العنوان صقور القوقاز هل يمتطون الدّب الروسي؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1995
مشاهدات 76
نشر في العدد 1132
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 03-يناير-1995
الدب الروسي المثخن يهرب من المستنقع الأفغاني ليقع في فخاخ الشيشان
وتنقض عليه صقور القوقاز وشعوب القوقاز التي حجبت عن هويتها الإسلامية زمنًا
متطاولًا يبلغ السبعين عامًا، ظن الناس بعدها أن الشيوعية والقهر قد
أخذا منها مأخذًا، ونال منها منالًا، قد تحرك وعيها اليوم، واستيقظ إسلامها الآن
والتفتت إلى تاريخها، وانتبهت إلى مجدها، وانتفضت إلى عزتها، فاشرأبت منها الأعناق
الخفيضة، وارتفعت منها الهمم الكلية وقويت منها السواعد الواهنة وانتصب أمامها
التاريخ الناصع، وناداها مجدها الزاهر، ونسبها السامق لأيامها الخوالي.
بلغنا السماء بأنسابنا *** ولولا السماء لجزنا السماء
فحسبك من سؤدد أننا *** بحسن البلاء كشفنا البلاء
إذا ذكر الناس كنا ملوكًا *** وكانوا عبيدًا وكانوا إماء
يطيب الثناء لآبائنا *** وذكر الرجال يطيب الثناء
استقل الشعب الشيشاني المسلم عن المحتل الروسي، وهذا حقه كأية أمة،
وأعلن حريته وهويته، وتلك إرادته كأي قطر، واختار طريقه ووجهته كأي دولة. فلم حظر
عليه ذلك؟ وينكر عليه هذا؟ وقد ولت عهود الاستعباد والاسترقاق، فضلًا عن أن الشعب
المسلم والأمة المؤمنة تأبى تعاليمها الضيم، وتنكر عقيدتها الاستسلام والهوان. ولم
يتحرك الدب الروسي بعد ثلاث سنوات
سنوات
على استقلال تلك الدول الصغيرة ليئد استقلالها، ويهضم حقها، ويأخذ خيرها، ولعله
نسي تاريخ الشيشان مع المحتل الروسي الذي ظل يجاهد الاحتلال ببسالة ورجولة إلى آخر
رمق، وآخر طلقة، وآخر رجل، حتى دوخوا الروس وأنهكوهم وأذهبوا حلومهم، وفضحوا
جنرالاتهم، ولقد قرأت تاريخ تلك الفترة فاعتراني العجب لثلاثة أمور:
الأمر الأول
أنني وجدت أن قادة الشيشان العظماء كانوا علماء ومشايخ، ولم يتخرجوا
من الكليات العسكرية وإنما تخرجوا من مدرسة الإيمان ومعاهد العقيدة، فكان قائدهم
الفذ هو "الشيخ شامل" واعظ الشيشان، وقواد جنده "الشيخ مراد"
و"الشيخ شعيب"، و"الشيخ قاسم"، و"الشيخ محمد كعبت"
وتعجب الدنيا من كفاح الشيخ شامل ورفاقه وصلابتهم ورجولتهم وشرفهم العسكري حيث
أرسلت له الروس أن يستسلم بعد كفاح مرير، فكان رده عليهم: اذهب وقل لقوادك، إن أرض
الشيشان أعلى من أن تصلها يد القيصر الروسي، وأسلحة الجنود الروس، ولن نسلم طالما
هناك سيف واحد سليم في يد شخص وحيد بقي حيًا، إن هذه القلعة التي لم تستطيعوا منذ
سنين أن تقربوها بأربعين الف جندي مزودين بأحدث الأسلحة أو أن تهدموا منها حجرًا
ليست في الواقع قلعة، فإنما هي سد من الإيمان يهز القلوب وأن اجتياز هذا السد يفوق
حدود القيصر وقائد قواته احملوا بكل إمكاناتكم، وأرسلوا كل ما تملكون من نيران،
وسنمسك قذائفكم بأيدينا أما التسليم.. أما التسليم فمحال وسننتصر عليكم بإذن الله.
بعد أن رأيت شهامة الرجل وإيمانه: قلت لا بارك الله في كل علماء السوء وشيوخ
النفاق ومطلقي البخور على الموائد.
الأمر الثاني
شهامة الرجل العسكرية هو ومن معه، فلقد كانت اللمسات الإنسانية في
معاملة الأسرى، واتباعه لتعاليم الإسلام السمحة في ذلك مضرب الأمثال، حيث كان
الجنود الأسرى ومنهم القائد "باتوف" الذي يقول: "بدأت أحب
المسلمين" ليتهم عاملونا بقسوة حتى لا أحبهم، إن هؤلاء الشيشان يلقوننا درسًا
في الإنسانية ما أعجب هذا إننا لا نريد أن نحارب، ولكن الرؤساء هم الذين يريدون
ونحن نعلم أنه ما دام الله مع المسلمين فالمسلمون هم المنتصرون فقلت: أين شهامة
دعاة المدنية اليوم الذين يضربون الآمنين بالغازات السامة، ويطلقون على النساء
والأطفال وابل الرصاص والقنابل القاتلة.
الأمر الثالث
إيمان الشعب وصلابته، فحينما تقرأ وترى وداع أم لابنها الرابع الذاهب
إلى القتال بعد استشهاد أخوين له، وهو بعد لم يتجاوز السادسة عشر من عمره تقول له:
"اذهب يا ولدي" مت وأنت تحارب في سبيل دينك ووطنك من أجل حريتك، إن هذا
الموت أفضل من الحياة تحت نير الروس، تذكر ولدك يا ولدي طلب مني أن أخرج بأسناني
رصاصة استقرت في كبده، لأنه لا يود أن تصعد روحه إلى بارئها وهي فيه، كان يقول
(ينبغي أن أكون في غاية النظافة، وهذه رصاصة كافرة، هذه الرصاصة توسخ جسمي، وأنا
أريد أن أكون طاهرًا وأنا أذهب إلى ربي)، اذهب يا بني... أستودعك الله هو خير حافظ
وهو أرحم الراحمين، هيا.... فإخوانك قد اصطفوا، هيا ولتشترك معهم، ولا تنس يا بني
عباداتك إذا واجهتك الصعاب، وأقم الصلاة، وانطلق الابن يعانق أمه قائلًا: سأكون
كما تحبين في طاعة الله يا أمي هؤلاء هم صقور القوقاز بقيادة الإمام شامل.
والآن تنطلق صقور القوقاز بقيادة "دوداييف" لتلقن الدرس
للدب الروسي، ولكن هل يعطينا هذا الشعب الصغير الذي يقف أمام الروس درسًا مفيدًا
لنقف أمام الأفعى اليهودية الهزيلة أم:
خلت البلاد من الرجال *** وتفرزنت فيها النواعق
وتصاهلت عرج الحمير *** وذاك من عدم السوابق
أم هناك في عالم الغيب رجال صدق؟ وفي رحم الأمة صقور عز؟ نسأل الله
ذلك؟