العنوان صفحات من دفتر الذكريات (7) فارس القضية العربية
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1994
مشاهدات 86
نشر في العدد 1109
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 26-يوليو-1994
· العرب يملكون من مقومات الوحدة وأسسها أكثر مما كان بين الإيطاليين
والألمان قبل الوحدتين الإيطالية والألمانية
منذ نحو ستين سنة أنشأ في القدس الكاتب الإسلامي
«عجاج نويهض» -مترجم كتاب حاضر العالم الإسلامي- «مجلة العرب»، وقد أرادها لسانًا
للحركة الاستقلالية في فلسطين وللحركة العربية في الوطن العربي وللدعوة في البلاد
الإسلامية كافة، وقد أخذ كتاب كبار من بلاد الرافدين ومن الديار الشامية يرفدونها
بمقالاتهم.
وكان في مصر كاتب عربي يتوقد ذكاء ويتأجج إيمانًا بعربيته، جعلني أدعوه
فارس القضية العربية اسمه «عبد الرحمن عزام» فحرصت مجلة العرب على أن تكون له فيها
جولة، فبادر إلى رفدها بمقال عنوانه: «العرب أمة المستقبل» تجاوز حد الروعة، وأرسل
الأمير شكيب أرسلان إلى مجلة العرب المقدسية مقالًا يحيي فيه عزامًا ويبالغ [في]
الثناء على مقاله، ويقترح طبع مائة ألف نسخة منه وتوزيعها على الأقطار العربية.
وتقضت أربعون [سنة]، وألمت بعبد الرحمن عزام وعكة ألزمته سكنى بيروت وألا
يبرح بيته رعاية لصحته، وكنت سفيرًا للأردن في بيروت فحرصت وصديقي المرحوم الرئيس
تقي الدين الصلح على أن نعوده كل أسبوع، وكان لقاء عزام ومحادثته من المتع التي
نحرص عليها، وظل في أثناء ذلك على ما نعهده وقدة ذهن] ونضج رأي، إلى أن صعقه نعي
صديقه الحميم وأبر الناس به، وأحبهم إليه، الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، فضاقت
الدنيا به.
وحدث في أثناء ذلك أن عثرت في مجموعة قبساتي على مقال عزام (العرب أمة
المستقبل) وعلى رسالة الأمير شكيب في الثناء عليه واقتراحه طبع مائة ألف نسخة منه،
وتوزيعها على الناشئة العربية، فبادرت إلى زيارة عزام مصطحبًا المقال العزامي الذي
كتبه قبل أربعين سنة، والرسالة الأرسلانية في الثناء عليه، وقرأ عزام مقاله، ولما
اطلع على البيان الأرسلاني تأرجح الدمع في عينيه وأجزل الترحم عليه والحديث عن
فضله، وأراني اليوم أجنح إلى إتحاف قراء «الشرق الأوسط» بمقال عزام، ففيه الغناء
كل الغناء عن مقال أكتبه اليوم بقلمي.
العرب أمة المستقبل رائعة عزامية
عنوان المقال: «العرب أمة المستقبل» قالها عزام قبل ستين عامًا وهذا هو:
يتلقى الساسة في المغرب، وبعض أشباه الساسة في المشرق، الدعوة إلى الوحدة
العربية بقليل أو كثير من السخرية والاستهتار على قدر جهلهم بالحقيقة وانخداعهم
بالمظاهر، وقد كان أمثال هؤلاء الساسة في القرن الماضي يسخرون من الوحدة الطليانية
والوحدة الجرمانية بمثل ما يسخرون منها اليوم.
ففي إيطاليا كان وجه الشبه مفقودًا بين «الصقلي» أسمر الأديم، أسود
العينين، نحيف الجسم، حاد المزاج، وبين «[البيوفتيي]» ناصع البياض، أزرق العينين،
ضخم الهيكل شمالي المزاج.
كان وجه الشبه بين أقصى الجنوب وأقصى الشمال مفقودًا، وكان تباين اللهجة
على نسبة البعد، وكان الزعماء القواد والكهنة والأمراء قد جعلوا من إيطاليا جسمًا
محطمًا متناكرًا يستعصي على السابك والناصع، فلا يجمعه صهر ولا يؤلفه لين، كانت
إيطاليا على هذه الحال قبل تمام وحدتها بعشرة أو عشرين سنة، فكان ساسة أوروبا
يسخرون من «مازيني» وأضرابه، ممن دعوا إلى الوحدة الطليانية عن إيمان وإلهام ونفاذ
بصيرة.
كذلك كان الشأن في ألمانيا، تلك البلاد التي كانت مسرحًا لحرب دينية أهلية،
دامت أجيالًا وخلقت في جنوبها قلعة الكثلكة وفي شمالها عاصمة المنشقين على الكنيسة
الخوارج على السلطة الممثلة في مقام البابوية، كانت ألمانيا بين الكثلكة
والبروتستانتية وما بين هاتين من شيع فريسة الفرقة الدينية ثم الفرقة السياسية،
فكان في كل ناحية تاج وعرش، وفي كل تاج معضلة، وكان في كل إقليم مشكلة، والأمة
الألمانية بين التيجان والبيوت تحيا حياة الفتنة فلا ينتظم لها عقد.
كانت ألمانيا على هذا التخاذل، وكان الداعون للوحدة الألمانية في نظر
الساسة الأوروبيين قومًا حالمين خياليين، فلما تهيأت بروسيا لزعامة التيجان
المتحدة، جاءت حرب 1870م وظهر أن الحالمين [الخياليين] أبعد نظرًا وأهدى سبيلًا.
منذئذ لم [تستطع] أكبر قوة العالم أن ترد ألمانيا للفرقة، وقد ذاقت الجاه
والغنى والأمن فتألب عليه العالم، تألبت 28 دولة في الحرب العامة، فلم [تستطع] أن
تحيي ما قضت عليه الوحدة من السخائم المحلية أو السخافات الطائفية، لم [تستطع]
بريطانيا ووراءها خمس الدنيا ولا الولايات المتحدة ووراءها قارة، ولا فرنسا، ولها
من القوة والملك ما لها، ولا روسيا التي عبأت في زحف واحد 12 مليون من الجنود، ولا
العنصر الأصفر ممثل ربع البشر، لم [يستطع] هؤلاء جميعًا أن يمزقوا ألمانيا بعد
أربعين سنة من اتحاد شعوبها، وقد كان هذا الاتحاد قبل وقوعه حلمًا وخيالًا عند
الساسة الأوروبيين.
هذان مثلان في التاريخ الحديث يجب أن يعيهما العرب، ويجب على دعاة الوحدة
العربية أن يضعوهما نصب أعينهم وأن يتخذوا منهما القدوة والعبرة، وليس العرب في
العالم أقل شأنًا من الجرمان ولا بالطبيعة من الطليان ولا من جهة العدد ولا
الميزات الأخرى.
فقد اختص العرب نصف دائرة البحر المتوسط ويطلون على المحيط الهندي من ناحية
والأطلسي من الناحية الأخرى، والعنصر العربي في أقاليم معظمها معتدل وأرض غنية
بالنبات والحيوان والمعادن، وفيها ثلاثة أنهار من أعظم أنهار الدنيا ومنابع للغاز
من أغناها ومناجم للمعادن على اختلاف أنواعها، وهو عنصر أهل لاستثمار ثروات أرضه،
وكفؤ لإخراج حضارة مادية بجانب الحضارة المعنوية التي امتاز بها من قبل، والعنصر
العربي فوق ثراء أرضه وكثرة عدده، له على العموم عدة العزيمة والنشاط والجلد
والمغامرة، ووحداته المكونة له، سواء في آسيا أم في إفريقيا لا تزال فتية لم تمسها
الشيخوخة، فجميع شعوبه في عنفوان الصبا، غير منهوكة بترف ولا مصابة في أبدانها أو
عقولها بشيء من أمراض الأمم القديمة، فإن العنصر العربي مع أنه من العناصر القديمة
التي مدت العالم بحضارات عظيمة، قد انتفع بانتشاره وتجوله، فهيأ له ذلك الامتزاج
بشعوب سوداء، وأخرى تغلب عليها ودمجها في ذاته ثم هضمها، واستوى على أصله فأمدته
بفتوة وحيوية لا يتمتع بها شعب من الشعوب القديمة، ولا شك أن الوحدة العربية تحت
الظروف الحديثة ستبرز العنصر العربي متهيئًا بقوى جديدة ومميزات مضافة إلى تلك
التي كانت له في ظهوره الأول على الرومان والفرس وأمم المشرق والمغرب منذ ثلاثة
عشر قرنًا، وسيجد دعاة الوحدة كلما ساروا بدعوتهم إلى الأمام، وكلما تغلبوا على
الأقطار العربية المرتابة أو المترددة، أن أمرهم ظاهر وأنهم على بينة منه، وسيجدون
أنهم يستندون في دعوتهم على حقائق ثابتة وأنهم يحسبون حسابهم على قواعد رياضية لن
تخطئ، سيجدون أولًا سيادة اللغة العربية كاملة في العرب والأمم المستعربة، كسيادة
اللغة الألمانية أو الإيطالية أو الإنجليزية، وسيجدون اللهجات مهما اختلفت إلا في
استعمال المترادفات الغريبة، وأن الجميع تربطهم لغة القرآن بلغة الكتابة والأدب،
ثم سيجدون عرفًا شاملًا متحدًا ومزاجًا منسجمًا واحدًا يرجع إلى دين العرب، أو آدب
العرب، أو عادات العرب، فانتشار العنصر العربي من هذه الناحية لم يباعد بين
أجزائه، ولم تتلون هذه الأجزاء بصبغات الأمم التي حلت محلها، بل صبغت الجميع
بصبغتها، وبقي الطابع العربي على اللسان والسيماء والمزاج وإنك لتسير في البلاد
العربية من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي فلا تستطيع أن تقول: هنا يبتدئ قوم
ومن هنا يختلف الناس، نعم لو أنك قابلت بين أطراف العنصر العربي على حدود فارس،
وحدود فاس لوجدت رجلين على تباين، ولكن ما بين هذين الرجلين من التباين يتلاشى
شرقًا وغربًا، وإنما العبرة بالمزاج الوسط الذي هو الأمة العربية، وهذا الفارق بين
الأطراف موجود في إيطاليا، وهو كذلك في روسيا من الشرق إلى الغرب، من الشمال إلى
الجنوب، من البريتون إلى أهل البرينية، وظاهر كذلك في انتشار العنصر البريطاني.
فالوحدة العربية حقيقة واقعة وحقيقة تاريخية ودعاتها أبعد الناس عن الخيال
وأمسهم بالعلم.
وتمزيق الأمة العربية إلى شعوب ليس دليلًا على انحلالها ولا على فقدان
هويتها، وإنما هو أثر من آثار الجهل ومظهر من مظاهر الغلبة الإفرنجية في الشرق،
ولكن لا يحول بين ظهور الأمة العربية بالمكانة التي يستحقها ظهور عنصر ممتاز
بالذكاء والشجاعة والنشاط والجلد والصبر، وممتاز فوق ذلك بالذوق السليم والنصفة.
ذلك فضلًا عن ثراء أرضه واعتدال إقليمه، فلا يحول بين هذه الأمة وبين
رسالتها في العالم إلا الجهل وقوة المستعمرين، فعلى أبناء العربية أن يقاوموا
الجهل ويستبسلوا في مقاومة المستعمرين، وهم إن فعلوا لا يخدمون أمتهم فحسب، بل
ينقذون العالم بإنقاذ العرب ذلك العالم الذي شاخت حضارته وتكاد تفلس مدينته، ذلك
العالم الذي بسطت المادية عليه جناحها منذ أن غربت الحضارة العربية. ثم ها هي ذي
حرب الطبقات تقرب قيامته وليس في العالم عنصر يدين بالمساواة كالعنصر العربي، فإذا
ساد سادت معه المساواة التامة وهبطت الحياة المادية لتصعد الحياة النفسية، وإذا
وهب العرب المساواة والحياة للعالم فقد أنقذوه مما هو فيه وخلقوه خلقًا جديدًا.
فحاجة العرب إلى الوحدة لا شك فيها، وحاجة العالم إلى العرب لا ريب فيها،
وإذا وجدت الحاجة فترقب ظاهرة ترقب أمة المستقبل أمة العرب.
هذا ما كتبه الأستاذ أكرم زعيتر في جريدة «الشرق الأوسط» بتاريخ
1990/5/26م.
أحلام الأمس حقائق اليوم
تعقيب الدكتور توفيق الشاوي على ما كتبه الأستاذ أكرم زعيتر حول «العرب أمة
المستقبل» موجه للأستاذ أكرم زعيتر، و«جريدة الشرق الأوسط»:
لقد سعدت بالاطلاع على ما نشرته جريدة «الشرق الأوسط» العدد 4197 بتاريخ
1990/5/26م بعنوان: «العرب أمة المستقبل» تعليقًا على مقال كتبه المرحوم الأستاذ
عبد الرحمن عزام - الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية - نشرته مجلة «العرب»
التي أصدرها في القدس في فلسطين منذ ستين عامًا الأستاذ عجاج نويهض.
وإني أشكرك على عنايتك بنشر النص الكامل لهذا المقال، لأني كنت أبحث عنه
منذ مدة طويلة، وقد أشرت إليه في كتاب أعده عن العلاقة بين جامعة الدول العربية
ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وأشرت إلى حوار دار بيني وبين عزام باشا حول هذا المقال،
وذلك في لقاء معه عند أول زيارة له لباريس في عام 1946م.
تكملة لتعليقك على هذا المقال أذكر لك أن أحد المستشرقين قد ترجم هذا
المقال إلى الفرنسية ونشر في مجلة في أهم المجلات العلمية في فرنسا، وهي مجلة
«السياسة الخارجية» في عددها الصادر في فبراير (شباط) 1946م عقب إنشاء جامعة الدول
العربية ليبين لهم أهداف هذه الجامعة وأخطارها على نفوذ فرنسا في أقطار شمال
إفريقيا.
لذلك فإن كثيرا من إخواننا العرب المقيمين في باريس في ذلك الوقت من أبناء
المغرب العربي، قد أعجبوا كثيرًا بهذا المقال وطلبوا مني أن أبحث لهم عن النص
العربي الأصلي كما كتبه المرحوم عزام، وتصادف أن جاء المرحوم عبدالرحمن عزام إلى
فرنسا في أول زيارة له لباريس عام 1946م، بعد إنشاء الجامعة العربية، وكانت
الصحافة الفرنسية والرأي العام الفرنسي والحكومة الفرنسية في ذلك الوقت معبأة ضد
الجامعة العربية بصفة خاصة، ضد العرب جميعًا بصفة عامة، وذلك بسبب حصول سوريا
ولبنان على استقلالهما بعد شكوى قدمتها الدول العربية إلى الأمم المتحدة، وحظيت
بتأييد عالمي لم تستطع فرنسا في ذلك الوقت أن تواجهه، واضطرت إلى الاعتراف
باستقلال هذين القطرين العربيين، وكان ذلك أول إنجاز حققته الجامعة العربية بعد
إنشائها.
ولقد كان نشر النص الفرنسي لهذا المقال في ذلك الوقت جزءًا من الحملة
الإعلامية الموجهة ضد العرب، وضد الجامعة العربية في فرنسا.
وكان من أهم آثارها أن عبدالرحمن عزام لم يلق من الحكومة الفرنسية والإعلام
الفرنسي الترحيب الذي كان يستحقه في ذلك الوقت، ولقد كنت أول من التقى بالمرحوم
عبد الرحمن عند وصوله إلى باريس بناء على طلب صديقنا المرحوم أسعد داغر، الذي كانت
لي به علاقة شخصية، وكان مدير دائرة الإعلام في الأمانة العامة لجامعة الدول
العربية في ذلك الوقت، وقد عرضت على المرحوم الأستاذ عبدالرحمن عزام النص الفرنسي
المنشور بمجلة السياسة الخارجية الفرنسية، فأطلق ضحكة من أعماق قلبه وقال: «هذا ما
كتبته في العشرينات، وما زال هو رأيي حتى الآن وإنني مصر عليه». رغم أن بعض
الفرنسيين الذين التقوا به قد سألوه عما إذا كان حقًا مازال يعتبر شعوب شمال إفريقيا
جميعًا جزءًا من الأمة العربية التي يعمل لتوحيدها، وأنه أجابهم بأن رأيه لم يتغير
في هذا الموضوع.
وفهم بعد ذلك أن إصراره على رأيه كان حائلًا دون فتح أي حوار بينه وبين المسؤولين في فرنسا، لأن أحدًا في فرنسا كلها لم يكن يتصور أن تخرج من تونس والمغرب والجزائر كما خرجت من سوريا ولبنان، ولا أن تنضم هذه الشعوب إلى الجامعة العربية كدول مستقلة، وإننا نحمد الله على أن عبدالرحمن عزام قد شهد تحقيق توقعه باستقلال أقطار المغرب العربي جميعًا في فرنسا وإيطاليا، وانضمام ليبيا والمغرب وتونس والجزائر إلى الجامعة العربية وهو على قيد الحياة، وندعو الله لك ولنا أن نشاهد توقعه الثاني وهو تحقيق وحدة الأمة العربية، أمة المستقبل كما وصفها عبدالرحمن عزام، لأن حاجة العرب لهذه الوحدة لا شك فيها، و حاجة العالم إلى العرب لا ريب فيها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل