; صليبيون حتى في المونديال! | مجلة المجتمع

العنوان صليبيون حتى في المونديال!

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1998

مشاهدات 74

نشر في العدد 1318

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 22-سبتمبر-1998

المجتمع الدولي الذي يتحدث عنه السياسيون والمثقفون العرب اسمه الأصلي المجتمع الصليبي، ولكن لأن بعضنا لا يريد مواجهة الأمور على حقيقتها وعلى طبيعتها، فإنه يراوغ كي يفلت من المؤاخذة، أو يجمل الواقع الكريه والقبيح... مثلًا قالوا عن هزيمة ١٩٦٧م، إنها نكسة ١٩٦٧م. وقالوا عن الهيمنة الأمريكية على العالم، إنها «العولمة». وقالوا عن محاربة الإسلام واستئصاله، إنها محاربة الأصولية والتطرف، وقالوا عن الاحتفال بالحملة الفرنسية على مصر والشام ودخول نابليون بخيوله إلى الأزهر الشريف، العلاقات الفرنسية - المصرية... أفاق مشتركة.. وهكذا نجد تسميات مراوغة مناورة تستهدف سحق الحقيقة وتضليل المسلمين وحدهم دون خلق الله، كي يتجرعوا الذلّ والسمّ والهوان.

المجتمع الصليبي رافض للإسلام والمسلمين منذ زمان بعيد، وحتى الآن وفي المستقبل الذين يزعمون أننا نخلق أعداء لنا دون داع، لأن الروح الصليبية تحكم أوروبا منذ خرج بطرس الحافي من جنوب فرنسا يقود الجيوش الصليبية الهمجية نحو القدس العتيقة عام ١٠٩٥م، تعددت أشكال التعبير عن هذه الروح وتنوعت.. في الحملات العسكرية، ومحاكم التفتيش، والاستئصال، والاستعمار الحديث، والهيمنة الاقتصادية، والغزو الغزو التغريبي الثقافي، وإقامة الكيان اليهودي العدواني في فلسطين المحتلة، وربط بعض الحكومات بالمشيئة الصليبية، ومنع عناصر القوة عن الشعوب المسلمة.

وقد ضحكت كثيرًا عندما شاهدت بعض مباريات كأس العالم في كرة القدم «المونديال» المقامة على أرض فرنسا «الصليبية أو أم الصليبية!»، وبخاصة في مباراة أمريكا وإيران، حيث انحاز الحكم الصليبي إلى أمريكا ضد إيران... واتفق الصليبيون على إخراج فريق المغرب لحساب فريق صليبي، مع أن فريق المغرب كان متفوقاً وفائزاً بجدارة على الفريق المنافس!

وهاج الصليبيون وماجوا عندما رأوا في فريق نيجيريا منافسًا يهدد فرقهم في التصفيات النهائية، فأحاطوه بهالة من الدعاية جعلت الغرور يركب الفريق النيجيري فينهزم بجدارة!!

سبقت «المونديال» حملة صليبية شرسة على أرض فرنسا، استهدفت المسلمين المقيمين فيها وحدهم، دون غيرهم من خلق الله، بحجة أنهم إرهابيون أصوليون سيفجرون الاحتفالات، ويقتلون الأبرياء!!

ثم انفجر التعبير الصليبي قويًا، عقب مباراة تونس وإنجلترا، حيث قام المشجعون الإنجليز بعنف غير مسبوق ضد التوانسة والعرب والمسلمين، والمفارقة أن أجهزة الدعاية الصليبية نسبت العنف إلى احتساء الإنجليز لكميات كبيرة من الخمور!! والسؤال هو: لماذا لم يتجه هذا العنف ضد اليابان، أو كوريا، أو البرازيل، أو الأرجنتين؟ إنها الصليبية الوحشية الهمجية، وهذه الصليبية ليست من النصرانية الغراء في شيء. لأن النصرانية ترفض العدوان والظلم والبغي والقرصنة والتعصب والعنصرية ... وهي مقومات الصليبية المعاصرة أو المجتمع الدولي كما يسمونه، وهي قائمة في السياسة والثقافة والفكر والاقتصاد والتجارة والعلاقات العسكرية وغيرها، ومن خلال الروح الصليبية نستطيع أن نفسر موقف المجتمع الدولي هذا من قضايانا الراهنة وعلى رأسها قضية فلسطين، وإبادة المسلمين في البوسنة وكوسوفا وكشمير والفلبين، إن هذا المجتمع الدولي لا يتحرك إلا عندما يقتل يهودي في فلسطين، أما قتل الفلسطينيين وتعذيبهم حتى الموت «بالقانون اليهودي!»، وإبادة المسلمين الأبرياء في البوسنة والهرسك وكوسوفا وكشمير، فمسألة تحتاج إلى ضبط النفس والحوار بين الأطراف.

يتركون المجرم الصليبي «سلوبودان ميلوسيفيتش» يجرد دباباته ومدرعاته وطائراته ضد القرى الآمنة لإبادة السكان المدنيين المسلمين، ويتحدثون عن «الإرهابيين الانفصاليين من السكان المنحدرين من أصل الباني؟، أي خلل وأي مفارقة وأي استخفاف بالعقول من أصحاب الدعوات العقلانية؟

تجرب الهند الهندوسية قنابلها النووية،

فيكون الاستنكار لطيفًا مهذّبًا من المجتمع الدولي الصليبي، وعندما ترد باكستان المسلمة بالمثل، يعلو الاستنكار الصاخب، تتبعه العقوبات الاقتصادية، والتهديدات السافرة والمقنعة، وتسمية القنبلة بالإسلامية لتعبئة العالم الصليبي ضد الإسلام والمسلمين.

والسفاح اليهودي نتنياهو يغير ديمغرافية القدس، ويرفض تنفيذ الاتفاقات المهيئة للفلسطينيين، ويقف المجتمع الدولي الصليبي إلى جانبه، ويصرّ نفر منّا على اللجوء إلى المجتمع الدولي ويطالب بتدخله، هل الخلل عندنا أم عندهم؟

إن الصليبيين لن يتسامحوا معنا، حتى لو أشعلنا أصابعنا شموعاً، لأن طبيعتهم العدوانية العنصرية هي التي تحركهم، وتصنع قراراتهم، بدءًا من السياسة حتى المونديال!، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

(*) أستاذ النقد الأدبي بجامعة طنطا – مصر.

الرابط المختصر :