; صفحات من دفتر الذكريات (79)- أخي الأستاذ عمر.. «التلمساني» وأصدقائي الثلاثة. | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (79)- أخي الأستاذ عمر.. «التلمساني» وأصدقائي الثلاثة.

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-1995

مشاهدات 99

نشر في العدد 1181

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 26-ديسمبر-1995

* تلمسان.. تذكرني بالشيخ عمر التلمساني، زعيم «الإخوان المسلمون»، و «مصالي حاج»، زعيم حزب الشعب الجزائري، وقد رايتها تستقبل زعيمًا تلمسانيًا آخر هو أحمد بن بيلا.

عندما دخلت مدينة تلمسان في صيف عام ١٩٦٢م لأول مرة مع بن بيلا ومحمد خيضر، وسعدت برؤية أرض الجزائر المستقلة وأهلها لأشاركهم فرحتهم بالاستقلال في بلادهم، تذكرت صديقي ورفيقي الأستاذ عمر التلمساني -المحامي في مصر- وبقيت صورته في خاطري طول مدة إقامتي في تلمسان التي تنتمي لها أسرته، وينتسب لها باسمه دون أن يراها لأنه ولد في مصر، ولكن إسلامه الأصيل دفعه للانضمام ل «الإخوان المسلمون»، مما أدى إلى اعتقاله معهم منذ عام ١٩٥٤ م.

 لقد كنت معتقلا معه في السجن الحربي عام ١٩٥٤ م، ثم نقلت إلى سجن مصر، ثم خرجت منه عام ١٩٥٦ م، أما هو فقد حكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة ليقضي بقية عمره في السجون في سبيل عقيدته ومبدئه، وقد نقل من سجن إلى سجن حتى وصل إلى سجن الواحات في الصحراء الغربية، وكان ما يزال هناك عندما كنت في تلمسان موطنه الحبيب الذي لم يره في حياته.

 كنت أجلس كثيرا في مسجد سيدي أبو بومدين في تلمسان التي وصلت إليها عقب دخول بن بيلا إليها بعد خروجه من سجون فرنسا التي قضى فيها ست سنوات، جئت معه هو وأصحابه إلى تلمسان دون أن أعرف كثيرا عن خطتهم أو علاقاتهم مع جهات كثيرة، لقد حضرت المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه إنشاء المكتب السياسي ليكون في نظره وفي نظر الحاضرين هو الذي سيسلم له السلطة ليكون رئيس لأول حكومة جزائرية مستقلة، ولما سألت عن ذلك قالوا لي: إن الحكومة المؤقتة تمزقها الخلافات والصراعات والمنافسات بين القادة في الداخل والخارج، ولا يجوز أن ندخل في هذه الصراعات.

 إن الاستقلال جاء نتيجة لجهد الشعب الجزائري وتضحيات المجاهدين والشهداء في مقاومتهم للاستعمار الفرنسي، ولكني بدأت أرى دلائل جعلتني كنت أخشى أن يكون وصول بن بيلا إلى الزعامة التي كرسها له أصدقاؤه في تلمسان لم يكن الفضل فيه للجهاد الجزائري وحده، وإنما جاء نتيجة لتخطيط بعض الحكومات، و-على الأقل- أجهزة المخابرات في ثلاث دول هي: مصر، وفرنسا، والمغرب وأن كلا من هذه الجهات الثلاث كان يسعى لأهداف خاصة به، وكلهم يراهن على أن هذا الزعيم التلمساني «الجديد» سوف يسهل لهم الوصول إليها أكثر من سواه، ولذلك يساعدونه لاستلام السلطة.

  • خواطر و مقارنات

كنت أعرف أن ابن بيلا وُلِدَ في بلد قريب من الحدود المغربية تسمى «مغنية» طالما ذكر لي أن أُمه كانت ما تزال مقيمة بها، وهي ليست بعيدة عن تلمسان، فهو تلمساني الموطن مثل زعيمه «مصالي حاج» الذي أسس الحركة الوطنية الجزائرية وزعيم حزب الشعب الذي يعتز به بن بيلا بأنه نشأ فيه، وبدأ كفاحه في صفوفه، وكان موطنه أيضًا قريبًا من تلمسان، وبدأت أقارن بين حظوظ هؤلاء التلمسانيين الثلاثة ومواقفهم، وكان أقربهم إليّ هو صديقي المحامي التلمساني الموجود في سجن الواحات في مصر في ذلك الوقت.

كنت أرى أن هناك فرقا كبيرا بين التلمساني المصري المسجون في سجن الواحات، وصديقي التلمساني الذي جئت معه وهو في طريقه إلى تولي السلطة في العاصمة، في حين أن زعيمه التلمساني الأصيل «مصالي حاج» ما زال معتقلا في فرنسا، وسألت نفسي هل من حق من جاهد في سبيل مبدأ وقضية أن يقبل مساومات مع جهات يظن أنها تستطيع أن تريحه بعض الوقت من مآسي السجن والاعتقال وأن ترفعه إلى مقاعد السلطة بديلا عن السجن أو الاغتيال، ومتى يعتبر مضطرا لذلك أو معذورا؟ إنني لاحظت أن من يسلكون هذا الطريق غالبا يمكنهم أن يريحوا ضميرهم بالقول بأنه بهذا الأسلوب يمكنه أن يحقق هدفا وطنيا أو مثاليا، لأنه يعتبر نفسه أقدر من على أن يحقق لبلاده مصلحة أعده القدر على على يديه إذا وصل إلى السلطة. ولو كان ذلك بالتواطؤ أو التعاون مع جهات لها مصالحها التي قد تختلف إلى حد كبير عن مطالب شعبه وجماعته أو أمته.

شغلت عن هذه المفارقات والموازنات، وتلك الخواطر منذ أن وصلت إلى العاصمة الجزائرية، ورأيت المسلسل الذي شاهدته أثناء إقامتي في الجزائر بعد استيلاء صديقي أحمد بن بيلا على السلطة، وتحملهم مسؤولية بناء الدولة الجزائرية الناشئة، ولا شك أنه لم تعجبني بعض التنازلات التي التزموا بها للجهات على ساعدتهم على الوصول إلى السلطة رغم معارضتي ونصائحي، وقد أشرت إليها في حديث سابق، وكان من نتائجها بلا شك إقناعي بمغادرة الجزائر، وتركتهم غير آسف ليتمكنوا من مواصلة تعاونهم مع تلك الجهات التي ساعدتهم في الوصول إلى السلطة، وغادرها فيما بعد مختار، لأنني لا أريد أن أكون عقبة في طريقهم. ولم يكن هناك في نظري بديل إسلامي أصلح منهم في ذلك الوقت، ولا بد أن يمضي وقت ما قبل أن يوجد هذا «البديل» الإسلامي.

  • الحرص على السُلطة بأي ثمن

هذه المقارنات عادت إلى ذهني عام ١٩٦٥ م- بعد ثلاث سنوات فقط- كان ذلك في الطريق من طنجة إلى الرباط مع صديقي محمد خيضر الذي كان مسرورا بأنباء الانقلاب العسكري الذي أدى إلى اعتقال «أخيه» بن بيلا وسجنه، وقد يؤدي إلى قتله، وإذا بي أرى في خاطري صورة أخرى للتلمسانيين الثلاثة، وقد تساوت حظوظهم وأصبحوا في الاعتقال جميعا بين فرنسا ومصر والجزائر، فها هو الزعيم التلمساني «مصالي حاج» ما زال معتقلا في فرنسا، وإن كان تلاميذه وأعضاء حزبه يتسابقون إلى كراسي السلطة في غيابه، كما رأيت صورة الزعيم التلمساني الجديد يقاد إلى السجن في أحد معسكرات «الجيش الوطني الجزائري» بأمر من أصدقائه الذين تآمروا معه قبل الآن بسنوات فقط ضد الحكومة الجزائرية المؤقتة في المنفى، لقد رأيت صورته وهو يواجه مخاطر السجن الذي ما زال يواجهها التلمساني المصري في سجن الواحات منذ عام ١٩٥٤ م. بأمر من عبد الناصر وجماعته الذين تآمروا ضد «الإخوان المسلمون» بعد سنتين فقط من مشاركتهم لهم في طرد فاروق عام ١٩٥٢ م، والذي يتحالف معه بن بيلا وجماعته الذين احتفظت بصداقتهم اعتقادا مني بأنهم إنما فعلوا ذلك لمصلحة الثورة الجزائرية. بقيت صورة عمر التلمساني «الأول» في سجن الواحات، ومصالي حاج المعتقل في فرنسا، وأحمد بن بيلا الزعيم الجديد المعتقل في الجزائر في خاطري، حتى مات عبد الناصر وجاء السادات، وبدأت مرحلة انفتاح وإزالة آثار الدكتاتورية الناصرية، فوجدت أن الفرصة سانحة للدفاع عن المعتقلين من المسجونين من الإخوان، وبدأت حملة واسعة لدعوة جميع أصدقاء الحرية والديمقراطية لإرسال برقيات ورسائل بهذا المعنى دون الرجوع إلى بعض إخواني في الخارج الذين عارضوا هذا، لعدم ثقتهم في صدق السادات، أما أنا فكنت أرى ضرورة الإسراع، لأن السادات حتى ولو كان صادقًا فإنه لن يستمر طويلًا على هذا النهج. فمن الأفضل المخاطرة والمبادرة بالمسعى قبل أن تفوت الفرصة، وقد استجابت لي كثير من الهيئات الإسلامية (1)، وأرسلت طلبات تلح في الإفراج عن الإخوان، وفعلًا تم ذلك ابتهاجا بالنصر العظيم في حرب أكتوبر، وكان صديقي عمر التلمساني من آخر من خرجوا.

  • بيني وبين الأستاذ عمر التلمساني

بعد زيارتي تلمسان بثماني سنوات، تسلمت في مدينة الرياض أول خطاب مؤرخ

في «٢٤ شعبان ١٣٩٣هـ الموافق ٢١ سبتمبر ۱۹۷۳م» بخط صديقي الزعيم التلمساني الأول الأستاذ عمر التلمساني يبشرني بعودته إلى الحرية وإلى الجهاد بعد عشرين عامًا من السجن والاعتقال، والاضطهاد، والانتقال من سجن إلى آخر طول هذه المدة، إنه يطلب مني أن أكاتبه بعنوانه في القاهرة إن استطعت (۲)، كتبت له خطابًا في «28 رمضان ١٣٩٣هـ - ٢٤ أكتوبر ۱۹۷۳م» تسلمه و رَد عليه بخطاب ثانٍ أحتفظ به مؤرخ في ٢٣ شوال ۱۳۹۳هـ - ۱۷ نوفمبر ۱۹۷۳م (۳).

  • العودة إلى مصر

كان أول لقاء لي مع صديقي عمر التلمساني بعد خروجه من السجن في عام ١٩٧٥م، عندما سمح لي بالعودة إلى مصر في عهد السادات بناًء على مسعى أحد أقاربي الذي أصبح نائبًا في البرلمان في عهد السادات في ظِل «الانفتاح» بعد أن أعلن السادات خطته للانفتاح الاقتصادي والسياسي «سأنشر صورة التصريح لي بالعودة في ملحق الوثائق»، وبعد ذلك صدر قانون من البرلمان بإلغاء قرار فصل أساتذة الجامعة الذين طردهم مجلس قيادة الثورة عام ١٩٥٤م وكنت منهم، وعدت إلى كرسي الأستاذية في كلية الحقوق التي أبعدت عنها طوال عشرين عام، وبقيت في مصر سنتين ألقيتُ فيها دروسي بقسم الدكتوراة، ثم انتهزت فرصة بلوغي سِن التقاعد ۱۹۷۸م، فغادرت مصر بعد فترة قصيرة كافية لتصحيح وضعي في السلك الجامعي، وعدت إلى السعودية بعد أن قلت لصديقي عمر التلمساني إنني أفضل أن أبقى في السعودية حيث كنت، لأنني وجدت الأوضاع في المجتمع قد تغيرت لدرجة إنني لم أعد أعرفه كما عرفته من قبل، وقلت له: إنني أحس بالشعور الذي وصفته لي في خطابك الثاني المؤرخ ۱۷ نوفمبر ۱۹۷۳م بقولك: خرجت يا أخي «من السجن» لأرى دنيا ما لي بها من عهد، واستوحشت، وأحسست أنني غريب في دنيا الناس:

فما الناس بالناس الذين عهدتهم                                            ولا الدار بالدار التي كنت أعرف 

في أحد لقاءاتي معه بالقاهرة ذكرت له قصة زيارتي لموطنه التلمساني مع أحمد بن بيلا الذي مازال في ذلك الوقت في سجن أخيه «بومدين»، وقلت له إنني منذ خرجت من الجزائر في عام ١٩٦٤م، لم أعد إليها إلا مرة واحدة في عام ١٩٧٤م بناًء على دعوة صديقي مولود قاسم الذي كان يعمل رفيقًا لي في فيلا «جولي» في فترة عملي مستشارًا للمكتب السياسي عام ١٩٦٢ و ١٩٦٣م، وأوائل عام ١٩٦٤م، وأنني طلبت منه أن يحصل لي من رئيسه «هواري بومدين» على الإذن لكي أزور بن بيلا  «التلمساني الثاني»، في سجنه، ولكنه لم يستطع، وقلت له إنني غير نادم على منعي من دخول مصر طوال الفترة التي قضاها هو في سجن الواحات، لأنه من المؤكد أنني لم أكن أستطيع زيارته ولا مكاتبته في تلك الفترة، ثم إنني قررت في نفسي ألا أزور الجزائر حتى لو دعيت لذلك أو سمح لي به إلا بعد خروج بن بيلا «التلمساني» من السجن، وقد يكون معنا بن بيلا ليذكر ما قاموا به هناك، فربما يدرك أن بعض ما فعلوه في ذلك الوقت كان خطئًا يبرر الندم، ولعله يدرك ما شعرت به في ذلك الوقت من قلق لما قاموا به، وأمل أن تكون الفترة التي قضاها في سجن صديقه بومدين تبرر ندمه.

لقد أتيح لي أن أقص على صديقي عمر التلمساني خواطري التي شُغلت بها في زيارتي الأولى والوحيدة إلى تلمسان التي ينتسب لها. وما استرسلت له في ذهني من مقارنة بين الزعيم التلمساني بن بيلا، الذي كان يسير نحو مقعد الرئاسة وبين صورته وهو في سجن الواحات، وبأن صورته هو وصوته لم يغيبًا عني عندما كنت في مسجد سيدي بومدين في تلمسان، وزاد شوقي لرؤيته عندما قرأت في خطابه الأول قوله أن ما نسبه إلىّ من سجايا ظلت لوحة لا تغيب عن ناظره، وأنني سعدت بهذا الثناء الذي يشهد له بكرم الخلق وصدق الوفاء.

كذلك ذكرته بما جاء في خطابه الثاني عن ذكريات حارات معه وقوله: «كانت كلماتي عطشي إلى رنين كلماتك التي تشجيني على شط المزار وبعد الديار...» قلت له إنني عندما قرأتها أدركت أنه كان يلم بما ألم بي من خواطر، وأنه كان بيننا حوار صامت متبادل عن بعد.

 قال لي: صحيح إنه في مدة من الفترات جاء احد حراس السجن في الواحات وحدثني عنك كثيرا، قائلا: إنه كان سجان في سجن مصر «قرة ميدان» وكان مكلفا بحراسة عنبر الإخوان المعتقلين الذي كنت فيه وكان دائما يذكرك بخير كثير، وكان ينتهز كل فرصة ليحدثني عنك، وكانت خواطري تتجه نحوك كثيرا.

 قلت له: إنني عندما كنت أجلس في مسجد سيدي بومدين في تلمسان كنت أرى صورته كأنه حاضر معي، وربما كان هناك نوع من الحوار عن بعد بما يسمى «التليباني» بيننا -من حين لآخر-.

بعد وفاة المرشد الثاني ل «الإخوان المسلمون» الأستاذ المستشار حسن الهضيبي، ألح كثيرا على ترشيح الشيخ عمر التلمساني لزعامة الجماعة المناضلة المضطهدة، وقد أصر هو على رفض هذا الترشيح مدة طويلة بسبب تواضعه الشديد، وأكتفى برئاسة تحرير مجلة «الدعوة»، ولكنه اضطر أخيرا إلى قبول الترشيح، وكانت مدة زعامته للجماعة من أحسن الفترات، وشهد له الجميع بالزعامة الحكيمة والخلق النبيل، وكانت شهادة أعداء الإخوان وخصومهم له ظاهرة يوم وفاته، حيث كانت جنازته ملتقى قادة الفكر والرأي من جميع الاتجاهات السياسية والفكرية والثقافية -رحمه الله- ويؤسفني أنني لم أشارك في وداعه بسبب غيابي عن مصر في ذلك الوقت. 

***********

الهوامش

1- «بعض هذه البرقيات أرسلت في صورها التي أنشرها مع المرفقات».

2- ولقد دُهشتُ عندما وجدتُ في أوراقي أول رد لي على خطابة مؤرخًا في ١٢ رمضان ۱۳۹۳ه، ۸ أكتوبر ١٩٧٣م لكنه في مظروفه المعلق كما هو لم يرسل،

والظاهر إنني نسيت إبداعه في البريد.

3- وسوف أنشر صور الخطابات الثلاثة التي عثرت عليها من يهمه أن يقرأ ما كتب منذ أكثر من عشرين عامًا في ملحق الوثائق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل