العنوان صناعة صلاح الدين
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 12-أكتوبر-2002
مشاهدات 65
نشر في العدد 1522
نشر في الصفحة 47
السبت 12-أكتوبر-2002
من المعلوم أن الأرض لا تلد الرجال ولا تصنع الأبطال، وإنما تصنعهم العقائد والأهداف والغايات، وكان صلاح الدين يوصف بأنه حسن العقيدة، عظيم الخلق شديد المواظبة على صلاة الجماعة، حريصًا على السنن والنوافل، يقيم الليل وكان يهيم بسماع القرآن الكريم، وينتقي إمامه من الصلحاء، وكان رقيق القلب غزير الدمع، إذا سمع كتاب الله دمعت عيناه ووجل قلبه، شديد الرغبة لسماع حديث رسول الله ﷺ، كثير التعظيم لشعائر الله، وكان حسن الظن بالله، شديد الوثوق به والاعتماد عليه، عظيم الإنابة إليه.
كما كان رؤوفًا رحيمًا، ناصرًا للضعيف محبًا للعدالة ولو على نفسه وأهله، حسن الشمائل، كريمًا بارًا لطيف العشرة، طاهر المجلس نقي الصحبة، لا يغتاب أحد عنده، ولا يهان في مجلسه، طاهر اليد، نقي القلب، صادق السريرة، ما كتب شيئًا في مظلمة أحد أو إيذائه.
كما كانت الشجاعة فطرة فيه، شديد البأس، قوي العزيمة، عالي الهمة، لا يتضعضع أمام الحوادث الجسام، صادق النظرة نير الحدس مولعًا بالجهاد في سبيل الله شديد الغيرة على المسلمين، لا يرهب عدوًا مهما كثر عدده، ولا يخاف نزالًا ولو تناوشته السهام والحراب، محبًا لوطنه، حانيًا عليه، شديد الألم لمصابه، أحلامه أحلام أبطال، لا يعرف المستحيل، يعيش مع جنده، ويصاحب مقاتليه، يعيش مثل معيشتهم، ويلبس مثل لباسهم، لم يدخر مالًا حتى إنه عندما مات لم يكن لديه من الأموال ما تجب فيه الزكاة، ولم يخلف في خزانته من الفضة والذهب غير (٤٧) درهما ناصرية، ولم يخلف ملكًا ولا دارًا ولا عقارًا ولا مزرعة.
عزم على الحج في السنة التي توفي فيها، ولكنه تعوق بسبب ضيق اليد، التزم أحكام الإسلام، وحرص على تطبيقها على الجميع، وكان قدوة في الالتزام بها والحرص عليها، كما كان حريصًا على رفع الظلم عن الناس ورد الحقوق إلى أصحابها، وألغى الضرائب والمكوس التي كانت تزيد على الحد الشرعي رغم ما كانت تدر من دخل كبير للدولة.
كما أثر عنه هو ونور الدين أنه كان يستقدم العلماء العاملين، ويفسح لهم مجال التربية والدعوة في المدارس والمساجد، وأوقف عليهم الأوقاف، فانتشر نور الإيمان والعلم بين الرعية، وكان يسمع نصيحة العلماء ويجلها ويقدرها.
وضع صلاح الدين نصب عينيه تحرير بيت المقدس وتحرير أرض الإسلام من الإمارات الصليبية التي زرعت في ديار المسلمين في غفلة منهم وضياع، وأعد لذلك استراتيجية عظيمة أشار إليها كثير من الباحثين والمحللين تتمثل في:
1 - الانطلاق من قاعدة قوية ومأمونة، ويكون ذلك بإعادة وحدة المسلمين وتقويتها، وبناء الإنسان المسلم المقاتل بعقيدة وإيمان، وإعداد الاقتصاد الحربي الذي يضمن للمسلمين المؤنة والصمود.
۲ - بناء مجتمع الاستقرار الحربي ببناء الجبهة الداخلية، وحرصه على إشاعة العدل، وإزالة الأحقاد والأضغان، وبث روح الإيمان والتعاون والإيثار، وتوجيه العداء ضد الصليبيين، كما أقام الصناعات الحربية من دور لصناعة السفن وبناء الحصون وحمايتها، وأمدها بتجهيزات الحصار.
٣ - وضوح الهدف بتحديد أهدافه العسكرية، ورسم أولوياته، وإعداد قادته من رجال دولة لقيادة الأمة، ومن قادة حرب الطرد الصليبيين.
وهذا الوضوح وتلك الاستراتيجية ساعدا على كفاءة الأداء والتفوق التكتيكي على العدو المدرب والمجهز للتوسع والاحتلال.
٤ - الحرص على المسلمين لتحقيق الأهداف وعلى روحهم المعنوية، وقد اعتاد رد العدوان بأقوى منه، وتبنى الاستعدادات القتالية المستمرة، والحرص على استعمال كل جديد وفاعل من السلاح، محددًا لكل عملياته الأساليب المدروسة والمناسبة.
فاستغل النزاعات السياسية بين الأعداء بضرب بعضهم ببعض، واستعمل استراتيجية الهجمات الوقائية التي ترعب العدو، وتعطل تحركاته وتجهضه قبل استكمال استعداده، والناظر إلى هذه المخططات الذكية التي اتبعها يجده قد حقق منها ما يلي:
١ - مبدأ المباغتة.
٢ - مبدأ أمن العمل بما تحقق عنده من يقظة وجهاز استخبارات قوي وفاعل.
٣ - مبدأ القدرة الحركية بما تعنيه من سرعة في القتال لكفاءة التدريب والإعداد.
٤ - مبدأ الثقة من قومه والرعب للأعداء.
٥ - مبدأ الاقتصاد القوي.
٦ - مبدأ المحافظة على الهدف الذي بتحققه تزداد الروح المعنوية التي كان المسلمون في أشد الحاجة إليها.
وكانت نتيجة ذلك أن انتصر صلاح الدين في معركة حطين الفاصلة بحوالي (13) ألف مقاتل نظامي، في مقابل جيش الفرنجة المكون من حوالي (63) ألف مقاتل، ووقع في الأسر الملك جاي ملك بيت المقدس، وأخوه أرناط وغيرهما، وقتل المسلمون من الفرنجة ثلاثين ألفًا، وأسروا ثلاثين ألفًا، وأسروا كثيرًا من ملوكهم، ولم يسمع بمثل هذا اليوم عزًا للإسلام وأهله حتى قيل إن بعض الفلاحين قاد وحده ثلاثين أسيرًا من الفرنجة قد ربطهم بحبال خيمته، وباع بعضهم بنعل يلبسها في رجله، ولا تسل عن الهلع الذي أصاب جموع الفرنجة، وبات المسلمون ليلتهم يكثرون من التكبير والتهليل، ووجد صلاح الدين ساجدًا لله شكرًا على هذا النصر للمسلمين.
وبعد هذه المعركة فتحت الطريق أمام المسلمين لتحرير معظم أراضي فلسطين: قيسارية، وحيفا، وأرسوف، ثم نابلس، ثم الفولة، ودورية، وجنين، وزرعين، والطور، واللجون، وبيسان، وجميع ما يتبع طبرية، وعكا، وتم فتح يافا، وتبين، وبيروت، وجبيل...إلخ، إلخ، وتوج النصر بتحرير بيت المقدس.
وبعد كل هذا ألستم معي بأنه لا بد من صناعة صلاح الدين في تقواه وحبه لأمته وشجاعته، واستبساله ونزاهته، لا بد للأمة أن تنشغل بذلك لأنه لا خلاص إلا بذلك، ولا أمل إلا بهذا، وكل وقت يمر يزداد القهر والضياع، لا بد من إعداد صلاح الدين لا إعداد الصغار المهازيل، فلا صلاح إلا بصلاح الدين، ولا عز ولا نصر إلا بالمتقين العاملين الصالحين.