; صفقة المجاهدين في فلسطين | مجلة المجتمع

العنوان صفقة المجاهدين في فلسطين

الكاتب د. عيد عبد الحميد

تاريخ النشر السبت 06-أبريل-2002

مشاهدات 71

نشر في العدد 1495

نشر في الصفحة 44

السبت 06-أبريل-2002

الصراع بين الحق والباطل قديم قدم هذا الدين فمن لدن آدم عليه السلام مرورًا بنبي الله نوح وامتدادًا إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ووصولًا إلى عصرنا الحالي الأرض، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. فإن الصراع محتدم بين أهل التوحيد وأنصار الشرك العنيد، وما من مرة يغتصب فيها الشرك ديار المسلمين ويدنس، فليس سوى المسلم الموحد المجاهد بمنقذ لها ومخلص.

ومن نظر إلى هذا الصراع بعين البصر والبصيرة على السواء استشف أن المعركة في حقيقتها بين أهل الشرك والكفر والإلحاد وبين رب العباد، تأمل في ذلك قول الحق تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ (الممتحنة: 1) فقدم عداوتهم لله على عداوتهم للمؤمنين، لأن عداوتهم لله أصل وعداوتهم للمؤمنين تبع، فقد دخل المؤمنون في دائرة العداء هذه بسبب إيمانهم بالله تعالى وحسبك جملة من الآيات القرآنية تؤكد هذه الحقيقة، فقد قال جل شأنه في شأن أصحاب الأخدود ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (سورة البروج: 4-8) وها هو فرعون يتوعد موسى بقوله ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (الشعراء: 29)، وقوم شعيب يقولون له ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا (الأعراف: 88)، وقوم لوط يلوحون لنبيهم ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (الشعراء: 167)، وقوم نوح يهددون ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (الشعراء: 116)، وصناديد قريش تخرج محمدًا صلى الله عليه وسلم وصحبه للعلة ذاتها ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ (الحج: 39-40)، فكلمة ربنا الله بدلًا من أن تكون موجبًا للإكرام، أضحت عند الكفرة اللئام موجبًا للنفي والتشريد والتنكيل والإبعاد على مر الليالي والأيام، وعمومًا فمقايضة وقف أعمال البطش والتنكيل والإبعاد بعودة الموحدين إلى ملة الكفر مسلك سلكه كل الطغاة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا (إبراهيم: 13)، وهكذا تنوعت أساليب البطش والتنكيل من نقمة وسجن ورجم ونفي وإبعاد والسبب واحد ﴿أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ (الحج: 40)، الأمر الذي يعطي دلالة واضحة على عقدية المعركة وأن العداوة بينهم وبين الله تعالى ابتداءً، وإلا فلو شاركهم المؤمنون كفرهم بالله لانقطع دابر العداوة ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا (البقرة: 217).

فإذا كان ذلك كذلك وأن العداوة بينهم وبين الله تعالى ابتداء، فهذا يقدح في الذهن سؤالًا مفاده أن الله تعالى لا يعجزه شيء في السماء ولا في الأرض، فلماذا لا يبادر بالانتصار لنفسه من القوم الكافرين فيعجل باستئصال شأفتهم وكسر شوكتهم؟ ليطلع علينا الجواب من قوله تعالى ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ (محمد: 4) فمن اللطائف القرآنية أن هذا الجواب في سورة محمد التي اشتهرت بسورة القتال ليفيد أن رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين، وإكرامه لهم على مر السنين أنه لم يعجل باستئصال شأفة القوم الكافرين، وذلك ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ (محمد: 4)، أي ليفتح لعباده المؤمنين سوقًا تجارية يتاجرون فيها مع الله عز وجل عبر مجالدتهم لعدوه وعدوهم، ومقارعتهم إياهم في ميادين الفدى وساحات الوغى، لتسمو بذا عند الله تعالى مقاماتهم وتعلو درجاتهم.. قال تعالى ﴿الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (الفرقان: 20).

فبعد أن بين أن هذا الابتلاء من باب تمحيص صبر المؤمنين عقب بقوله ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (الفرقان: 20)، إيحاء بأنه يرقب الصراع ويضرب على عباده المؤمنين المجاهدين في خضمه عنايته وكلاءته وحمايته، ولما كان جل شأنه بالصراع بصيرًا فإن له فيه تدبيرًا تجري به المقادير وتأمل في هذا قوله جل شأنه ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (الأنفال: 30) وقوله ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ (إبراهيم: 46) وقوله ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (النمل: 50) ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا (الطارق: 16) فهي التجارة إذًا يتاجر فيها المسلمون مع الله تعالى، وقد بين الكبير المتعال حقيقة هذه التجارة وما تتطلبه من رأس مال فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (الصف: 10) ابتدأ الحديث عن التجارة بتوجيه الخطاب إلى المؤمنين فهم المرشحون لهذه التجارة دون غيرهم، ذلك أن ميزة هذه التجارة أنها تنجي الأمة من عذاب أليم فهل يتحفظ على هذه التجارة من كان عنده مسكة من عقل في وقت مس الأمة فيه العذاب الأليم في حين يتخاذل عنها غير المؤمنين، أو من خلت قلوبهم من اليقين؟ ورأس مال هذه التجارة إيمان بالله ورسوله ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (الصف: 11) أما كنهها ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ (الصف: 11) وطالما لفت النبي صلى الله عليه وسلم النظر إلى هذه التجارة ورأس مالها المطلوب فقد سئل صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله وجهاد في سبيله» متفق عليه. وقال عليه الصلاة والسلام «عليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم» مجمع الزوائد 5/497 إشارة إلى تخليصه للأمة من كل عذاب أليم يمسها.

فإذا انخرط المؤمنون في سلك الجندية بجيش رب البرية فليهنؤوا إذًا ولتشرئب أعناقهم لمعركة.. الله بصير بها، وهو بمعيته وتسديده يديرها ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا (الأنفال: 12) وما دور المسلمين فيها إلا أنهم يغدون ستارًا لقدرة الله عز وجل، توقع في الأعداء وتنال منهم دونما ملل أو كلل، ولا وهن أو وجل، وقد أكد المولى لهم ذلك بقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى (الأنفال: 17) فلئن كان المجاهدين رمي إيجاد للفعل فرمي المولى عز وجل رمي تسديد في نحور العدو، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ (التوبة: ١٤) فالذي يذيقهم العذاب هو رب الأرباب، يجريه على أيدي المؤمنين المجاهدين تكرمة لهم بتعاطيهم الأسباب ألا فاعتبروا يا أولي الألباب.. فإذا كان ذلك كذلك فاعلم أن أعظم عقوبة عاقب بها الشارع الحكيم الذين في قلوبهم مرض والمرجفين حرمانهم من الانخراط في صفوف المجاهدين كأولئك الذين حرمهم الله بسبب تخاذلهم وتثاقلهم وإرجافهم ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ إِلى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (التوبة: 83)، فلم يوحِ عز وجل لنبيه بأن يجعلهم في مقدمة الجيش وطليعة المعركة ليكونوا وقودًا لمعركة التوحيد هذا شرف رفيع لم ولن يبلغوه، إنما كان جزاؤهم ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (التوبة: 83) وأثبتت زلتهم في الكتاب المبين، ليفتضح أمرهم إلى يوم الدين وفي ذلك عبرة للمعتبرين وفي هذا الصدد هنيئاً لأهل فلسطين إذ اجتباهم رب العالمين، وخصهم بإبرام صفقة معه لمقارعة يهود الأذلين ذودًا عن مقدسات الإسلام وحمى المسلمين.

الرابط المختصر :