العنوان صفحات من دفتر الذكريات (۹): الوحدة الإسلامية والخلافة «الجديدة» للسنهوري
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1994
مشاهدات 73
نشر في العدد 1111
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 09-أغسطس-1994
· نشر
الثقافة الإسلامية واللغة العربية هو بداية الطريق العملي للمحافظة على وحدة الأمة
الإسلامية وكيانها.
· أهمية
قيام الأفراد والهيئات الشعبية بإنشاء مدارس لنشر الثقافة الإسلامية واللغة
العربية.
كنا ثلاثين طالبًا مصريًا على سفينة فرنسية متجهة إلى فرنسا في بعثة
علمية، وكانت هذه البعثة أكبر بعثة علمية في تاريخ مصر، وكان من حظنا أن السفينة
التي ركبناها كانت أبطأ سفينة في عبور البحر الأبيض المتوسط منذ اختراع السفن
البخارية، فقد ركبناها في بورسعيد يوم 25/12/1945 ولم نصل إلى مرسيليا إلا يوم
10/1/1946م.
وقد صرح لنا بالنزول إلى البر في بيروت يوم وصولنا، وأذكر أنني دخلت
إحدى المكتبات لشراء بطاقة بريدية أرسلها إلى مصر، ولما لم أجد طابع بريد تقدم
إليَّ أحد الواقفين يحييني عندما عرف أنني مصري قادم من بورسعيد، وقدم لي طابع
بريد من حافظته، وحياني وحيا مصر، وأشاد بموقفها في تأييد كفاح اللبنانيين
والسوريين من أجل الاستقلال الذي حررهم من الاستعمار الفرنسي الصليبي، واعترافًا
منه بفضل مصر فإنه يقدم لي هدية هي نسخة من كتاب أخذه من المكتبة وسلمه لي فإذا به
بعنوان: «المستشرقون والاستعمار» تأليف الدكتور فروخ وزميل له، فكان رفيقي في
السفر، وكان لذلك أحسن هدية تلقيتها طوال مدة البعثة، لأنني تمتعت بقراءته، وقبل
أن أفارقه قدم لي بطاقته وإذا هو الدكتور عمر فروخ مؤلف الكتاب فزاد به اعتزازي.
أما السبب الثاني لطول مدة الرحلة فهو أنه في اليوم الذي كان مقررًا
لكي تغادر سفينتنا ميناء بيروت فوجئنا بأنهم سينزلوننا إلى أحد الفنادق بالجبل قرب
«بكفيا»، بحجة أن عمال السفينة بدأوا إضرابًا عن العمل غير محدد المدة.
أثناء وقوفنا على ظهر السفينة في يوم من الأيام مر بنا رجل سنغالي
يلبس ملابس عسكرية فرنسية، فقال أحد زملائنا إن زوجته التي تجلس معه في صالة
الطعام هي مصرية على ما يظهر، فانتهزت فرصة وجوده منفردًا وسلمت عليه فحياني
بابتسامة وقال لي: أنت مصري، فقلت له: وأنت سنغالي، قال: نعم، قلت له وزوجتك التي
رأيناها معك على مائدة الطعام مصرية؟ قال: نعم، قلت: أنتما مسلمان؟ قال معترضًا:
أنتم مسلمون أيها المصريون، أما نحن في السنغال فإننا «مؤمنون» لأن شعبنا آمن
بالإسلام على يد الدعاة ولم يفتح المسلمون بلادنا، بل جاءوا تجارًا ومعلمين ودعاة.
لقد فوجئت بإجابته وتبسطت معه في الحديث عن حال المسلمين في غرب
أفريقيا فقال إن أكثرهم من «التيجانية» وهو منهم وهناك المريدون وغيرهم من الطرق
الصوفية وكلنا مؤمنون والحمد لله.
لقد شرحت له أننا كذلك مؤمنون ولا يجوز أن تنكر علينا الإيمان بحجة
أننا مسلمون، لأن ذلك إهانة كبرى، إن الآية التي خاطبت الأعراب بأنهم مسلمون
وليسوا مؤمنين عللت ذلك بأن الإيمان لم يدخل في قلوبهم، أي أنهم كانوا منافقين،
أما الآن فكل مسلم في العالم الأصل أنه مؤمن ولا يجوز إنكار ذلك عليه بحجة أن
الجيوش الإسلامية فتحت بلاده، ثم قلت له: إن الجيش الإسلامي الذي فتح مصر لم يكن
يحارب المصريين بل كان يحارب الرومان الذين كانوا يحتلون مصر كما يحتل الفرنسيون
بلادكم، وكيف تقبل الجندية في الجيش الفرنسي الاستعماري وأنت مؤمن؟ قال: إنني كنت
أحارب في الهند الصينية وأهلها وثنيون، وعلى كل لقد أنهيت عقدي مع الفرقة الأجنبية
بالجيش الفرنسي، وسأعود إلى أهلي وبلادي وأرضي ربي وضميري وأطلب المغفرة، وكانت
عيناه تدمعان، وقمنا للصلاة معًا، وبعد الصلاة طال بنا الحديث عن الأخوة التي تربط
المسلمين جميعًا في وحدة دائمة رغم اختلاف بلادهم وأفكارهم.
الوصول إلى باريس
بعد أيام قليلة من وصولي إلى باريس كنت أتجول في أحد شوارع الحي
اللاتيني حيث توجد مكتبات كثيرة دخلت إحداها وصرت أتأمل الكتب الخاصة بالإسلام
ففوجئت بكتاب عنوانه بالفرنسية «الخلافة وتحولها إلى عصبة أمم شرقية» والمؤلف هو:
عبد الرزاق أحمد السنهوري، وتصفحت الكتاب فعرفت أنها رسالة دكتوراة قدمها السنهوري
لجامعة «ليون» عندما كان يدرس فيها عام 1926م، وحصل بها على دكتوراة في العلوم
السياسية فاشتريت الكتاب وعدت به سريعًا إلى غرفتي أتصفحه فأعجبت بالفكرة الجديدة
التي دعا إليها المؤلف، وهي إنشاء منظمة دولية تحل محل الدولة العظمى التي كانت
تقوم بمسؤولية الخلافة الإسلامية، وأعجبني أكثر من ذلك دفاعه عن مبدأ الوحدة
الإسلامية، وأن الفقه الإسلامي يعتبرها واجبًا دينيًا على جميع المسلمين الالتزام
به، وبدأت فعلًا في ترجمة بعض صفحاته، ثم انشغلت عن ذلك بدروسي لإعداد دبلومات
الدراسات العليا بكلية الحقوق وبإعداد رسالتي للدكتوراة، وأجلت متابعة الترجمة إلى
أن أنتهي من رسالتي ودراستي، ولكني كنت من حين لآخر أرجع إلى ما فيه، وجعلته محور
أحاديثي مع الحاج أمين الحسيني- مفتي فلسطين- أولًا، ومع عبد الرحمن عزام- الأمين
العام لجامعة الدول العربية- عندما جاء في زيارة قصيرة إلى فرنسا.
وفي صيف عام 1947 م عدت في عطلة لمدة شهرين إلى القاهرة، والتقيت مع
المرحوم الدكتور السنهوري وقلت له عن مشروعي بشأن ترجمة كتاب الخلافة فألح عليّ
بسرعة نشر هذه الترجمة، لأنه كان يتمنى أن يقوم بها بنفسه منذ عاد إلى مصر، ولكنه
اشتغل بأشياء أخرى وخصوصًا أنه تحول من القانون الدستوري والقانون الدولي إلى
تدريس القانون المدني وهو بحر لا قرار له ولم يستطع أن يجد الوقت لترجمة هذه
الرسالة وقلت له: إنني سأقوم بالترجمة.
محور كتاب «الخلافة» للسنهوري
لكن بكل أسف ما حصل له قد حصل لي، فكنت كلما تقدمت في الترجمة توقفت
لانشغالي أولًا برسالتي لإعداد الدكتوراه في باريس، وبعد الرسالة عدت إلى مصر
وغرقت في تدريس القانون الجنائي كما غرق السنهوري في تدريس القانون المدني،
وكلاهما لا يترك للإنسان فرصة ليكتب كتابًا في القانون الدستوري والقانون الدولي
مثل الخلافة، والذي جعلني أتأخر وزاد في صعوبة مهمتي في ترجمة الخلافة أنني وجدت
أنها تحتاج إلى تعليقات كثيرة، لأن السنهوري كتبها وهو شاب طالب يدرس الدكتوراه،
وفي ظروف صعبة كانت فيها كلمة الخلافة تثير الرعب في أوروبا كلها وفي فرنسا
بالذات، لذلك كان في منتهى الحذر في كتابه، فحرص على أن يحصر موضوعه في عرض أحكام
الخلافة كما هي في الفقه الإسلامي بكل دقة، أي أنه كان شارحًا وناشرًا للقواعد
والأحكام الموجودة في الفقه الإسلامي، ولكن بأسلوب عصري مقنع، ومع ذلك قدم فكرة
جديدة في خاتمة الكتاب عندما تكلم عن المستقبل، وهذه الخاتمة هي أهم أجزاء الكتاب
في نظري لأنها هي التي قدم فيها السنهوري فكرته التي هي ابتكار أوحت به الظروف
التي عاصرها، حيث إنه في عام 1925م أنشئت في جنيف أول منظمة دولية عالمية تحمل اسم
«عصبة الأمم»، وكان متألمًا لانهيار الخلافة وتفرق المسلمين، فأسعفته عبقريته
الفتية، فاقترح أن يبدأ المسلمون فورًا بإنشاء «عصبة أمم إسلامية» كخطوة انتقالية
في المرحلة الحالية التي مزقت فيها الأمة الإسلامية إلى أقطار مختلفة، وأصبح كل
قطر هدفه أن يحصل على استقلاله القطري وينشئ دولة قطرية في الحدود الضيقة المسموح
له بها، والتي رسمتها الدولة الاستعمارية الأوروبية دون معرفة رأي شعوبها، ولو
سئلت الشعوب فإنها لا ترضى بهذه التجزئة ولا تختارها، بل تريد الوحدة وإن كانت لا
تستطيع بناءها الآن، ولا بد أن تمر مدة طويلة قبل أن تستطيع هذه الدول القطرية أن تتحول
إلى دولة كبرى موحدة أو دولة اتحادية، وفي نظره أنه قبل أن تنشأ هذه الدولة
الموحدة أو الدولة الاتحادية، يجب علينا أن نعمل لإنشاء منظمة دولية إسلامية تضم
هذه الدول المستقلة إلى شبه المستقلة، وهذه الدول عليها أن تتعاون في إطار هذه
المنظمة الدولية التي سماها عصبة الأمم المتحدة أو الشرقية، أسوة بمنظمة الدول
الأمريكية، على أن يكون بجانبها منظمة دينية تعنى بتدعيم الوحدة الثقافية والشرعية
والاجتماعية بين الشعوب الإسلامية جميعًا، سواء في تلك الشعوب المستقلة أو التي لم
تحصل على استقلالها أو الأقليات الإسلامية في الدول الأجنبية، والظاهر أنه استفاد
من وجود عصبة الأمم في جنيف لأنه لاحظ في ذلك الوقت أن الدول الأوروبية بالأخص
مشغولة بإنشائها، وإن كان قد اعتبرها في الحقيقة عصبة عالمية، وإنما كانت أوروبية،
لأن أمريكا رفضت الاشتراك فيها والاتحاد السوفيتي لم يشترك فيها، والدول الإسلامية
الإفريقية لم يكن أغلبها قد حصل على استقلاله، فهي كانت منظمة أوروبية وكان يتنبأ
لها بالفشل والانتهاء إذا لم توجد منظمات إقليمية تدعمها، وقال إن المنظمات
الإقليمية مثل منظمة الدول الأمريكية والاتحاد السوفيتي يجب أن يضاف إليهما منظمة
أوروبية تمثل أوروبا الموحدة ومنظمة لدول الشرق الأوسط أو الشرق الإسلامي، وهي
التي يمكن أن تقوم بدور الخلافة فيما بعد في حدود معينة رسمها وكتبها بمنتهى الدقة
التي تدل على عبقرية وإيمان بمستقبل الأمة الإسلامية، واستقرت عندي من خلال حواري
مع الحاج أمين الحسيني وحواري مع عبد الرحمن عزام فيما بعد، أما حواري مع السنهوري
فكان من خلال كتاب الخلافة الذي كان موضوعه الوحدة الإسلامية، ومن حسن الحظ كانت
هذه الوحدة أساس العمل الإسلامي والهدف الأول لجميع الحركات الإسلامية.
وحدة الثقافة واللغة
وكان أهم ما استفدته من كتاب الخلافة أن وحدة الثقافة واللغة هي أهم
مقومات الوحدة الشاملة، وأن أهم عنصر في الثقافة الإسلامية هو الفقه والشريعة بصفة
عامة، ومعنى ذلك أن نشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية هو بداية الطريق العملي
للمحافظة على وحدة الأمة وكيانها، ومن حسن الحظ أن القرآن الكريم تكفل طوال تاريخ
شعوبنا بأن يكون مفتاح الوحدة والثقافة واللغة، فضلًا عن أنه مستودع العقيدة
والشريعة، وأذكر أنني عندما كنت أستعد للذهاب إلى مصر في عطلة صيف 1947م أعددت
مذكرة بعنوان الحركات الوطنية في شمال إفريقيا، وهذه المذكرة شرحت فيها موقف كل
حركة من هذه الحركات وكل حزب من الأحزاب وموقف فرنسا من تلك البلاد واحدة بعد
الأخرى، وانتهيت إلى أن الدول العربية ملزمة بالدفاع عن عروبة هذه البلاد وعن
الإسلام فيها، وأعددت برنامجًا لمساعدة الأحزاب الوطنية في نشر اللغة العربية
والدين الإسلامي والدفاع عن عقيدة الشعوب وشخصيتها التاريخية والإسلامية والعربية،
وعندما ذهبت في عطلة إلى مصر في صيف 1947م قدمت هذه المذكرة إلى الأمانة العامة
للجامعة العربية ثم إلى السنهوري باعتباره وزيرًا للمعارف في ذلك الوقت، وقلت له
إن الحقيقة أنني أريد منك أن تهتم وتستعمل نفوذك في مجلس الوزراء في المجالات
السياسية للفت نظر المسؤولين في مصر والدول العربية لمسؤولياتها إزاء شعوب شمال
إفريقيا، وفيما يخصني أنا بالأخص فإنني سوف أعمل في موضوع نشر اللغة العربية
والثقافة الإسلامية، وأريد منك أن تساعدني في ذلك، وأقترح أن تشجع هذه الحركات
الوطنية لفتح مدارس لتعليم اللغة العربية والثقافة الإسلامية لأبناء الجاليات
العربية في فرنسا، وخصوصًا أطفال المسلمين الجزائريين والمغاربة والتونسيين، فأخذ
المذكرة وقرأها، ولما عدت إليه قال لي إن هذه المذكرة ليست لوزير المعارف، إنها
يجب أن توجه لوزير الخارجية، وأنا أعرف صديقي وكيل وزارة الخارجية وهو كامل بك عبد
الرحيم، وأريدك أن تذهب إليه وتقدمها له، وكلمه أمامي هاتفيًا في ذلك، فوعد
باستقبالي، فقال عليك أن تذهب إليه وتقدم له هذه المذكرة، أما فيما يخص موضوع
اللغة العربية فتأتي إليّ قبل أسبوع من السفر لنتكلم في هذا الموضوع، وفعلًا ذهبت
بالمذكرة إلى كامل بك عبد الرحيم وكيل وزارة الخارجية في ذلك الوقت وقدمتها له،
وناقشني فيما عرضته عليه، وقال لي إنني سوف أدرسها باهتمام، وكل ما أذكره أنه بعد
عودتي لباريس وصلني عن طريق السفارة خطاب بتوقيع السيد كامل عبد الرحيم وكيل وزارة
الخارجية يشكرني فيه على اهتمامي بقضايا شمال إفريقيا وعلى المذكرة التي سوف تهتم
وزارة الخارجية وتعمل ما يلزم للاستفادة بها.
مع السنهوري في وزارة المعارف
أما السنهوري فقد لقيته قبل سفري وقلت له إنني أريد أن أشجع الحركات
الوطنية في شمال إفريقيا الموجودين في فرنسا لإنشاء مدارس لأبنائهم وأبناء
الجاليات الإسلامية عمومًا في تلك البلاد، وقلت له إنك تستطيع على الأقل أن تعطيني
المناهج والكتب وأنا سأتولى الباقي، فأمر فورًا بإعطائي جميع الكتب اللازمة،
واستدعى المسؤول عن المخازن ليذهب معي لاختيار الكتب التي يمكن أن نستفيد منها،
وفعلًا ذهب معي أحد الموظفين إلى المخازن وكتبت قائمة بالكتب التي تلزم لنشر اللغة
العربية والثقافة الإسلامية لأبناء المسلمين المقيمين في بلاد أجنبية، وطلبت كميات
ضخمة من هذه الكتب، فأمر بإرسالها فورًا عن طريق المستشار الثقافي بالسفارة
المصرية في باريس لكي يسلمها لي، وفعلًا وصلت هذه الكتب بعد بضعة شهور، واستدعاني
الملحق الثقافي الذي كان يشرف علينا باعتبارنا طلبة للدكتوراه، وقال لي إن هذا شيء
عجيب، هذه أول مرة تأتي طرود بها كتب إلى السفارة المصرية وتكلف السفارة بتسليمها
لطالب من طلاب البعثة للتصرف فيها، مع أننا نحن أولى بأن نقوم بهذا الدور، قلت له
أي دور تريدون أن تقوموا به؟ أنا أريد أن أفتح مدارس، هل عندكم استعداد لفتح مدارس
عربية في باريس؟ إذا كان عندكم استعداد تقدموا وأنا أساعدكم، قال لا، هذا شيء
يحتاج إلى إذن الحكومة الفرنسية، وهذا ليس من عملنا، والحكومة الفرنسية لا أعتقد
أنها ترحب بأي فكرة من هذا القبيل، فقلت له أما نحن فسنطلب من الحركات والهيئات
الوطنية أن تنظم دروسًا وحلقات أو دورات لأطفال أعضائها لهذا الغرض، فوافق وسلمني
الكتب، وأذكر أنني استدعيت اثنين، أحدهما يمثل حزب الشعب الجزائري، والثاني يمثل
حزب الاستقلال المغربي، وتسلم الكتب، أما الحزب التونسي فلا أعتقد أنه كان لديهم
جالية تستحق هذا، فاكتفيت بتقسيمها بين المغاربة والجزائريين مع إعطاء الأهمية
للجزائريين، وقلت في نفسي إن السنهوري دعا لتأسيس الخلافة الجديدة في صورة عصبة
أمم، لكن علينا ألا نكتفي بالدعوة وأن نعمل من البداية، والبداية في نظري هي وحدة
الثقافة واللغة ومناهج التعليم، وهذا يستلزم حركة شعبية لإنشاء نماذج جديدة
للمدارس الإسلامية، وهكذا بدأت أفكر في إنشاء مدارس إسلامية لنشر اللغة العربية
وثقافة القرآن بين المسلمين في جميع أنحاء العالم، وخاصة الأقليات الإسلامية في
الدول الأجنبية.
رواد الاستقلال يعلمون أبناءهم في مدارس فرنسية
ولما ذهبت إلى المغرب بعد الاستقلال لاحظت أن كثيرًا من أصدقائي ممن
شاركوا في مقاومة الاحتلال الفرنسي يرسلون أبناءهم إلى المدارس الفرنسية، ولما
اعترضت على ذلك قالوا لي إنهم لا يجدون مدارس وطنية في المستوى المناسب، وأنهم
لذلك مضطرون إلى إدخال أولادهم في مدارس أجنبية، واقترح بعضهم أن نبدأ بالتعاون في
إنشاء مدارس عربية وطنية راقية يدخلها الأطفال الذين يرغب آباؤهم في توفير مستوى
معين للتعليم لا يتوفر في نظرهم في المدارس الحكومية.
ولما انتقلت إلى الجزائر وجدت الحال أسوأ، لأن المدارس الحكومية ذاتها
كانت خاضعة للسلطات الفرنسية ومناهجها فرنسية، وسوف يستغرق تعريبها مدة طويلة،
وزاد اقتناعي بضرورة قيام الأفراد أو الهيئات الشعبية بدور كبير في هذا الصدد،
ولكن لم أستطع أن أبدأ في هذا المشروع في المغرب ولا في الجزائر لانشغال الجميع
بالقضايا السياسية، لكن الله عز وجل وفقني إلى البدء في إنشاء مدارس إسلامية عربية
أهلية راقية باسم المنارات في المملكة العربية السعودية بعد أن انتقلت إليها، ولم
يتم ذلك إلا في عام 1970م بالتعاون مع الأمير محمد الفيصل، وبدأنا خطة لنشر هذا
النوع من المدارس الأهلية الإسلامية في جميع المنارات، وأنشأنا لذلك مؤسسة عالمية
في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي في عام 1976م، وسميناها «الاتحاد العالمي للمدارس
العربية الإسلامية الدولية»، وهدفه هو تدعيم المدارس الأهلية في جميع أنحاء العالم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل