العنوان صفحات من دفتر الذكريات (٤٥) حلقة مفقودة طولها ستة أشهر
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-1995
مشاهدات 92
نشر في العدد 1147
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 25-أبريل-1995
·
عبدالناصر
يتحالف مع البعث العفلقي والحركات الماركسية لاقتلاع التيار الإسلامي من مصر
والعالم العربي.
في كتاب السيد فتحي الديب حلقة مفقودة -هي ما
حدث منذ أوائل إبريل عام 1954م إلى أوائل أكتوبر 1954م- هذه الفترة تجاهلها تمامًا
ممثل المخابرات المصرية مع أنها هي فترة الإعداد لحركة المقاومة المسلحة في
الجزائر التي قرر قادة الجهاد في اجتماعهم في إبريل 1954م أنها ستبدأ بعد ستة
أشهر، ومعنى ذلك أنه كان في هذه الفترة العصيبة بعيدًا عن مسرح الأحداث رغم أنه
وعد بن بيلا بالمساعدة، وطلب منه السفر لإبلاغ قيادات الحركة بالداخل بهذا التعهد.
السبب في بعده عن مسرح الأحداث -حسب قوله- هو
أنه أراد أن يكون العمل المسلح مفاجأة للفرنسيين، ومن ناحية أخرى أنه لا يريد أن
تتورط مصر في هذا الالتزام إلا بعد أن يبدأ الوطنيون الجزائريون كفاحهم المسلح
فعلًا وتنقل وكالات الأنباء أخباره في أول نوفمبر 1954م.
وها نحن الآن نعرض على القارئ ما تم في هذه
الشهور الستة، وكانت المخابرات المصرية في معزل عنه أو أنها تجاهلته تمامًا.. وهذا
هو شريط الأحداث:
يشير السيد فتحي الديب في ص 33 من كتابه إلى
أن يوم 5/4/1954م شهد أول جلسة له منفردًا مع بن بيلا، وهي جلسة التعارف بينهما،
وفيما عرفه بمهمته التي جاء من أجلها إلى مصر للسعي لدى الجامعة العربية؛ لتقديم
مساعدات عسكرية للتنظيم العسكري لحزب الشعب، الذي أوفده لهذا الغرض.
وأفاض سيادته في إعجابه بالشاب الثائر، وما
قدمه له من معلومات عن هذا التنظيم السري، الذي يضم ألف شاب، حتى إنه واصل الحديث
معه في اليوم التالي ليقدم له بيانات تفصيلية عن هذا التنظيم، وعرضها علينا في
الصفحات (35 - 42) من كتابه، وأبدى اهتمامه بها حتى إنه عرض الأمر بنفسه على رئيسه
عبدالناصر، فأعطى له موافقته على التعاون معه.
وهنا يقول لنا ممثل عبدالناصر: «إنه طلب من بن
بيلا أن يسافر؛ ليخطر زملاءه بهذه الموافقة على أن يعود إليه بعد ذلك؛ لبحث
إمكانيات تهريب السلاح إليهم..»، كل ذلك سجله في الصفحات من (35 - 42) من كتابه.
كان هذا كله في أوائل شهر إبريل 1954م، ونفاجأ
بأنه يتوقف عن الإشارة لأية لقاءات بعد ذلك إلا في 9/10/1954م، أي بعد ستة أشهر.
معنى ذلك أنه كان مشغولًا عن هذا الموضوع
بأمور داخلية في مصر، لها الأولوية في نظره عن شؤون الجزائر، وأعتقد أن موضوعها
الرئيسي هو إعداد خطة مُحكمة للقضاء على الإخوان المسلمين الذين يعارضون المعاهدة
التي وقعها عبدالناصر مع الإنجليز.. (بوساطة أمريكية؛ لحاجة في نفس يعقوب، ولا
ننسى أن يعقوب هو ما يسمى تاريخيًّا «إسرائيل»)، والتي نفذت فعلًا في يوم 26/10
باعتقالهم جميعًا في ليلة واحدة، وقبل ثلاثة أيام فقط من اليوم المحدد؛ لبدء
الجهاد في الجزائر.
إنه ختم الفصل الثاني من كتابه في ص 42 عند
نقطة سفر بن بيلا إلى الخارج؛ ليبلغ أصدقاءه بالخبر الخطير عن تعهد عبدالناصر
ومخابراته بتقديم المساعدة العسكرية؛ للنضال المسلح الذي يعتزمون القيام به، والذي
حدد له نهاية أكتوبر وأول نوفمبر 1954م.
وفي ص 43 يفاجئنا بأن بن بيلا عاد يوم 9/10
بعد الاجتماع مع أصدقائه في «برن» عاصمة سويسرا، وذكر أسماء من حضروا من قادة
التنظيم، وأنه أبلغهم «بموافقة عبدالناصر على دعم كفاحهم ماديًّا وأدبيًّا... إلخ»،
ولا يمكن أن يصدق القارئ أن بن بيلا غادر مصر في أوائل إبريل ولم يعد إليها في شهر
أكتوبر كما يوهمنا السفير، بل الصواب أن تجاهل عمدًا الإشارة إلى ما قام به بن
بيلا خلال هذه الشهور الستة، مع أنها تعتبر أخطر فترة عاشها بن بيلا؛ لإعداد بدء
الكفاح المسلح في نهاية شهر أكتوبر 1954م، لا يعقل أن يكون ما تم بينهما أول لقاء
يوم 5/4 أو 6/4 ثم يقف الاتصال بينهما تمامًا، ويتجاهل ما قام به بن بيلا حتى يوم
9/10، والصواب أنه لم يكن مهتمًا بما يتم على الساحة الجزائرية، ولم يكن له فيه أي
دور، ولذلك قرر تجاهل هذه الفترة.
وهأنذا أذكر السيد السفير بما تعمد تجاهله من
اتصالات ومقابلات قام بها بن بيلا في خلال هذه الفترة الطويلة التي تجاهلها، لعله
يراجع نفسه ويتذكرها، وها هي:
مهمة في باريس:
1- تم اللقاء بين قادة الثورة في «برن» عاصمة
سويسرا في أواخر شهر إبريل 1954م عاد بعده بن بيلا فورًا إلى مصر.. وليس في شهر
أكتوبر كما يوهمنا السيد السفير.
2- كان أول ما فعله بن بيلا فور عودته إلى مصر
أن فكر في زعيمه مصالي حاج، ودوره في دعم هذا التنظيم وكفاحه المسلح، وقد حضر إليّ
في منزلي؛ لكي يطلب مني السفر لمقابلة مصالي حاج في فرنسا لهذا الغرض.
3- قال لي مبتهجًا: إنني عائد من سويسرا بعد
أن التقيت مع إخواني هناك، واتفقنا على أن الوسيلة الوحيدة لتوحيد الحزب، وإنقاذه
من حالة الانقسام الحالي هي بدء الكفاح المسلح، وهذا يقتضي الاتصال مع سيدي الحاج؛
لكي نضمن تأييده لهذا المشروع.
4- فهمت أن هذا ليس رأيه الشخصي، بل رأي
القيادة التاريخية للثورة في مؤتمرها، الذي عُقد في «برن» عاصمة سويسرا في نهاية
إبريل 1954م.
5- لكي يقنعني بأهمية سفري ذكر لي أنهم اتفقوا
على أن تكون ساعة الصفر بعد ستة أشهر من ذلك التاريخ، أي في نهاية شهر أكتوبر، وإن
كان قد طلب مني أن يبقى هذا سرًّا لا يطّلع عليه أحد غيري، وسألته «ولا مصالي؟»
قال: ولا مصالي؛ لأنك تعرف ظروفه الآن، وسيأتي الوقت الذي يعرف فيه كل شيء.
6- لما أبديت له تخوفي من عدم تصريح الحكومة
لي بالسفر؛ لأنني كنت معتقلًا في شهر مارس، ولم يمضِ على خروجي من المعتقل أكثر من
شهر؛ أصر على أن أطلب الإذن بالسفر، وفهمت من ذلك أنه سيعمل كل ما يستطيع من
جانبه؛ لكي أحصل على الإذن، وقد فوجئت بعد ذلك بأسبوعين بأن مساعيّ للحصول على إذن
السفر قد نجحت.
7- كان سبب السفر الذي قدمته هو رغبتي في حضور
مؤتمر جمعيات هيئة التدريس الذي سيعقد في «فيينا» في شهر أغسطس 1954م، مع أنني
اعتقلت بسبب موقف جمعية هيئة التدريس بالجامعة المؤيد لمحمد نجيب، والمعارض لخطة
عبدالناصر، الأمر الذي كان يبرر رفض الإذن لي بالسفر.
8- فسرت الموافقة غير المتوقعة على طلبي بأنها
جاءت نتيجة مسعى بن بيلا لدى المسؤولين، وأعتقد أن أولهم السيد فتحي الديب.
9- ذلك الفهم هو الذي شجعني على أن أؤكد
لمصالي حاج -في لقائي معه- أن القاهرة هي أحسن مكان يتوفر فيه الأمن والكتمان
لاجتماع من يرسلهم من ممثليه للتفاهم مع إخوانهم المقيمين في مصر.
10- كل ذلك تم في شهر مايو 1954م، وأذكر أن بن
بيلا كان موجودًا في القاهرة، وغادرت القاهرة في بداية عطلة الصيف، أي في أوائل
شهر يوليو إلى «جنيف» ثم إلى «باريس» ثم إلى «فيينا»، وعدت إلى القاهرة في شهر
سبتمبر 1954م، والتقيت بالصديقين بن بيلا ومحمد خيضر، وعرفتهما بكل ما تم من اتفاق
مع سيدي الحاج، ووعده بإرسال من يمثله، وسرهم ذلك وأعتقد أن أصدقاءهم في المخابرات
المصرية قد شاركوهم في هذا السرور.
تهرُب النظام المصري من دعم
الثورة الجزائرية في بدايتها
11- إنهم وعدوا بن بيلا بإمداده بالدعم المادي
«السلاح»، والإعلامي في بداية شهر إبريل، ورغم كل ما ذكرته عما فعله بن بيلا في
خلال ستة أشهر، التي انتهت بعودته يوم 9/10/1954م كما يذكر السيد السفير (ص 43 من
كتابه) - فكل ما فعله السفير حسب قوله في (ص 45)، هو أنه عرض الأمر على الرئيس عبدالناصر،
فبارك الخطوة منتظرًا تحديد وقت التنفيذ؛ لكي يفكر فيما يمكنهم عمله.
لكن أين السلاح؟
جواب السيد السفير عن هذا السؤال يأتينا في
شهر أكتوبر عام 1954م المحدد نهايته لبدء الحركة المسلحة، فهو يذكر في ص 45 أنه في
9/10/1954م:
«تم الاتفاق مع بن بيلا على السفر إلى ليبيا
لدراسة إمكانية تهريب السلاح عبر ليبيا؛ لنشرع فور البدء في الكفاح في تهريب
السلاح إليهم؛ لتصلهم التعزيزات قبل نفاد الذخيرة المنتظر الاستيلاء عليها من
عمليات الهجوم المفاجئ على المراكز العسكرية الفرنسية للجيش والشرطة».
12- في ص 45 أيضًا يقول لنا السيد السفير: إن بن
بيلا عاد لمصر مرة ثانية يوم 22/10/1954م؛ ليعلنهم بأن ساعة الصفر قد تحددت في
الواحدة صباح 30/10/1954م، ويظهر أنه كان يلح في تنفيذ وعدهم بالمساعدة، ونتيجة
لذلك تسلم مبلغ خمسة آلاف جنيه؛ ليعود بها إلى ليبيا، لشراء كميات الأسلحة
والذخيرة من السوق السوداء في ليبيا، فورًا، لحين تزويدهم بالكميات اللازمة من
مخازن الجيش المصري في المستقبل.
13- وصلت أول أنباء الهجوم الجزائري المسلح
على القوات الفرنسية في الجزائر يوم 1 نوفمبر 1954م.
وبدأت الثورة التي استمرت سبع سنوات، كما نرى
معتمدة على جهود حزب الشعب وجهازه السري المسلح، دون أية مساعدة من الخارج.
عندما جاءت أنباء الثورة كان كل ما فعله السيد
السفير ومخابراته هو «إعطاء الضوء الأخضر لإذاعة صوت العرب؛ لتثير حماس المناضلين
الجزائريين، ويطالب الشعب الجزائري بمساندة المناضلين، ويثير حماس الجماهير
العربية لتأييدهم» (ص 48).
14- في هذه الصفحة يبشرنا بأنه بادر بعد ذلك
كله بالتحضير لإمداد الثورة الجزائرية بالسلاح والذخيرة، بعد أن اجتاز بن بيلا
وإخوانه كل هذه الاختبارات وأثبتوا نجاحهم، بجهودهم الذاتية وجهود حزبهم وحدها
طوال هذه الشهور الستة.
15- ولا ينسى سيادته أن يذكرنا بأن ذلك كله
كان هدفه «عدم توريط مصر -الدولة- في أي موقف يؤثر على قدرتها على الحركة الطليعية
على المستويين العربي والدولي» (نهاية ص 48).
بعد هذا النوم الطويل الذي استمر ستة أشهر
استيقظت المخابرات المصرية على أنباء بدء الثورة التي أعد لها الجهاز العسكري لحزب
الشعب منذ إنشائه عام 1947م، وبدأها معتمدًا على إمكانياته المحلية وحدها، فماذا
كان موقف المخابرات المصرية من هذا الحزب الأصيل؟
السعي لتفريغ حركة الجهاد من
الإسلاميين
ماذا فعل مندوب المخابرات؟ إنه يبدأ نشاطه
بترديد أغنيته المفضلة، وهي التهجم على جميع «مندوبي الأحزاب الجزائرية وجمعية
العلماء» لمجرد أنهم جاءوا ليبشروه ببدء الكفاح المسلح، وليبدأ مهمته الحقيقية،
وهي تفريغ صفوف الثورة من الإسلاميين، ومن الملتزمين بالحزب الوطني حزب الشعب الذي
بدأ الثورة وأعدها منذ سنوات، وبذلك يفتح الباب للوصوليين والانتهازيين
والمتسللين؛ لكي يسيطروا على الجزائر بعد الاستقلال، وهذا هو ما يقاسي منه شعب
الجزائر حتى اليوم؛ ولكي يخفي علينا هذا الهدف نجده يجعل هجومه شاملًا لجميع
الأحزاب ليسوي بين الحزب الوطني الأصيل، وبين الأحزاب الأخرى المصطنعة التي تعارض
هذا الحزب.
إنني أعتقد أن السيد السفير وزملاءه في
المخابرات الناصرية قد اختاروا هذه الخطة لأغراض شخصية وحزبية - لأن ذلك هو ما
فعلوه في مصر- ومكنهم من الاستيلاء على السلطة واحتكارها، واعتقدوا أنهم إذا فعلوا
في الجزائر وشمال إفريقيا فسيحققون نجاحًا أكبر، ونسوا أن هناك قوى أجنبية لها
خططها وإمكانياتها، ولن تسمح لهم بأن يتجاوزوا الحدود التي تحقق هدفهم التاريخي،
وهو اقتلاع أصول التيار الإسلامي، وتحطيم الحركات الوطنية الأصلية.
إن ما فعلوه كان هو ما تُخطط له بعض القوى
الأجنبية، وقد يكون ذلك بمحض الصدفة -على الأقل في بداية الأمر- وسأترك للقارئ
ذاته أن يحدد متى تحولت الصدفة إلى سياسة مرسومة ومدبرة.
سأحصر بحثي في بيان المخططات الأجنبية
المعادية للإسلام التي لم تكن جديدة، بل بدأت منذ عهد أتاتورك والقومية التركية
الطورانية والثورة العربية «الكبرى»، التي رعاها «لورانس»، ثم جاءت حركة الجيش
المباركة في مصر التي حولها عبد الناصر إلى ثورة 23 يوليو، ورفع شعار القومية
العربية المفرغة من محتواها الإسلامي، بل وجعل هدفها الأول هو القضاء على الإخوان
المسلمين، واقلاع التيار الإسلامي من مصر والعالم العربي، ولو أدى ذلك إلى التحالف
مع البعث العفلقي والاشتراكية العلمانية الماركسية في فرنسا والاتحاد السوفيتي، بل
كل القوى الأجنبية التي لها مصلحة في القضاء على الحركات الإسلامية، وإبادة
المنظمات التي يسمونها الآن «الأصولية».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل