العنوان صفحات من دفتر الذكريات(95) إمبريالية الأوتاد والأغلال
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أبريل-1996
مشاهدات 68
نشر في العدد 1198
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 30-أبريل-1996
• نحن على أبواب مرحلة جديدة، هي مرحلة الاتجاه السافر للسيطرة على العالم العربي والإسلامي، وآمل أن يدرك الجميع ضخامة أخطارها.
آباؤنا وأجدادنا العرب كانوا يتباهون بشعور العزة، الذي يدفعهم لمقاومة أي لون من ألوان الإذلال أو الإهانة أو الضيم لدرجة أن الخطيب عندما كان يريد إشعال حماسهم يخاطبهم قائلا: «أباة الضيم»، ويتبرءون ممن لا يقاومون الضيم، وحتى قال شاعرهم هذا البيت المشهور:
لا يستقيم على ضيم يراد به إلا الأذلان: عير الحي والوتد
ونحمد الله – تعالى - أن شعوبنا ما زالت تكره الضيم، وتأبي الاستسلام للمذلة والهوان رغم تكاثر الأعداء وتحالفهم، وازدياد قوتهم وبغيهم يوما بعد يوم.
ومع ذلك فإن في بلادنا طوائف شذت عن هذه القاعدة، واستسلمت للأعداء، وقبلت الضيم؛ لذلك فإن سياسة الأعداء اتجهت إلى استخدام هذه الطوائف الذليلة المستسلمة، التي مكنتها من فرض نظم أو حكام يسيرون في طريق منع شعوبهم من المقاومة لبغي المعتدين، ونرى أفرادها يبتعدون عن مشاعر الجماهير، وعندما استولوا على السلطة جعلوها موالية أو حليفة لمن يكرهون شعوبنا أو يتآمرون عليها، وتتسع صدورهم لموالاة أصناف عديدة من القوى الأجنبية وأعوانها، إنهم يقبلون الولاء لأعدائنا مهما فرضوا عليهم من مظاهر الإذلال والهوان والضيم، الذي يترفع عنه الأصلاء أباة الضيم، الذين يقاومون البغي مهما كلفهم ذلك من تضحيات وأعباء، ويطلبون الشهادة في سبيل المقاومة العتيدة.
لقد شهدت شعوبنا خلال عصورها أصنافًا عديدة من الطغيان والاستبداد والفساد، وكانت تعتبرها كلها عيوبًا في بعض طوائف المجتمع أو فصائله أو عناصره التي بقيت لديها رواسب الجاهلية الفرعونية، أو الكسروية، أو الرومية، أو العنصرية السابقة على الإسلام، وما زال الطريق طويلا لاقتلاع هذه الرواسب، وتطهير مجتمعنا منها، كما شهدت كثير من أقطارنا عدوان الاستعمار القديم، في صورة الاحتلال، أما الآن فإننا نواجه نوعا جديدا من الاستعمار هو «إمبريالية الأوتاد والأغلال».
إن ما نواجهه الآن هو نوع جديد من الطغيان لم تره شعوبنا طوال عصور تاريخها؛ لأنه طغيان لحساب القوى الأجنبية، التي تستخدم بعض العناصر أو الطوائف لتحقيق أغراضها، وتستفيد مما يوجد في مجتمعنا من ثغرات وعيوب موروثة أو مستحدثة.
إمبريالية الاستعمار الجديد:
إننا نعيش بحق في عصر «إمبريالية الاستعمار الجديد»، الذي ينفذ سياسته العدوانية على أوطاننا وشعوبنا بأعوان وعملاء استسلموا له.
وفلسفوا هذا الاستسلام حتى أصبح سلوكهم خيانة في نظر «أباة الضيم»، الذين يعتبرون الطوائف المتحالفة مع القوى الأجنبية بمثابة الأوتاد والدواب، التي تستخدمها؛ لتحقيق أهدافها ومطامعها، لذلك كان لا بد أن نستعين بأقوال شعرائنا لتنبيه القراء إلى ما نواجهه الآن، مما لم يواجهه من قبل أي جيل من أجيالنا، فعلينا أن نستنبط وسائل جديدة لمواجهته، ولا يكفي استخدام أساليب المقاومة التقليدية، بل لا بد من أساليب مبتكرة علينا أن نبحث عنها.
إننا نسمع صباح كل يوم بعض السلطات تسجل على نفسها أعدادا من قتلتهم من أبناء وطنها كان هذه هي مهمتها التي وجدت من أجلها.
في الوقت نفسه نجد الطوائف التي تقبل "الضيم"، وتستريح له تنعم بما يوفره لها العدو الأجنبي من "معونات ومساعدات" مالية وعينية وثناء متواصل من وسائل الإعلام الأجنبية، مقابل استسلامهم "للإذلال والضيم".
إن شاعرنا العربي وصف الذين يقبلون المهانة تلو المهانة، ويرضون بما يفرض عليهم من "ضيم وإذلال" بأنهم نوعان: إما أوتاد أو دواب تقيد في الأوتاد، وهذا ينطبق على أعوان القوى الأجنبية في بلادنا:
-الصنف الأول هم المستكبرون، الذين يعملون لحسابهم، يعاملونهم بالضرب على رؤوسهم، وكلما زادوهم ضربا زادوا لهم طاعة وخضوعا، بل يسعدهم ويتباهون بأنهم بفضل هذا الإذلال والضرب على رؤوسهم، يزدادون ثباتا في مواقعهم ومناصبهم، وخاصة تلك التي اغتصبوها بدون وجه حق، وهم في ذلك يشبهون«الأوتاد»، التي يغرسها البدوي بالضرب على رأسها بالمطرقة، التي نسميها في بلادنا المدقة، وكلما زاد على رأسها بالضرب زادت نزولًا في الأرض وثباتًا وتشبثًا بها.
مغتصبي السلطة:
إن بعض كبار مغتصبي السلطة في بلادنا نراهم من حين لآخر يقبلون كل شيء يفرضه عليهم أعداؤنا؛ ليدعموا نظامهم حتى يبقوا في السلطة في أطول فترة ممكنة، بل إنهم كلما زاد العدو في إذلالهم، والضرب على رؤوسهم مرة بعد مرة، زادوا هم تشبثًا بالسلطة ومقاعدها ومظاهرها، وزادوا ذلة وانغماسا في أرض الهوان وطين الطاعة والاستسلام، وهذا هو ما يريده العدو، ويستفيد منه؛ لأنه يتخذهم أوتادًا لتثبيت مظلة نفوذه وسلطانه حتى ولو كانت هذه المظلة، هي القنبلة النووية الإسرائيلية التي تهدد مصير شعوبنا وأمتنا وحياتنا ومستقبلنا وقع ذلك يستسلم بعض الحكام لما يريده العدو، الذي يستخدمهم أوتادًا لتثبيت مظلة الهيمنة الأجنبية والسيطرة الإسرائيلية، وما يتبعها من القهر والإذلال على العالم العربي كله. وهم يقبلون ذلك ويستسلمون له؛ لأنهم ليسوا من «أباة الضيم».
أما النوع الثاني من الأذلاء: فقد وصفهم الشاعر بأنهم «العير»، فقد استطاع الأعداء بفضل مالهم ونفوذهم وإعلامهم أن يحيطوا هذه الأوتاد بجوقة من المثقفين يفلسفون لهم الاستسلام والذلة، ويزينون ذلك لهم بزعم أن العالم أصبح قرية واحدة يتحكم فيها نظام عالمي يستخدمه أعداؤنا في فرض سيطرتهم علينا وعلى غيرنا، وأنه لذلك لم يعد هناك مجال للمقاومة أو التحدي، وينصحونهم بالانبطاح تحت أقدام هذا العدو مهما تمادى في بغيه وعدوانه.
هذه الجوقة من الفلاسفة والمنظرين هي من النوع الثاني من الأذلاء، الذين أشار إليهم شاعرنا القديم، ووصفهم بأنهم عير الحي، أي دواب الركوب والنقل، يضاف لهم طوائف أخرى يستخدمها أعوان القوى الأجنبية؛ لتحمل أوزارهم وجواسيسهم ومـبـعـوثيهم، الذين يفدون إلى مجتمعاتنا في أزياء السياح أو أصحاب الثروة والمال، زاعمين أنهم مستثمرون وهم ليسوا إلا مستغلين طامعين في ثرواتنا، ويساعدهم في ذلك عملاء النفوذ السياسي والإعلامي، أو مديرو مراكز الاستخبارات والجاسوسية، أو غيرهم ممن يعملون تحت ستار مؤسسات البحث العلمي، التي تسهل مهمة الجاسوسية والتآمر الأجنبي، وتدبير الأعمال الإرهابية، وتوجيه منفذيها، وما إلى ذلك.
عملاء الدرجة الثانية:
هذه الطوائف من عملاء الدرجة الثانية هي التي توضع في عنقها الأغلال، التي تربطها بقيادات الأوتاد الثابتة في الطين، وهؤلاء هم العير أو الدواب التي تسلط عليها العصا، التي تسيرها ذليلة عندما تبتعد عن أوتادها؛ لذلك يصفها الشاعر بأنها «عير الحي»، وفي لغتنا يقولون: إن«العير» في الأصل هي «قوافل الحمير»، ثم اتسع معناها؛ لتطلق على قوافل جميع الدواب، والآن نراها تشمل طوائف من البشر الذين يحملون الأثقال والأوزار لصالح الطاغية المستبد والأجنبي المسيطر، مقابل ما يقدم لهم من أسباب المعيشة والطعام، بل والشراب المحرم، الذي لا يُقدم إلا بأمر من السيد، الذي يضربهم بالعصا، أو يقيدهم في الأوتاد، وهم يقبلون هذا الضيم بحكم طبيعتهم المستسلمة الذليلة، التي تفرض عليهم العجز عن أن يكون لهم إرادة تمكنهم من الاعتماد على أنفسهم في معاشهم وحياتهم، حتى عبر عن ذلك شاعرنا البدوي بقوله:
كالعير في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول
هؤلاء العملاء الأذلاء تستغلهم القوى الأجنبية وتركبهم، وهم في نظرها «عير»، يعملون لحسابها، إنهم صنف آخر من الأذلاء الذين يقبلون الضيم والإذلال، ويعاملهم السادة الأجانب والمسيطرون كما يعامل البدوي دابته، فهو يطعمها ويسمنها، لكنه في الوقت ذاته يقيدها في الأوتاد بأغلال الذلة والمهانة، بل يضربها من حين لآخر، ولا يترك العصا من يده.
إن الشاعر العربي وصفهم بأنهم من الدواب أو الحمير، التي تضرب لتطيع في أوتاد الذلة والمهانة، أو تطعم وتسمن، وكلما زاد العدو ضربا زادوا ذلة وطاعة، وسارعوا إلى تنفيذ خططه، وحمل أفراده ومؤامراته ودسائسه وفتنه ومصالحه المالية والسياسية، بل يزودونه بالمعلومات والدراسات التي تمكنه من معرفة كل ما يدور في مجتمعنا من تيارات.
إن الأغلال لا تفارق أعناق هؤلاء مهما قدموا من فروض الطاعة والولاء، وهي أغلال من المنافع والمصالح والأهواء والمطامع، التي يوفرها لهم السادة الأجانب، أو يلوحون لهم بها ليستدرجوهم بعيدا عن شعوبهم، التي تأبى الضيم، وتريد العزة والسيادة والحرية، بل يصل بعضهم إلى المجابهة مع القوى الحية، التي تدافع عن حرية الشعوب واستقلالها وحقوقها وقيمها وأصالتها ومستقبلها.
إنني أعتقد الآن أن شعوبنا توجد فيها هذه الطوائف العميلة التي استطاعت القوى الأجنبية أن تستغلها وتمكنها من السيطرة على بعض حكوماتنا ومؤسساتنا، وخاصة ما يتعلق منها بالإعلام والثقافة بل والتعليم.
مرحلة جديدة:
ونحن على أبواب مرحلة جديدة أمل أن يدرك الجميع ضخامة الأخطار التي تواجهنا، وهي مرحلة الاتجاه السافر المعلن للسيطرة على العالم العربي والإسلامي، الذي ينادي به بعض ساسة أوروبا وأمريكا الموالين للصهيونية، فلا يكتفون بفرض القوة النووية الإسرائيلية علينا، بل وصل الأمر بمن يمثل حلف الأطلنطي للدعوة لنصب صواريخ على الشاطئ الشمالي للبحر المتوسط توجه إلى مدن وأقطار الشاطئ الجنوبي لهذا البحر، أي إلى العالم العربي والإسلامي كله إذا حكمه الإسلاميون، أو من يرفضون الخضوع لهم أيًّا كان اتجاههم.
من المؤلم أن الطامعين في السيطرة علينا يدعون حكام دول معينة من أبنائها للتحالف معهم في هذا الاستعداد العسكري بحجة مقاومة الأصالة، والأصوليين، وهم بذلك يقصدون التيار الإسلامي؛ لأنه في نظرهم أول المدافعين عن حرية شعوبهم وأصالتها واستقلالها وهويتها، وهم يستهدفون قطعا كل من يقاومون الضيم وهم أغلبية شعوبنا، حتى ولو كانوا من دعاة الثورية الاشتراكية أو الحداثة العصرية.
إن كل ما قدمته، يوجب عليّ أن أبين لمن يسارعون للاستسلام ومقاومة الأصالة أنهم خدعوا وغرر بهم واستدرجوا لتنفيذ هدف استعماري هو اقتلاع المقاومة الوطنية الأصيلة بجميع فصائلها واتجاهاتها، سواء كانت إسلامية أو غير ذلك، وما يجري في فلسطين الآن يؤكد أن الأصالة الإسلامية هي المعين الذين لا ينضب لكل من يريدون الدفاع عن مصيرهم ووطنهم وكرامتهم مهما تكن اتجاهاتهم أو شعاراتهم.