; صورة الإسلام في الخطاب الغربي «1» | مجلة المجتمع

العنوان صورة الإسلام في الخطاب الغربي «1»

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2005

مشاهدات 70

نشر في العدد 1655

نشر في الصفحة 66

السبت 11-يونيو-2005

في الحديث عن «صورة الإسلام» وأمته وحضارته في الخطاب الغربي، لابد من التقديم بين يدي هذا الحديث بعدد من المقدمات:  أولاهما: أننا لسنا بإزاء «صورة» واحدة، لأن الغرب ليس كتلة واحدة صماء، ومن ثم فإننا لسنا بإزاء خطاب غربي واحد فيما يتعلق بالإسلام، وهذا الموقف الذي يميز بين القوى والتيارات وألوان الخطاب, عن الإسلام في الحضارة الغربية, ليس مجرد «ضرورة مصلحية»، يقتضيها البحث عن الأصدقاء, لتجنب تكثير الأعداء، ولكن ضرورة مشروعة ومطلوبة، وهو موقف نابع من «العدل» الذي يعلمنا إياه ويفرضه علينا القرآن الكريم.

ونحن نقول للذين يسطحون أيضًا القضايا العميقة، ويبسطون الأمور المعقدة والمركبة, عندما يرددون عبارة: «إن الكفر ملة واحدة».. نقول لهم: ولكن الإسلام لا يضع كل عالم الكفر في سلة واحدة، ولا في مرتبة واحدة، وإنما ميز الإسلام بين المشركين وبين الكتابيين... بل إن الإسلام لم يضع المشركين جميعًا في سلة واحدة، وإنما ميز بين المحاربين منهم والمعاهدين الذين لم ينقصوا المسلمين شيئًا من العهود التي تعاهدوا معهم عليها، فدعا إلى قتال المقاتلين من المشركين, ودعا إلى الوفاء بعهود المعاهدين منهم... بل ميز الإسلام بين شرك الجاحد للحق الذي يعرفه, وشرك الجاهل، فإذا استجار هذا المشرك الباحث عن المعرفة، فعلى المسلمين إجارته، وتقديم المعرفة إليه، ثم إيصاله آمنًا إلى مأمنه وتركه لضميره, دونما إكراه ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: 6).

بل لقد ميز الإسلام بين الدهريين الذين استبدلوا الدهر بالخالق, سبحانه وتعالى، وبين المشركين الذين لم يجحدوا وجود الخالق وخلقه للخلق، لكنهم أشركوا مع الخالق الوسائط التي زعموا أنها تقربهم إليه زلفى!... وتحدثت آيات القرآن الكريم عن هذا التنوع في أصناف المشركين، فصاغت المنهاج العلمي في دراسة الواقع، والموقف العادل في التعامل مع الآخرين.

 وكذلك صنع المنهاج الإسلامي في التعامل مع الكتابيين، فميز بين اليهود- الذين هم أشد الناس عداوة للذين آمنوا- وبين النصارى- الذين هم أقرب مودة للمؤمنين-  ثم هو لم يضع جميع النصارى في سلة واحدة، وإنما ميز بين الموحدين منهم «الذين يتعبدون على شريعة عيسى عليه السلام، وإذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم, ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق... ميز الإسلام بين هؤلاء النصارى، وبين النصارى الذين عبدوا المسيح وأمه والأحبار والرهبان من دون الله، فوصفوا في القرآن بصفات الكفر، بل بالشرك أيضًا.

وكذلك صنع المنهاج القرآني مع فصائل ومذاهب اليهود... فمع حديثه عن عداوتهم الأشد للمؤمنين، نجد القرآن يبلغ قمة العدل عندما يقول إنهم: ﴿ليسوا سواء مِنْ أَهْلِ الْكِتَٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ, يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنَ الصَّـٰلِحِينَ, وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 113- 115),  بينما منهم الذين لا يتناهون عن منكر فعلوه ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يعْتَدُونَ, كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ  لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾(المائدة: 78- 79).

 ويؤكد القرآن الكريم هذا المنهاج العادل في التعامل مع الآخر الكتابي عندما يستخدم التبعيض «من» للتمييز بين فرقائهم ومذاهبهم، فيقول: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَٰبِ﴾ (آل عمران: ١١٣)، وعندما يتحدث عن ﴿طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَٰبِ﴾ (آل عمران: ٦٩), أو ﴿كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَٰبِ﴾ (البقرة: ١٠٩)، دونما إطلاق أو تعميم.

ومع اشتراك الفرس والروم- يوم ظهر الإسلام- في التجبر والظلم والهيمنة والاستعمار, وإعلان الإسلام عن سعيه لتحرير الأرض من استعمارهم وتحرير الضمائر من تجبرهم وإكراههم، إلا أن الإسلام لم يسو بين هذين الطاغوتين- الفرس والروم-  فميز القرآن بين الكتابيين منهم «الروم» وبين المجوس «الفرس» عندما تحدث عن حزن المسلمين لتغلب الفرس على الروم، وفرحهم يوم يأذن الله بانتصار الروم النصارى على الفرس المجوس: ﴿آلم, غَلَبَتِ الرُّومُ,  فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ, فِي بضع سنينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۗ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ, بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم: 1- 5).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 22

129

الثلاثاء 11-أغسطس-1970

الصورة العربية عند الغرب

نشر في العدد 31

138

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

المساواة المطلقة مفهوم خاطئ

نشر في العدد 31

132

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

حضارة أم جاهلية؟