; صندوق النقد وسياسة تحطيم الدول الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان صندوق النقد وسياسة تحطيم الدول الإسلامية

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1990

مشاهدات 57

نشر في العدد 967

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 22-مايو-1990

في مطلع شهر مايو الجاري شهدت كل من القاهرة والخرطوم جولتين- منفصلتين- من المفاوضات مع وفدين من صندوق النقد الدولي.

وتأتي هاتان الجولتان الجديدتان للصندوق في أعقاب سلسلة من الجولات اعتراها كثير من التردد والمراجعات والتعثر طوال العام الماضي، وذلك ضمن مساعي العاصمتين للحصول على جدولة جديدة لديون الصندوق المستحقة، مما يفتح المجال أمامهما لتلقِّي المزيد من القروض.

وقد أفادت الأنباء من القاهرة- فيما بعد- بأن المفاوضات التي أجراها وفد الصندوق قد أسفرت عن اتفاق تعهدت الحكومة المصرية بموجبه بتنفيذ بنود خاصة في إطار «الوصفة» المقدمة من قِبل الصندوق، والتي أعقبتها قرارات الزيادة في الأسعار في كثير من السلع الضرورية والتي كانت تتمتع بالدعم من قِبَل مالية الدولة... وحيث تراوحت نسبة الارتفاع في الأسعار بين 30 إلى 120% وشملت القائمة أسعار الأرز وزيت الطعام والمشتقات البترولية والغاز وغيرها...

والجدير بالذكر أن صندوق النقد الدولي قد قدم «نصائحه» من قبل لكل من السودان ومصر بأن تتخلى الحكومة عن إدارة الأنشطة الاقتصادية المدرجة تحت مسمَّى القطاع العام وبيعها من ثم إلى الشركات المقتدرة في القطاع الخاص، وقد استجابت- على ما يبدو- كل من الخرطوم والقاهرة من حيث المبدأ، مع ملاحظة إبداء الشروط الخاصة بالتنفيذ.

وفي الخرطوم أبدت وزارة المالية السودانية استعداداتها للاتفاق مع الصندوق في إطار مقررات المؤتمر الوطني للإنقاذ الاقتصادي الذي صاغته لجان خبرائها وفقًا لفلسفة اقتصادية متكاملة تبنَّتها ثورة الإنقاذ الوطني.. ويذكر هنا بأن الصندوق قدم «مهلة» تنتهي بنهاية مايو الجاري لتسديد ديون الصندوق المستحقة وتعديل الأوضاع الاقتصادية، وإلا فإن الصندوق سيعلن بأن السودان دولة غير مؤهلة لتلقِي القروض بالإضافة إلى تجميد عضويتها في الصندوق.. وهو قرار تبدو فيه صيغة تعسفية ومفتقرة لأبسط أوليات التعامل حيث إن الثورة لم يكتمل على تسلمها لشؤون السودان أكثر من ستة أشهر ومع ذلك حميت همة الصندوق لإصدار العقوبات.. وهو موقف ليس جديدًا على الصندوق، فقد ظل الصندوق يتعامل مع من الدول النامية على هذه الشاكلة منذ منتصف السبعينيات حيث أدى الانحدار الاقتصادي للدول النامية إلى اللجوء لبند الاستقراض الخارجي مما أوقع تلك الدول واقتصادياتها تحت سطوة صندوق النقد الدولي.

الوصفة

يمتاز فريق خبراء صندوق النقد الدولي بوصفته «التاريخية» التي يقدمها للدول النامية المدينة والعاجزة عن الدفع، وتتلخص تلك الوصفة في اتباع سياسة انكماشية تهدف في خاتمة المطاف إلى توجيه اقتصاديات الدولة إلى سداد الديون دون النظر في الظروف الموضوعية التي تكتنف اتِّباع مثل تلك السياسة الاقتصادية..

ومن المؤسف حقًا أن الصندوق وهو يقدم وصفته تلك لا يكتفي بما تحمله من تأزيم اقتصادي وإنما يزعم بأن «الوصفة السحرية» تقدم لتعديل المسار الاقتصادي المعوج وإزالة التشوهات المزمنة في الهيكل الاقتصادي للدولة، مع العلم بأن الصندوق عندما يضمن اتفاقية السداد يوعز لبعض الدول الصديقة للدولة المدينة بتسديد المستحقات والتي تذهب رأسًا لخزينة الصندوق وبذلك تبقى آثار الوصفة والتي يراقب الصندوق تطورات تنفيذها مما يتسبب في خلق مزيد من الأزمات والتشوهات ويفقد اقتصاد الدول المدينة كل أدوات نمائه، ويدخل في دوَّامة جدولة الديون.. وكل ذلك لأن وصفة الصندوق لا ترقى على الإطلاق إلى تعديل أساليب الإنتاج وتطوير طرق نمائه وإنما تركز على معالجة القائم منه وهي تستظهر في ذلك الإجراءات الثابتة لديها كرفع الدعم عن السلع المدعومة ورفع الدولة يدها عن الأنشطة الاقتصادية المكونة للقطاع العام وذلك ببيع مؤسساتها وتخفيض سعر العملة المحلية ليوازي سعر الدولار في «السوق السوداء»، والذي يتفضل عليه الصندوق بلقب «السوق الحرة»، وتخفيض الإنفاق العام، بالإضافة إلى فرض الضرائب ووقف بنود التعيين الوظيفي في الميزانية العامة وهي إجراءات كفيلة بتشكيل أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة الآثار، وقد جربت كثير من الدول تناول تلك الوصفة كما هو في مصر وتونس والسودان والأردن والسنغال ونيجيريا وغيرها وكانت النتيجة تفجرات داخلية عنيفة وانتشار حالة الفوضى والزعزعة وخروج التظاهرات إلى الشوارع والميادين العامة، وأما الآثار العميقة للوصفة فتتمثل في زيادة المديونية وتقليل فرص الدفع أمام الدولة المدينة في المستقبل، بل إن تضخم الديون يتنامى بصورة طردية مع التطور الزمنِي مما يجعل هيمنة الصندوق أكبر، وكثيرًا ما يسعى الصندوق إلى امتلاك بعض أسهم المؤسسات الاقتصادية المصفاة مما يجعل سيطرته ونفوذه الداخلي نفوذًا استعماريًّا مباشرًا.

الفلسفة

تعتمد فلسفة إنشاء الصندوق بصفة أساسية على إكمال الدورة التبادلية للاقتصاد الرأسمالي من حيث تحديد القيم الشرائية بين العملات الرئيسية للدول الرأسمالية وتوفير العملة عند حالة العجز التجاري لأي من الأعضاء، بالإضافة إلى خلق ضمانة تعتمدها الدول من أجل ثبات سعر صرف عملاتها، فالصندوق بهذه الوظائف يعد أداة ضابطة للنشاط الاقتصادي الدولي يصلح بجدارة لمعالجة الفترة الزمنية التي أسس فيها حيث الدول الرأسمالية لا تعرف- تقريبًا- حالة العجز المؤدية للاستدانة وتراكماتها، فقد كانت تلك الفترة قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية (1945) والدول المؤسسة في مجملها كانت دولًا استعمارية لها إيرادات ضخمة مستجلبة من مستعمراتها، ولكن مع تطور الزمان خرجت تلك الدول من الفترة الاستعمارية واستقلت الدول المستعمرة وشكلت فيما عرف بالعالم الثالث أو الدول النامية وهي دول في الغالب صيغت اقتصادياتها لتلبية حاجة الدولة الرأسمالية المستعمرة، أي إن تلك الاقتصاديات تشكو من تنوع مصادر الدخل، وغالبًا ما تعتمد على سلعة نقدية رئيسية مثل القطن، المطاط، الكاكاو، العنب، وهكذا...

ومع تطلعات تلك الدول للتنمية بدأت مفارقة التوازن بين الصادر والوارد كما ظهرت الفوارق الشاسعة بين مشاكل التنمية ومتطلبات الحفاظ على المستوى الاقتصادي للعملات أي الاختلال والعجز في الميزان التجاري، وبرزت- من ثم- مشكلة الديون وعظمت الحاجة لصندوق النقد الدولي باعتباره الأداة المسؤولة عن تسهيل التبادل التجاري الدولي وفقًا لأنظمة الدفع المقررة في النظام الرأسمالي، وبدأت الصياغات التكريسية من قبل الصندوق لأداء دوره في تسهيل التبادل التجاري غير أن المعادلة القائمة تقتضِي تطوير أساليب الدفع وابتداع نظم أكثر تطورًا لمعالجة الأوضاع المستحدثة، وعلى الرغم من أن تلك الحقيقة تبدو أكثر وضوحًا من التدليل عليها إلا أن الصندوق أغمض عينيه عنها وأصر على استخدام ذات الأساليب الرامية إلى تحقيق دفع المستحقات حتى ولو أدَّى ذلك لانهيار الدولة سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا... غير أن الصندوق لا يواجه تلك التهمة فحسب وإنما يواجه معها أن سياسة غض العين هذه لا تسري على الكل وإنما تبقى إجراءات الصندوق أكثر إيلامًا على الدول ذات التوجهات الحضارية المستقلة كالدول الإسلامية، ويتضح ذلك في أكثر من شاهد، ففي الوقت الذي يضغط الصندوق فيه بكل عنفوانه على السودان ومصر والأردن مثلًا فإنه يتعامل بصورة لا تخلو من التدليل مع المكسيك والأرجنتين والبرازيل التي تزيد ديون أي منها عن المائة مليار دولار في حين أن ديون السودان 13 مليارًا ومصر 50 مليارًا والأردن 9 مليارات، بل إن الصندوق استطاع إقناع المجموعات الدائنة بحسم 55 مليار دولار من ديون المكسيك! فأين هذا من ذاك إن كنتم تعقلون؟!

الوقائع

إن الوقائع التي تدين صندوق النقد الدولي وتثبت انحيازه لإكمال المشروع الاستعماري للرأسمالية الدولية مثالة بشكل واضح في صيغ التعامل مع الدول الإسلامية، وهي مع ذلك ليست منفصلة عن الصورة التأسيسية التي أنشئ الصندوق عليها، فالدول الرأسمالية الكبرى العشر تمتلك 56% من أصوات الصندوق وهي في مجملها لا يتسع أفق التعامل عندها مع الحضارة الإسلامية، بل عملت وستعمل بكل ما تملك من قوة لتقويض أسباب النهضة الإسلامية في كل مكان.. ولهذا فإن الوصفة «السحرية» المعتمدة من قبل الصندوق تدفع بالدول الإسلامية إلى المزيد من حالة العجز ولا تتجه أبدًا للمعالجة الحقيقية والجذرية لمشاكلها الاقتصادية.

وهذه الملاحظة يثبتها الواقع الحياتي للتطور، فالعالم الإسلامي بكل دوله الأربعينية - العلمانية منها والإسلامية- مازال يعيش حالة العجز الكبير، وعلى العكس فإن كثيرًا من دول العالم الثالث تصعد في سلم التقدم التقني والصناعي كما هو الحال في كوريا، سنغافورة، الهند، البرازيل، تايوان، تايلاند وغيرها، أما تركيا، مصر، مالیزیا، باکستان، الجزائر، السودان، فإن الحصار مضروب على اقتصادياتها حتى لا تتحول إلى دول صناعية، بل أن الصندوق يمارس وصفاته التاريخية من أجل توسيع الشقة بينها وبين الاستقرار الاقتصادي والسياسي، ويبدو ذلك في المفاوضات التي يجربها الصندوق بصفة مستمرة مع هذه الدول وغيرها من الدول الإسلامية، إن الصندوق لا يكتفي في وصفاته بإجراءات تحديد الانتعاش الاقتصادي وإنما يصر على ارتهان القرار السياسي للدولة المسلمة المستدينة، وذلك من خلال إصراره على عدم زراعة السلع الغذائية كالقمح والذرة والفول وخلافها حيث يوهم الدولة بأن تلك السلع قليلة الجدوى اقتصاديا وهي متوافرة ويمكن للصندوق تأمين المطلوب منها للدولة المستدينة ولكن الالتزام بتطوير وزيادة السلع النقدية هو الأساس والضروري في رأي الوصفة التاريخية، ولذلك نرى الصندوق يصر على ألَّا تلجأ السودان ومصر وغيرها إلى زراعة القمح، وإنما تتوسع في زراعة القطن على الرغم من أنه لم يعد سلعة نقدية فعالة- درجة أولى- وهكذا تبدو صورة الصندوق في إنجازها لفلسفة النظم والحضارة الغربية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 22

129

الثلاثاء 11-أغسطس-1970

الصورة العربية عند الغرب

نشر في العدد 31

138

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

المساواة المطلقة مفهوم خاطئ

نشر في العدد 31

132

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

حضارة أم جاهلية؟