين المجتمعة فاشترطوا على مصطفى كمال لإجراء صلح أخير أن يلغي الخلافة العثمانية ويزيل شبحها من الوجود لأنها تمثل في نظرهم دولة الإسلام.
ومن آثار هذا الحقد أيضا تآمر الدول الكافرة -على ما بينها من اختلاف مذهبي أو سياسي- على اغتصاب فلسطين قلب العروبة والإسلام، وإعطائها لليهود يقيمون فيها دولة إسرائيل التي تمثل اليهودية على أنها دين ودولة، وأخذوا يزودونها بالأسلحة والتعويضات والقروض والمنح لتقوى وتتمكن من الاستقرار والتوسع في الأرض العربية.
وقد يرتاب البعض في أن هذه الدول تتحرك ضد الإسلام بنزعات صليبية حادة أو نزعات الحادية مدمرة، ويخدع بما يقال من أن الدول غير الإسلامية تركت الدين
جانبًا في معاملاتها، والحقيقة فيما قررناه فهو مشاهد في الواقع الملموس؛ إذ إننا نعلم -بالإضافة إلى الحروب الصليبية- أن ملك الإنجليز يلقب بحامي المسيحية، وأن البند الأول في برنامج حزب المحافظين إقامة حضارة مسيحية، وأن أحد الأحزاب التي تحكم في إيطاليا »الحزب الديمقراطي المسيحي»، ونعلم أن دول أوروبا تجند المبشرين، وتضع في أيديهم أقوى الإمكانيات المادية للتبشير بالمسيحية في آسيا وأفريقية، وفي حرب التحرير الجزائرية كانت البلاغات الرسمية للفرنسيين تذكر كلمة مسلم أو مسلمین بدل جزائري أو جزائريين، فنقول: فعل المسلمون كذا، قتلنا من المسلمين كذا، والمقصود من ذلك إثارة العصبية الدينية في نفوس الفرنسيين ضد الجزائريين، ولن ننسى أحداث نيجيريا؛ فهي علامات واضحة على تلك الزعامات الحاقدة، لقد اغتيل الزعيمان المسلمان اللذان كانا يديران دفة السياسة في نيجيريا، وهما الشهيدان أحمد وبيللو وأبو بكر تيفاوي؛ لأنهما كانا يقفان ضد التيارات الصهيونية والإغراءات الإسرائيلية دفاعًا عن القضية الفلسطينية، وحين انشق الإقليم الشرقي من الاتحاد النيجيري، وسمى نفسه (بیافر) سارعت الدول الغربية وإسرائيل إلى الاعتراف به لا كشيء سوى أن حكام الاتحاد مسلمون، وأخذت صحف الغرب تصور الحرب الدائرة بين الإقليم المنشق والاتحاد النيجيري بأنها حرب بين المسلمين وبين الرجل الأبيض لتثير بذلك العصبية الدينية ضد المسلمين.
وما يرتكب مع المسلمين في الفلبين وفي أرتيريا ما هو إلا حلقة في سلسلة الأحقاد ضد الإسلام.
وما تبذله الدول الكافرة ماديًا وفكريًا في اصطناع العملاء من أهل البلاد الإسلامية ليحدثوا بهم انقلابات في الحكم تقوم على تنحية الإسلام عن واقع الحياة ليسلم لهم وجه الفساد والإفساد في أوضاع البلاد، ما هو إلا صورة مجسمة من صور الحقد الأسود على الإسلام.
أما لماذا هذا الحقد على الإسلام؟ فذلك لأنهم يعلمون أن الإسلام في الميدان السياسي حرية نزيهة، وفي الميدان الاقتصادي موازنة عادلة، وفي مجال السلوك أخلاقيات نظيفة، ووظيفة الدولة فيه أن تحشد كل الطاقات لتحقيق هذه الاتجاهات التي تشع بها تعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية، وذلك مما يسد على الاستعمار منافذه، ويضيق عليه مسالكه، ويعيد الأمة إلى سابق مجدها يوم أن ساقت جيوش التحرير لتمنح حق الحياة للآدميين الذين سقطوا تحت جبروت الحكم الكسروي المتأله في فارس، والحكم القيصري المتأله في الروم.
أما السبب الثاني فهو الموقع الجغرافي الممتاز للوطن العربي، فالوطن العربي يعتبر منطقة التقاء القارات الرئيسية الثلاث في العالم القديم (أوروبا وآسيا وأفريقية) وهو في الوقت الحاضر معبر هام بين الشرق والغرب، وتطل سواحله على محيطين (المحيط الهندي من ناحية الشرق، والمحيط الأطلنطي من ناحية الغرب)، ويربط بينهما البحران الأبيض والأحمر، ويشرف على العالم من منافذ بحرية هامة في منطقة عدن ومنطقة السويس ومنطقة طنجة، وأخص خصائص هذا الموقع أنه يتحكم في طريق السويس البحري الذي يربط بين شرق آسيا وجنوبها وأستراليا بأوروبا، وتوفر السفن التي تعبر هذا الطريق مسافات كبيرة؛ فالسفن القادمة من الهند إلى لندن تو فر ما يقرب من (4500) ميل، والسفن القادمة من الهند إلى إيطاليا توفر ما يقرب من (7000) ميل، وعن هذا الطريق ينقل البترول من منطقة الخليج إلى أوروبا وأفريقية.
والوطن العربي يتمتع بحدود رسمتها الطبيعة، وهي من أكثر أنواع الحدود السياسية قوة وحصانة، ويمتاز بإنتاج زراعي يعتبر في بعض الغلات نصيبًا كثيًرا من الإنتاج العالمي، فقد قرر خبراء الاقتصاد أن عشرة في المائة من القطن العالمي تنتجه (مصر والسودان)، وما يقرب من ثلثي الإنتاج العالمي من الزيتون وزيت الزيتون تنتجه (تونس والمغرب وسوريا)، ونحوًا من ثلث الإنتاج العالمي من الموالح تنتجه (فلسطين والجزائر والمغرب)، وأكثر من ثلثي الإنتاج العالمي من التين تنتجه (الجزائر وتونس) وثلاثة أرباع تمر العالم تنتجه العراق والجزائر، وتسعين في المائة من الصمغ العربي في العالم تنتجه السودان، وبعض الدول العربية تساهم بمحاصيل أخرى كالبن والأرز، كما يمتاز الوطن العربي بإنتاج كبير في التعدين؛ فقد قرر الخبراء أنه يساهم بأكثر من ربع بترول العالم، وتحتوي أرضه على ما يزيد عن ثلثي رصيد العالم من البترول المخزون، وفيه الحديد والفوسفات والمنجنيز والرصاص.
فالدول الأجنبية التي تضع يدها على هذا الموقع، أو يكون لها فيه نفوذ تكسب لنفسها مواقع عسكرية ممتازة تحقق لها السيطرة والغلبة على غيرها، وتستطيع -إلى حد كبير جدًا- أن تمسك بالميزان الاقتصادي في يدها، وأن تستولي على المواد الخام زراعية ومعدنية بأسعار بخسة، وتقدم في المنطقة مقابلًا لها المصنوعات (كالمنسوجات والآلآت) بأسعار مرتفعة.
وباعتبار الوطن العربي ما زال منطقة بكرًا فيمكن أن تستغل فيه رءوس الأموال الأجنبية بما يحقق الربح الوفير للأجانب، ومن أجل هذه المميزات للوطن العربي رأينا الاستعمار يفقد صوابه حين رفعت يده عن قنال السويس، ويشن حربًا جنونية على مصر انتهت بهزيمته عام1956.
أيها المسلمون عزة أوطانكم ومجدكم وغلبكم لأعوانكم في الاستمساك بالإسلام؛ فإن النظام الإسلامي يطارد الاستعمار كما يطارد الشيوعية، ولن يسمح لأي لون من ألوان الاستعمار أن يعيش في الوطن الإسلامي: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ (سورة المنافقون: 8).