; صور من افتراءات المستشرقين على السنة النبوية الشريفة «۲» | مجلة المجتمع

العنوان صور من افتراءات المستشرقين على السنة النبوية الشريفة «۲»

الكاتب عزية علي طه

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1987

مشاهدات 65

نشر في العدد 837

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 06-أكتوبر-1987

أخي القارئ:

نتابع معك في هذا العدد القسم الثاني من «صور من افتراءات المستشرقين على السنة النبوية الشريفة» لنرى كيف أن غلوم قد أنكر معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم الحسية:

۳-إنکار غلوم لمعجزات الرسول صلى الله عليه وسلم الحسية:

لقد استعرض غلوم بعض الأحاديث النبوية الشريفة التي تثبت المعجزات الحسية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكر ثبوتها زاعمًا بأنها منسوبة كذبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونراه يدعي بأن هذه الأحاديث منقولة عن أناجيل النصارى، ففي بعض صفحات مؤلفة تحت عنوان الاقتباس عن النصارى يقول: إن حديث أنس عن البركة التي حلت في طعام أبي طلحة وأم سليم مأخوذ عن القصة التي وردت في إنجيل يوحنا من ١ إلى ۱۱.. وأن الأحاديث التي وردت عند المسلمين حول بركة محمد صلى الله عليه وسلم التي شفي بفضلها بعض الصحابة كشفاء عيني علي بن أبي طالب في إحدى المغازي مأخوذ عن إنجيل مرقص ۱۲: ۳۳ ونبع الماء من بين أصابعه مأخوذ عن معجزات المسيح.

ويستمر غلوم في تخرصاته قائلًا: ومما يؤيد ما بيناه سابقًا أنه قبل فتح البلاد التي كان يسكنها النصارى لم يكن المسلمون يعرفون لمحمد صلى الله عليه وسلم معجزة غير القرآن لكن بعد الفتوحات نسبوا له معجزات حسية شبيهة بمعجزات المسيح.

إن الأحاديث التي ساقها غلوم أحاديث صحيحة وموجودة في أكثر مصنفات الحديث صحة؛ فالحديث الأول موجود في صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فأخرجت أقراصًا من شعير ثم أخرجت خمارًا لها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت ثوبي وردتني ببعضه، ثم أرسلتني به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذهبت به فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أأرسلك أبو طلحة؟»، فقلت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه: «فقوموا»، فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم. قال: فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو طلحة ورسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلمي يا أم سليم ما عندك»، فأتت بذلك الخبز، فأمر به ففت وعصرت عليه أم سليم «عكة» لها فأدمته، ثم قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول ثم قال: «ائذن لعشرة»، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: «ائذن لعشرة»، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: «ائذن لعشرة»، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا.. ثم أذن العشرة، فأكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم ثمانون رجلًا .

إن وجود هذا الحديث في أكثر الكتب صحة يدل على أن الحديث توفرت فيه جميع شروط صحة الحديث وهي:

۱- اتصال السند؛ ومعناه أن كل راو من رواته قد أخذه مباشرة عن فوقه من أول السند إلى منتهاه.

2- عدالة الرواة: أي أن كل راو من رواته اتصف بكونه مسلمًا بالغًا عاقلًا غير فاسق ولا محروم المروءة.

٣- ضبط الرواة: أي أن كل راو من رواته كان تام الضبط؛ إما ضبط صدر أو ضبط كتاب.

4- عدم الشذوذ: والشذوذ هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.

٥- عدم العلة: والعلة سبب غامض خفي يقدح في صحة الحديث؛ مع أن الظاهر السلامة منه.

وبهذا يبطل زعم غلوم بأن الحديث منقول عن إنجيل يوحنا، وخاصة وأن سند الأناجيل الأربعة مقطوع بين مؤلفيها والسيد المسيح من جهة وبينهم وبين تاريخ اعتماد الأناجيل عام ٣٢٥م من جهة أخرى بما يقارب أربعة قرون تقريبًا؛ وعليه فإن الأناجيل ليس لها إسناد قائم.

ولقد أكد بعض فلاسفة الدين المسيحي أن يوحنا صاحب الإنجيل المعروف لدى النصاری: انتحل شخصية يوحنا الحواري بزعمهم وكتب الإنجيل باسم ذلك الحواري، ولقد أفادنا بذلك جورج كيميل في كتابه المدخل لأسفار العهد الجديد، حيث قال ما ترجمته: لقد اختلف العلماء في حقيقة اسمه؛ فقد قال بعضهم: إنه يوحنا الزبدي أحد الحواريين، وأكد آخرون أن شخصًا مجهولًا انتحل شخصية يوحنا الحواري وكتب الإنجيل باسمه.. ومن المعلوم أن تاريخ مولده ووفاته مجهولان.

أما الحديث الثاني الذي استشهد به غلوم فموجود في الكتب الصحيحة أيضًا كصحيح البخاري؛ حيث أخرجه من حديث مسعد بن سهل رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: «لأعطين هذه الراية غدًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، قال: فبات الناس يدعكون ليلهم أيهم يعطاها؟ فقال: «أين علي بن أبي طالب؟»، فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له؛ فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع.

إن وجود هذا الحديث في صحيح البخارى يدل على أن هذا الحديث جمع شروط الصحة التي ذكرناها آنفًا. فلا يعقل أن يكون قد أخذ من إنجيل مرقص وخاصة، وأن مرقص نفسه مثل صاحبه يوحنا مجهول العين والحال ولم تثبت له صحبة ولا لقاء بالسيد المسيح، وكذلك فإن هذا الإنجيل وجه بالنقد الشديد من قبل فلاسفة الدين المسيحي، فقد قال جورج كميل: إن الأقوال التي جمعت لتكوين هذا الإنجيل كانت أقوالًا متناثرة هنا وهناك.. وأن النسخة الأصلية لهذا الإنجيل وجدها المتأخرون في صحف قد تمزق بعضها ومحيت كتابات بعضها الآخر وأن معظم ما في الإنجيل قد يكون مما نسبه المتأخرون لمرقص.

أما الحديث الثالث الذي استشهد به غلوم لنفي معجزة نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم فقد ورد أيضًا في الكتب الصحيحة، ومن ذلك ما جاء في صحيح مسلم في كتاب الفضائل، باب معجزات النبي صلى الله عليه وسلم بسنده من حديث أنس رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بماء فأتى بقدح رجراج، فجعل القوم يتوضئون فحرزت ما بين السبعين إلى الثمانين، قال: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه.

قال الإمام النووي معلقًا على الحديث: نبع الماء من بين أصابعه الشريفة، وتكثيره صلى الله عليه وسلم للطعام، هذه كلها معجزات ظاهرات وجدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن مختلفة وعلى أحوال متغايرة، وبلغ مجموعها التواتر.

ويتضح من ذلك أن الحديث متواتر، والحديث المتواتر في المصطلح هو: ما رواه عدد كثير بحيث تحيل العادة تواطؤهم على الكذب؛ وعليه فلا يعقل أن يكون الحديث موضوعًا.

إن صحة هذه الأحاديث واتصال أسانيدها وتواترها يبطل زعم غلوم بأن المسلمين كانوا قد نسبوا المعجزات الحسية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح البلاد التي يقطنها النصارى وبعد إعجابهم بمحتويات الأناجيل.

أما القرآن الكريم فهو حقًّا المعجزة الكبرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يتنافى مع وجود معجزات حسية أخرى بجانب القرآن للرسول صلى الله عليه وسلم، ولا مجال للشك في ثبوت تلك المعجزات الحسية بعد أن رأينا أنها ثابتة بالسنة الصحيحة.

الخاتمة:

اتضح لنا مما سبق أن الافتراءات التي أثارها غلوم حول عدم عدالة الصحابة وتابعيهم افتراءات لا تقوم على سند، وهذا لما رأيناه من الاهتمام الشديد الذي أولاه الصحابة والتابعون للسنة النبوية الشريفة.

أما ادعاء غلوم بأن بعض الأحاديث تحث على الاقتداء بالنصارى فهو ادعاء باطل كما بيناه عند شرح الحديث الشريف الذي أثار غلوم حوله هذه الشكوك.

أما الشبهة التي أثارها غلوم حول التشابه بين بعض معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسية والمعجزات النبوية للسيد المسيح عليهم السلام في الأناجيل، فيمكن تفسيرها في ضوء الحقائق المعروفة عن الأصول المشتركة من جميع الأديان السماوية؛ لأن هذه الأديان في حقيقة الأمر نابعة من مصدر واحد وهدفها واحد وغايتها واحدة، وإن اختلف الأنبياء الذين أرسلهم الله سبحانه وتعالى باختلاف العصور والأزمان.

ولقد أثبت القرآن لبعض الأنبياء معجزات كناقة سيدنا صالح وعصا موسى ومعجزات عيسى كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، فلا غرابة إذن أن يؤيد الله سبحانه وتعالى سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم بمعجزات تتوافق مع طبيعة عصره، فإن معجزته الكبرى هي القرآن الكريم بجانب بعض المعجزات الحسية التي وردت في كتب السنة الصحيحة.

الرابط المختصر :