; صلاح شادي للمجتمع: كنا نحمل الدعوة إلى الناس ... والدعوة اليوم هي التي تحملنا إليهم | مجلة المجتمع

العنوان صلاح شادي للمجتمع: كنا نحمل الدعوة إلى الناس ... والدعوة اليوم هي التي تحملنا إليهم

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1981

مشاهدات 82

نشر في العدد 549

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 03-نوفمبر-1981

• دعوة الإمام البنا إلى القوة ... لا تعني قلب أنظمة الحكم.

• السادات اعتبر الملك عبد الله خائنًا ... لمجرد عقده هدنة مع العدو!

• اغتيال السادات أكبر من أن تقف قناعتنا فيه بما شغلت به الصحف العربية نفسها.

تذكر صلاح شادي، فتذكر أربعين عامًا في دعوة «الإخوان المسلمين»، ففي عام 1943، وفي ليلة السابع من رمضان بايع ضابط الشرطة صلاح شادي الإمام الشهيد حسن البنا في مركز كفر الزيات.

وطوال هذه الأعوام الأربعين، التي قضى شطرها في السجن، لم يفتر صلاح شادي، مثل غيره من الإخوان، في العمل لدعوته.

واليوم، تلتقي «المجتمع» بالأستاذ صلاح شادي وتسأله عن ثلاث قضايا:

• دعوة الإمام الشهيد حسن البنا ... هل آتت ثمارها بعد كل ما قدمته؟

• قلب نظم الحكم في الدول العربية ... هل كان من أهداف الإخوان المسلمين ...؟

• اغتيال السادات ... هل قامت به الجماعات الإسلامية حقًّا؟ ... وما الموقف بعده؟

وفيما يلي نص الحوار مع الأستاذ المجاهد صلاح شادي:

س: مضى أكثر من نصف قرن على بدء دعوة الشيخ حسن البنا رحمه الله لإحياء الإسلام في نفوس أبنائه فهل ترون بعد مضي هذه المدة الطويلة أن دعوة الشيخ حسن قد آتت ثمارها أم لا ...؟

ج: الإجابة على هذا السؤال تعيد إلى مخيلتي صورة ما كنا نلقاه من عنت عند دعوة الناس إلى الفهم الشامل للقرآن؛ حيث إنه منهاج حياة للفرد والأسرة والمجتمع والدولة ... فكنت تلحظ الدهشة على من حولك، بل والاستنكار الجريء لهذا الفهم، واتهام صاحبه بالعودة إلى الوراء والتخلف الفكري والجمود الذي لا يستقيم مع المدنية الحاضرة!!

ولكن ...

نشعر اليوم حين نقرأ ورد الرابطة الذي علمنا إياه الإمام الشهيد، في باكورة هذه الدعوة، عند غروب شمس كل يوم، وحين نستعرض في قلوبنا وجوه إخواننا الذين جعلوا الله غايتهم، والرسول زعميهم، والقرآن دستورهم، والجهاد سبيلهم، والموت في سبيل الله أسمى أمانيهم.. أن وجوه هؤلاء الأحباء لا ليوم، قد تخطت مشارق الأرض ومغاربها ...، حتى ليطول بنا الوقت ونحن نستعرض فقط رواد الحركة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها ... في تشاد والفلبين وأفغانستان وأمريكا وأروبا وآسيا وأفريقيا؛ بل وفي كل بقاع الأرض، قاطبة لنقول في خشوع: «اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك، والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك، وتعاهدت على نصرة شريعتك، فوثق الله رابطتها، وأدم ودها، واهدها سبلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك، وجميل التوكل عليك، وأحيها بمعرفتك، وأمتها على الشهادة في سبيلك، إنك نعم المولى ونعم النصير ...».

كنا بالأمس نتوقف لحظات نستعرض وجوه أحبابنا المجاهدين من الإخوان، واليوم يطول بنا الوقوف، وتملأنا الرهبة، ويستغرقنا الشعور بثقل المسئولية وضخامة الأمانة ...، كنا بالأمس نحمل الدعوة إلى الناس، واليوم أصحبت الدعوة هي التي تحملنا إليهم! ...

موقف الإخوان من القوة ... والثورة

س: هل صحيح ما نسب إلى الشيخ حسن البنا رحمه الله من عزمه على قلب نظم الحكم في الدول العربية؟ ... أم أن هذا محض افتراء؟ وإذا كان غير صحيح فما الغاية من تكوين التنظيم الخاص؟

ج: أنا أجيبك أولًا على الشطر الأخير من السؤال؛ لأستطيع أن أشرح بعد ذلك أوله، فقد كانت الغاية من إنشاء حسن البنا للنظام الخاص في عام 1940، نابعة من إدراكه أن الإنكليز يسلحون عصابات الصهاينة، وكانت الحكومة المصرية والحكومات العربية في ذلك الحين أغلبها متخاذلة، إن لم يتواطأ بعضها مع الإنكليز، فكان من الطبيعي إذا واطأ العزم الصادق هذا الإدراك، أن يفكر المرشد في إنشاء نظام خاص يواجه به مسئوليات هذا الفهم، إزاء التحرك الصهيوني في فلسطين، وإزاء الاحتلال البريطاني في مصر.

هذا فضلًا عما يعلمه كل مسلم أن القوة في النظام الإسلامي مطلب مقصود لذاته، مهما تحقق للأمة استقلالها، وحتى لو أظلها حكم الإسلام، لظل التدريب على الأسلحة والتجمع؛ لبذل المعروف وإنكار المنكر بشرائطه الشرعية واجبًا تنهض به وله همم المسلمين، حتى ليقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير معنى الآية الكريمة ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: 60): «ألا وأن القوة الرمي» ويكررها ثلاث مرات، ثم لا يلبث أن يجعل الرمي عبادة فيقول: «من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني»!! ...

ويقول الإمام الشهيد حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس: «والإخوان المسلمون أعمق فكرًا وأبعد نظرًا من أن تستهويهم سطحية الأعمال والفكر، فلا يغوصوا في أعماقها، ولا يزنوا نتائجها، وما يقصد فيها، وما يراد بها، فهم يعلمون أن أول درجات القوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدها قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة؛ حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعًا، فإنها إذا استخدمت قوة الساعد، وهي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خاملة الإيمان، فسيكون مصيرها الفناء والهلاك.

وإذن فدعوة الإمام البنا للقوة في مظاهر تنظيماته المختلفة؛ لا تعني بالضرورة التخريب وقلب أنظمة الحكم كما يدعي البعض، ولقد نجح الاحتلال البريطاني وأعوانه من الحكام المصريين في تركيز مفهوم خاطئ في عقل الشعب ووجدانه، مضى به إلى الاعتقاد بأن استكمال عدة القوة جريمة! ...

فإذا جاء حسن البنا ليقدم لهذا الشعب المقهور معنًى جديدًا من كتاب الله، يغسل به ما تراكم من ذل الاستعباد في النفوس، فأقام الفرد على عقيدة التوحيد؛ ليستكمل بها مدد السماء، ودعا إلى تكوين أمة تستظل بشريعة القرآن؛ لتحفظ نفسها القوة والمنعة، ودعا الحكومات بعد ذلك إلى توحيد قوتها تحت راية الخلافة الإسلامية، فلا يجب أن يتصور أحد أن يكون منزعه في هذا الصدد مظهرًا من مظاهر العنف، أو صورة من صور الاستعلاء بالقوة على الحق، أو حمل الناس بالإكراه على التبعية للجماعة.

بل ويزيد الإمام البنا هذا الأمر وضوحًا، فيقول في رسالة المؤتمر الخامس: «أما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دام على هذا المنوال، ولم يفكر أولو الأمر في الإصلاح العاجل السريع؛ سيؤدي حتمًا إلى ثورة، ليست من عمل الإخوان المسلمين، ولا من دعوتهم ...».

وهكذا فهمت جماعة الإخوان المسلمين معنى القوة، وهكذا نظروا إلى الثورة ...

اغتيال السادات والموقف منه

س: ما رأيكم في عملية اغتيال الرئيس السادات، وما هي توقعاتكم بعدها ...؟ وهل ترون أن ما ينسب إلى الجماعات الإسلامية في مصر من القيام بتنفيذ العملية صحيح أم باطل؛ يعني وراءه قصدًا خبيثًا؟

ج: الإجابة على هذا السؤال لم تستكمل عدتها بعد من المعلومات الصحيحة التي يمكن من ورائها إعطاء تصور صحيح عن الموقف بعد السادات ...

ولكن … هذا لا يمنع من القول: بأن النهاية الحزينة للرئيس الراحل تحمل حشدًا من العبر يذوب لها القلب حسرة... فالحادث أكبر من أن تقف قناعتنا فيه بما شغلت به الصحف العربية نفسها، من وصف القتلة بالإجرام أو وصفهم بالبسالة والإقدام، وإنما كان على الصحف العربية أن تكون أكثر موضوعية في تناولها لهذا الأمر؛ ليدرك الناس أبعاد هذا الحادث؛ ليمكن تدارك أمثاله...

ولا شك أن هذا هو أول حادث من نوعه في العالم يجري بهذه الجرأة المذهلة، وهذه المواجهة التي أدهشت الناس، ليس فقط لطريقة تنفيذ التخطيط المرسوم، وإنما لما أبرزته الصحف لدى مواجهة خالد الإسلامبولي لشريكه عبود الزمر، حين قال الأخير لرفيقه: ألم أطلب منك أن تصفي القيادة الجالسة على منصة العرض؟ لماذا قتلت السادات وحده وأخطأت الآخرين؟...

إن الاعتراف بهذه الصورة -في هذا الموقف العصيب- لا يمكن أن ينبع من فراغ نفس صاحبه، ولا يمكن أن تدعو إليه عمالة، أو توجيه سياسة خارجية، وإنما يدعو إليه اقتناع راسخ بصحة ما أقدم عليه هو وشريكه!

وهذا الاقتناع، مهما أخطأ أصحابه في تلمس أسبابه ودواعيه الشرعية أو السياسية، يجب أن يعالج فقط بمزيد من الفقه، ومزيد من الشروح السياسية لموقف الحكام من الصلح مع "إسرائيل"، بعد هذه الحقبة الزمنية من الكراهية لها، التي درج عليها هذا الجيل والجيل السابق، حتى لقد كان الرئيس الراحل نفسه يعتبر الملك عبد الله خائنًا؛ لمجرد عقده هدنة مع "إسرائيل"، بما حكاه الرئيس نفسه في كتابه البحث عن الذات «ص122»! ...

فكان لا بد من الشروح السياسية والفقهية المقنعة للناس -إذا وجدت- قبل الإقدام على الخطوات السياسية مع "إسرائيل"، الأمر الذي كان يقتضي من المسئولين الدراسة الجادة لفهم الشعب ومشاعره التي ما كان من الممكن أن تتحول في لحظة من القتال إلى الاحتضان والتقبيل.

والإخوان المسلمون الذين اختطوا لأنفسهم منهج الدعاة لا حق القضاة في الحكم على أي مسلم بالكفر «إلا إذا أتى أفعالًا مكفرة بذاتها»، لا يمنعهم هذا المنهج من القول: بأن من أسباب هذه الفتنة التي تكتوي مصر كلها بنارها، إصدار التصريحات الصحفية التي تمس جوهر الدين، وتحتمل مختلف التأويلات، كالقول: بأنه لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين ...، حتى أصبح هذا الشعار أحد شعارات الدولة، الأمر الذي لا يمكن أن يعين معتنقي هذا الفكر الجديد على سداد الفهم أو اتزان السلوك ...

ولا أحسب أن الرئيس الراحل المشهود له بالفطنة، ولين العريكة، وكياسة الأسلوب، كان يعجز عن تحويل قلوب مواطنيه من الجنود والضباط الذين داهموه هكذا، إلى قلوب تدافع عنه بنفس الجسارة والروح الفدائية التي دهمته بها، لو أنه حرص في تصريحاته المتعلقة بشئون دينه وموقفه منه، نفس الحرص الذي بذله في تصريحاته السياسية المتعلقة بأمريكا و"إسرائيل" وموقفه منهما.

الرابط المختصر :