; صورة الغرب عند الحركة الإسلامية المعاصرة | مجلة المجتمع

العنوان صورة الغرب عند الحركة الإسلامية المعاصرة

الكاتب إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1994

مشاهدات 83

نشر في العدد 1115

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 06-سبتمبر-1994

تأملات في رؤية الذات للآخر

ثمة اعتقاد سائد خاطئ -في نظرنا- مؤداه أن الغرب يرانا ولا نراه، ويتأملنا ولا نتأمله، وأنه قد جعلنا ساحة للفعل وحقلاً للتجارب إلى الأبد. ويدعم هذا الاعتقاد أمران: أولهما يتمثل في الهيمنة العلمية والإعلامية الغربية التي تبث سيلًا متدفقًا من المعلومات والأخبار والأبحاث والتحليلات على مستوى عالمي غير مسبوق.

وثانيهما: يتمثل في ممارسات النخبة العلمانية المتغربة في بلادنا، إذ تتلقف هذا السيل من مصادره الغربية وتقوم بإعادة إنتاجه خاصة وأن أعضاء هذه النخبة قد اعتادوا على التقليد ومردوا على رؤية الذات، ونقدها كما يراها الآخر وكما ينقدها، دون أن يبذلوا أدنى جهد في تقديم رؤية أصيلة عن هذا الآخر "الغرب" ناهيك عن أن ينقدوه، أو أن يتخذوه موضوعًا للبحث والتأمل.

يمكن أن نجد مئات بل آلاف الأبحاث والدراسات التي تقدم رؤية الغرب لنا، وتنقل صورتنا لديه ورأيه فينا كعرب مسلمين بصفة عامة، وكحركات إسلامية ناهضة وآخذة في الانتشار بصفة خاصة، ولا نكاد نجد دراسة أو بحثًا من منظور غير غربي يقدم رؤية الذات الإسلامية لهذا الغرب المألوف أن نسمع حديث الغرب عنا سواء في وسائل الإعلام أو في قاعات الدراسة ومراكز البحوث الأكاديمية والنادر هو أن نسمع حديثنا نحن عن "الغرب".

الحركة الإسلامية تمتلك رؤية شاملة للغرب

وفي هذا المقال سوف نحاول الخروج عن المألوف لنقدم حديثنا نحن عن الغرب، ونتبين صورته لدى الذات ممثلة في أفكار وتصورات ورؤى الحركة الإسلامية المعاصرة، وذلك انطلاقًا من قناعتنا بأنها تعبر أصدق تعبير عن الاستقلال والخصوصية الحضارية لأمتنا العربية والإسلامية وخاصة على محور علاقتنا بالغرب وحضارته الحديثة.

إن الرأي الشائع لدى جمهرة الكتاب والباحثين –المحليين والأجانب– فيما يتعلق برؤية الحركة الإسلامية للغرب هو أن رؤيتها له "ساذجة" و"ظاهرة" و"عدائية" تدور في فراغ الرفض المطلق لكل إنجازاته العلمية والتكنولوجية، وهذا رأي يميل إلى الاختزال والتجزئة والتشويه وهو في جملته يعكس أحكامًا مسبقة، وانطباعات ذاتية أكثر من كونه حصيلة البحث العلمي المحكوم بالاعتبارات الموضوعية والصرامة المنهجية.

وهذا ما كشفت عنه دراستي الموسعة –التي قمت بها– للخطاب السياسي والفكري لعدد من الحركات الإسلامية المعاصرة اعتمادًا على إصداراتها الخاصة من النشرات والبيانات والكتب والمقالات والوثائق المنشورة وغير المنشورة وكانت النتيجة الأساسية التي توصلنا إليها بعد البحث والتحليل هي أن الحركة الإسلامية تمتلك رؤية مركبة وشاملة عن الغرب، ولكنها غير مصاغة صياغة نظرية متكاملة أو محكمة، وأن هذه الرؤية تكاد تكون الوحيدة في ساحة الفكر في عالمنا العربي والإسلامي –التي تعبر عن موقف نقدي أصيل من الغرب ومعطياته الحضارية المختلفة، وإن كانت هي ذاتها ليست فوق مستوى النقد والأخذ والرد.

وقد توصلنا أيضًا إلى أن الحركة الإسلامية -بصفة عامة- قد أسهمت بنصيب في شيوع التصور المختزل عن رؤيتها للغرب وذلك بتقصيرها في تأصيل رؤيتها للعالم المحيط بها في هذا العصر، ولكن النصيب الأكبر من هذا الاختزال والتشويه قام به المفكرون والمراكز البحثية والكتاب الذين هم على خلاف مع الحركة الإسلامية، ويناصبونها العداء غير مكترثين بأخلاقيات البحث العلمي وأماناته المعتبرة.

وسوف نقدم خلاصة وافية لصورة الغرب من منظور الحركة الإسلامية المعاصرة، وذلك في ثلاثة محاور هي:

  • محور الإدراك أو الفهم.
  • محور الفكر.
  • محور الفعل.

ثم نختتم هذه المحاور برؤية نقدية من الداخل لإجمالي رؤية الحركة للغرب كمحاولة لممارسة النقد الذاتي ومحاسبة النفس.

الإدراك: ما الغرب؟

ثلاثة ملامح لصورة الغرب: استعمار، وتقدم علمي، ونمط معيشة

لا تهتم الحركة الإسلامية المعاصرة بتحديد الغرب جغرافيًّا، وإنما تصفه بمجموعة من الصفات والنعوت التي ينصب بعضها على سياسات الدول الغربية، وينصب بعضها الآخر على جوانب من الحضارة الحديثة بمعناها الواسع.. فغالبًا ما توصف سياسات الدول الكبرى في الغرب بأنها استعمارية "حاقدة" عنصرية صليبية شرسة، وأحيانًا ينصرف الوصف إلى الغرب ككل فهو الغرب "البغيض الملحد" "العدو الحضاري" ولا تنفك "إسرائيل" والصهيونية عن مفهوم الغرب لدى الحركة الإسلامية في هذا السياق، كما لا يغيب عنها أن أوروبا هي الوطن الأصلي لهذا الغرب، وأن أمريكا هي امتداد له.

سر عدم الاهتمام بالتحديد الجغرافي للغرب

والسبب في عدم اهتمام الحركة بالتحديد الجغرافي للغرب هو ضآلة مدلوله الذي يقسم العالم إلى شرق وغرب أو شمال وجنوب ومثل هذه التقسيمات قليلة الأهمية من المنظور الإسلامي، فبلاد الدنيا كلها بلاد الله، وأهلها على اختلاف ألوانهم ونحلهم وأحوالهم هم عبيد لله (سبحانه وتعالى)، أما هذه التقسيمات فإلى جانب أنها طارئة وموقوتة ومتحولة باستمرار هي أيضًا تقسيمات ظالمة ومتحيزة، نبعت من غرور الأوروبيين بحضارتهم الحديثة وتعاليهم على بقية شعوب وأمم الأرض، ونظرتهم إلى أنفسهم على أنهم جنس أرقى من غيرهم، وعليهم يقع عبء تحديث العالم أو عبء الرجل الأبيض، حسب مفاهيم الحقبة الاستعمارية.

ليس المهم إذن هو إدراك الغرب جغرافيًّا وإنما المهم هو إدراكه حضاريًّا بكل ما يمثله من دلالات سياسية وثقافية وعلمية، واجتماعية وتكشف لنا وثائق وكتابات الحركة الإسلامية عن تغلغل "الغرب" في وعيها بمعناه الحضاري الشامل، أي باعتباره مجموعة مركبة ومعقدة من الخصائص والمقومات والأبعاد التي يتشكل منها الوضع الحضاري العام للمدنية الغربية الحديثة، والتي تسهم في الوقت نفسه في رسم وتثبيت ملامح محددة الصورة الغرب في إدراك "العقل الجمعي" للحركة الإسلامية وأهم هذه الملامح هي:

1- الاستعمار "وجه الظلم"

وهو أول ملامح صورة الغرب ظهورًا ووضوحًا لدى الحركة الإسلامية، سواء في ثوبه القديم أو الجديد، وهو في الوقت نفسه أكثر ملامحه بشاعة وقبحًا، إذ لا يغيب عن بال الحركة الإسلامية التاريخ الطويل للاستعمار القديم في نهب ثروات بلادنا، وفي تمزيق وحدتها والتآمر عليها باستمرار، وإسقاط الخلافة العثمانية التي كانت رمزًا للأمة الإسلامية على مسرح السياسة الدولية حتى الحرب العالمية الأولى، كما لا تغيب عنها ألاعيب الاستعمار الجديد وأهمها تلك التي تتم عن طريق التبعية السياسية والاقتصادية والإعلامية أو عن طريق الشركات متعددة الجنسية التي تشد وثاق مجتمعاتنا بالغرب ومراكزه الصناعية والرأسمالية الظالمة.

أشد جرائم الغرب بشاعة الكيان الصهيوني

ومن أكثر جرائم الاستعمار الغربي ذكرًا وتنديدًا في كتابات الحركة ووثائقها، غرس الكيان الصهيوني في قلب عالمنا الإسلامي وتسخير مؤسسات الشرعية الدولية للأمم المتحدة وأجهزتها المختلفة لخدمة أغراض هذا الكيان والدفاع عنه. وفي هذا السياق تنال الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها الصهيونية النصيب الأكبر من سخط وكراهية الحركة الإسلامية، باعتبارها وريثة الاستعمار القديم وزعيمة الاستعمار الجديد.

يقول الإخوان المسلمون على سبيل المثال: إن عدونا الأكبر المتربص بنا دائمًا هو الصهيونية العنصرية الحاقدة على الإسلام والمسلمين عامة، والعرب خاصة، وحليفتها الولايات المتحدة التي هي قمة الاستعمار الوحشي في العصر الحديث.

الاستعمار الثقافي أخطر أشكال الاستعمار

وإذا كان الاستعمار له جوانب وأبعاد مختلفة من حيث درجة خطورة كل منها، فإن الحركة الإسلامية ترى وتؤكد دومًا على أن الاستعمار الثقافي والغزو الفكري هما أخطر جوانبه، مع عدم إغفال البعد المحلي الكامن في مجتمعاتنا وهو المتمثل في القابلية للاستعمار حسب تعبير مالك بن نبي.

وفي نظرنا أن السبب الرئيسي وراء بروز الوجه الاستعماري الظالم، لدى الحركة الإسلامية، هو أن الاستعمار ذاته قد شكل التحدي الأكبر الذي عجل من ظهور الحركة الإسلامية كرد فعل له، وكحركة تحررية عبرت عن حيوية أمتنا وعدم استسلامها للسيطرة الغربية، ومن ثم فقد حملت الحركة حساسيات النشأة في مواجهة الغرب الاستعماري الظالم وتعمقت هذه الحساسيات لديها بثقل الجروح الغائرة التي أصابت كبرياء الأمة الإسلامية في العصر الحديث من جراء الممارسات الاستعمارية الغربية المدعومة بترسانة المخترعات العلمية والتكنولوجيا المتطورة.

2- التقدم العلمي والتكنولوجي "معضلة الحداثة"

وهو الملمح الثاني في صورة الغرب لدى الحركة الإسلامية، ويكاد يكون على النقيض من الملمح الأول "الاستعمار الظالم" من حيث قبوله لدى الحركة، فبالرغم من أنها لا تبدي انبهارًا بالتقدم العلمي والتقني الغربي إلا أنها تسلم بأن هذا الجانب هو أبرز حسنات الحضارة المعاصرة، وترى أن على المسلمين أن يأخذوا بأسباب هذا التقدم حتى تتوفر لهم عناصر القوة اللازمة لترقيتهم واستعادتهم لمجدهم السالف.

ومع ذلك فإن الحركة تدعو أبناءها بصفة خاصة، والأمة الإسلامية بصفة عامة إلى الحذر والحيطة في التعامل مع منجزات هذا التقدم الغربي، وترى أن بعض هذه المنجزات غير جدير بالنقل أو الاقتباس، بل يجب رفضه والعمل على أن يتخلى الغرب ذاته عنه، ومثال ذلك التقدم في مجال التسلح النووي وتطوير أسلحة الدمار الشامل، وبحوث الهندسة الوراثية التي تهدد بتشويه خلق الله، وإحداث خلل كبير في التوازن البيئي.

وفي نظرنا أن ما يقدمه الغرب من علوم متطورة وتكنولوجيا يمثل بالنسبة للحركة الإسلامية معضلة كبيرة تجتمع بداخلها عناصر القبول والرفض أو الأخذ والرد في آن واحد، إذ يصعب رفض منجزات التقدم العلمي، وفي الوقت ذاته يصعب قبول القيم اللصيقة به والمستكنة بداخله، والتي تتعارض مع بعض القيم والمبادئ الإسلامية، إنها باختصار معضلة الحداثة التي تتعارض الرغبة من تحقيقها ومن ثم خطر الاندماج في الغرب من ناحية مع الحرص على التميز والاستقلال الحضاري من ناحية أخرى.

إن معضلة الحداثة على هذا النحو هي التي تفسر لنا ظاهرة ازدواج المدح والقدح في خطاب الحركة الإسلامية الخاص بالتقدم العلمي والتكنولوجي الغربي، وتختلف درجات المدح أو القبول عن القدح أو الرفض باختلاف مجالات هذا التقدم. وفي هذا المجال يوجه الإخوان المسلمون نقدَهم من زاويتين:

الأولى: هي أن التقدم الغربي مفتقد إلى الإيمان بالله وحسن معرفته وانتظار الجزاء منه.

والثانية: هي سوء استخدام الغرب لمنجزات تقدمه في استعباد الشعوب وقهر المجتمعات الأخرى ونهب ثرواتها، وهي أمور لا يزال الغرب يمارسها حتى الآن، وتؤكدها سياسات دوله ومواقف حكوماته تجاه قضايانا العربية والإسلامية.

3- نمط الحياة الاجتماعية "قضية الأخلاق"

يأتي نمط حياة المجتمعات الغربية وطريقة معيشة أهلها ليرسم الملمح الثالث في صورة الغرب، وينعكس هذا الملمح لدى الحركة الإسلامية المعاصرة عبر مرآة مهشمة لا تستقيم فيها الصورة في أي جانب من جوانبها، وعادة ما تثار هذه الموضوعات الخاصة بالمرأة والانحلال الأخلاقي والإباحية الجنسية، وكافة أنواع الرذائل والمنكرات.

إن هذا الجانب الاجتماعي للغرب يجسد -في نظر الحركة الإسلامية- أمراض الحضارة الحديثة، ويكشف عن سيئات أعمالها، وهو من أكبر الأدلة على خوائها من داخلها، ومن أكثر العوامل التي تجعل الغرب في حاجة إلى روحانية الشرق وأخلاقيات الإسلام التي تسمو بالإنسان إلى أعلى الدرجات.

سلبيات الانحلال الاجتماعي الغربي تجتاح كل المجتمعات

ولعل أكثر الأمور إثارة لانزعاج الحركة الإسلامية وهي تنتقد نمط الحياة الاجتماعية الغربية، هو أن مخاطر وسلبيات هذا النمط لا تقتصر على مجتمعات الغرب فقط بل إنها صارت تجتاح المجتمعات كلها وفي مقدمتها مجتمعاتنا الإسلامية، ويساعدها على ذلك التقدم الهائل في وسائل الاتصال والانتقال والبث المباشر، وتدرك الحركة أن تقليد طريقة معيشة الغرب "في العادات والسلوكيات واللغة والزي... إلخ" له تأثير قوي ومدمر على الهوية الذاتية لمجتمعاتنا، وخاصة في ظل سيطرة العناصر المتغربة على مؤسسات التنشئة الاجتماعية والثقافية والترفيهية، بحيث أصبح الوضع كأننا نعيش في داخل حيز مغلق من الغربيين والمستغربين، ولا تقصر الحركة في نقد وإدانة ورفض نمط الحياة الاجتماعية المستورد من الغرب.

تلك هي أهم ملامح صورة الغرب كما تدركها الحركة الإسلامية المعاصرة وتعبر عنها في كتاباتها ووثائقها المختلفة، ومن المعلوم أن الصورة –وخاصة صورة العدو الحضاري– لا تكون في حالات كثيرة مطابقة للواقع، أو حتى مرتبطة به، بل إنها قد تحمل الكثير من الأوهام والإحباطات والتطلعات إلى جانب ما تحمله من الحقائق والوقائع، والأمر يتوقف في النهاية على دقة الإدراك الموضوعي لحقائق الواقع، كما يتوقف على سلامة الأساس النظري الذي يحكم نظرة الحركة الإسلامية للعالم بصفة عامة والغرب كجزء منه بصفة خاصة، والسؤال الآن عن هذا الأساس النظري وعن عناصره التي تسهم في تكوين صورة الغرب لدى الحركة وماذا عن الأهمية النسبية لكل عنصر من عناصره سواء في تكوين الصورة أو في إعادة إنتاجها؟ وهذا موضوع آخر

الرابط المختصر :