العنوان صفحات من دفتر الذكريات (44) الإسلام والجهاد والدولة الإسلامية
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1995
مشاهدات 93
نشر في العدد 1146
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 18-أبريل-1995
- فرنسا
وافقت على استقلال الجزائر بعد أن اطمأنت إلى أن السلطة سيتسلمها علمانيون
تخلوا عن هدف الجهاد في إقامة دولة إسلامية.
- الصحافة
الفرنسية تشير إلى دور الإخوان في تربية الكوادر الجهادية التي تقود المعركة
ضد فرنسا والتي تغذيها روح الإسلام.
في المقدمة التي كتبها أحمد بن بللا في عام
1980م عن الحركة الوطنية التي أنشأها مصالي حاج باسم حزب الشعب، قال عن مصالي حاج
ما يلي:
«عندما فقدنا كل شيء امتدت إلينا يد الله -عز
وجل- لتنقذنا من خلال صوت هذا الرجل، إنه صوت سيدي الحاج الذي غرس فينا فكرة
الوطنية، لكنها لم تكن وطنية مما يعرفه الغرب بعيدة عن الله، بل وطنية تحركها
معتقداتنا، ويغذيها إيماننا بالله، وبالإسلام».
هذه هي بداية حزب الشعب الجزائري الذي نشأ فيه
بن بللا وإخوانه أعضاء الجهاز العسكري السري الذي أرسلوه إلى القاهرة في عام
1954م، ليطلب لهم مساعدات من الجامعة العربية، كانت الجامعة العربية -في نظرهم-
كما عرفوها في عهد عبدالرحمن عزام تحنو على الوطنيين في أقطار إفريقيا الشمالية
وترعاهم وتتبنى قضاياهم وتدافع عنها في المحافل الدولية، وتؤيد مطالبتهم
بالاستقلال. وقد ذكرت لقاء عزام مع مصالي الحاج في باريس الذي حضرته، وقد قال له
بالحرف الواحد: «إن الجامعة أو أي جهة أخرى لن تعطيكم الاستقلال، فعليكم أن تأخذوه
بجهادكم، ومن حقكم علينا أن نساعدكم في جهادكم بكل ما نستطيع».
أمانة الجامعة تحت وصاية مخابرات
ناصر
والآن وقد قرر حزب الشعب أن يبدأ مرحلة الكفاح
المسلح، فقد أرسل مندوبه لطلب مساعدات «عسكرية» من الجامعة العربية.
لكنه فوجئ هو وإخوانه بأن الأمانة العامة
للجامعة أوقفت مساعداتها المالية عنهم فجأة بدون سبب يعرفونه، ثم جاءتهم دعوة من
الأمين العام المساعد عبدالمنعم مصطفى لاجتماع لوح فيه بالمساعدات المالية إذا
كونوا هيئة موحدة لجميع أقطار إفريقيا الشمالية الخاضعة لفرنسا آنذاك. ولما
اجتمعوا وجدوا مع الأمين العام المساعد مساعدًا له، هو السيد فتحي الديب مؤلف
كتابه الذي كشف لنا فيه عن أنه عين مساعدًا للأمين العام المساعد لشؤون العلاقات
العربية دون أن يخفي أنه ضابط في المخابرات المصرية، وأنه بقي يحتفظ بهذه الصفة،
أي إن الأمانة العامة أصبحت تحت إشراف المخابرات المصرية. وقف بن بللا مندوب
الجهاز العسكري لحزب الشعب وقال لهم صراحة: نحن لم نأت لنطلب مالًا، بل نريد
سلاحًا.
وهنا استدرجه مندوب المخابرات إلى جلسة خاصة
وأفهمه أنهم يمكن أن يزودوهم بالسلاح، ولكن بشروط أولها التخلي عن الانتماء الحزبي!
منذ ذلك التاريخ إلى عام 1956م تعاون بن بللا
مع المخابرات المصرية التي يمثلها السيد فتحي الديب ومعاونه السيد عزت سليمان تحت
إشراف السيد زكريا محيي الدين والرئيس جمال عبدالناصر، وقد قبل شروطهم مضطرًا، وعُذره
أن حاجتهم للسلاح ملحة وضرورية.
وقد سبق أن لاحظت أنني أعتقد أن السياسة التي
سارت عليها المخابرات الناصرية تشير إلى تنسيق بينهم وبين مخابرات فرنسا، وبعض
الجهات الأجنبية الأخرى، وفيها من وجهة نظري بعض العناصر الصهيونية، وكان الهدف
الأول المشترك بين هذه الجهات جميعًا هو القضاء على الإخوان المسلمين، بل اقتلاع
الاتجاه الإسلامي الذي يؤيدها أو من يتعاون معها، كلما كان ذلك ممكنًا.
اقتلاع التوجه الإسلامي
أعتقد أن كتاب السيد السفير فتحي الديب يزودنا
بوقائع ووثائق تؤكد هذا التنسيق الذي أدى في النهاية إلى اعتراف فرنسا بالاستقلال
بعد أن اطمأنت إلى أن السلطة في الجزائر سيتسلمها وطنيون يتخلون عن مطلب الجهاد
الجزائري المتضمن إنشاء دولة إسلامية، واكتفوا بالاستقلال الوطني لجمهورية شعبية
ديمقراطية.
وهذا معناه أن كلا الطرفين: المخابرات
الفرنسية والمصرية، حققا مطلبًا، لكن تفريغ الاستقلال الوطني من الانتماء الإسلامي
هدف إستراتيجي للقوى الاستعمارية، في حين أن استبعاد الإخوان المسلمين من الميدان
السياسي كان في نظر الوطنيين مجرد هدف مرحلي، في نظري.
وأنا أعتقد أن ذلك كان في فكر عبدالناصر وبن
بللا، وأنهم كانوا يظنون أو يدعون أنهم يمكنهم أن يعودوا إلى الخط الإسلامي بدون
الإخوان المسلمين أو على أشلائهم وأنقاضهم بشرط أن يضمنوا لأنفسهم البقاء في
السلطة واحتكارها.
إنهم نسوا أن خطة الاستعمار تستوجب إزاحتهم
بعد أن يؤدوا مهمتهم المرحلية في تحويل الحركات الوطنية إلى الاتجاه العلماني. وقد
تكفل بإزاحتهم في سوريا والعراق حزب البعث العفلقي، أما في مصر فما زال التوجه
العلماني يتابع مسيرته لاقتلاع الإخوان المسلمين بعد أن تبين أن ما قام به
الناصريون لم ينجح في ذلك الذي تطلبه القوى الأجنبية وخاصة إسرائيل.
أما في شمال إفريقيا فنحن نرى القمع الوحشي
الذي يمارسه حزب فرنسا ضد الإسلاميين، وأن فرنسا وحلفاءها وبعض الحكومات «العربية»
تدعم هذه الطغمة العسكرية.
الوثائق تؤكد إسلامية الحركات
الوطنية
لا شك أنه في البداية يظهر من الوثائق التي
يقدمها الكاتب أن الحركات الوطنية كانت تعتبر جهادها إسلاميًا، وأن الجزائر عند
استقلالها لابد أن تكون دولة إسلامية عربية. إن كتاب السيد السفير قدم لنا صور
وثائق تأسيس جبهة التحرير، وفي صفحة (644) نجد ميثاقها الموقع في 17 فبراير 1955م،
ونص المادة الرابعة منه هو ما يلي:
«الجزائر عربية مسلمة العقيدة، فهي بالإسلام
والعروبة كانت، وعلى الإسلام والعروبة تعيش».
وهذا الميثاق نجد أن أول الموقعين عليه هو
الشيخ البشير الإبراهيمي، ويليه الشيخ الفضيل الورتلاني، ثم باقي الموقعين بعدهما.
وهذا هو ما نلاحظه في نص «اللائحة الداخلية لجبهة تحرير الجزائر» الموقع في 18
فبراير 1955م، والمنشور صورته في صفحة (646).
وفي كلتا الوثيقتين نجد توقيع كل من أحمد
مزغته والشاذلي مكي الممثلين لمصالي الحاج، وأهمية هذه الوثائق أنها وقعت في
القاهرة تحت إشرافه، أي أنه أقرها.
لكن هناك ما هو أهم من ذلك، وهو بيان أول
نوفمبر الذي نشره المجاهدون في الجزائر في يوم بدء الكفاح المسلح، وأنه يتضمن
بوضوح ما سموه برنامجنا السياسي، والبند الأول فيه حسب تعبيرهم «الخطوط الرئيسية
للبرنامج السياسي»، وأولها أن «الهدف هو الاستقلال الوطني وذلك بواسطة إقامة حكومة
جزائرية ذات سيادة ديمقراطية واجتماعية داخل إطار المبادئ الإسلامية».
أما البند الثالث بعنوان المرمى الخارجي،
وأولها: «تحقيق وحدة شمال إفريقية في إطارها الطبيعي وهو العروبة والإسلام».
هذا هو الاتجاه الأصيل للحركة الوطنية
الجزائرية، وهو يدخل بلا شك ضمن ما يسمونه بالأصولية الإسلامية، إن لم يكن الآن
ففي المستقبل القريب.
يشير السفير فتحي الديب في صفحة (87 و88) من
كتابه إلى انزعاج السلطات الفرنسية وهجومها على هذا الاتجاه، ويخص بالذكر مقالًا
نشرته جريدة Le Monde
الفرنسية بتاريخ 22 إبريل 1955م، ومقال Paris Match بتاريخ 14 مايو 1955م، وقال: «لقد اخترتهما بالذات باعتبار
الصحيفتين من أشهر الصحف الفرنسية ولهما سمعتهما الخارجية والداخلية وتأثيرهما في
الرأي العام الفرنسي».
وقد لخص هذين المقالين في ثماني نقاط، يهمنا
منها نص النقطة الرابعة (د) وعبر عنه بأنه: «محاولة التشكيك في نوايا المصريين
والزج -الذي لا يستند لأي واقع- بحركة الإخوان المسلمين في شؤون الكفاح المسلح!».
إن ممثل المخابرات المصرية يستنكر إشارة هذين
المقالين في أكبر الصحف الفرنسية في ذلك الوقت إلى دور الإخوان المسلمين في شؤون
الكفاح المسلح.
إنني أذكر القارئ بأن هذين المقالين إنما نشرا
في فرنسا بعد أن أُعلن في العالم كله عن اعتقال الإخوان المسلمين جميعًا في مصر
الذي بدأ يوم 27 أكتوبر 1954م، بل إن مقال باري ماتش بالذات نشر بعد نشرها صورة
جثة الشهيد عبدالقادر عودة معلقًا في حبل مشنقة المخابرات الناصرية التي كانت
يمثلها السيد السفير فتحي الديب قبل ذلك بأسابيع معدودة، في عددها الذي ذكر لي
صديقي «بوزوزو» أن ضابط السجن عرضه عليه ليذكره بأن أصدقاءهم المصريين يفعلون
بالمسلمين في مصر ما لم تفعله فرنسا في الجزائر حتى ذلك الوقت، وإذا فعلته بعد ذلك
فلن يكون فعلها إلا اقتداءً بما فعله المصريون.
ومع ذلك فإن هذه المجلة ذاتها هي التي يقول
لنا السيد السفير إنها تشير إلى دور الإخوان المسلمين في الكفاح المسلح، وهو ما
يستنكره السيد السفير بحجة أنه لا يستند للواقع.
نحن نرد عليه بأنه يشير إلى الواقع الذي كان
يراه هو في مصر، لكن الفرنسيين الذين كتبوا هذه المقالات كانوا يعرفون واقع
الجزائر أكثر مما تعرفه المخابرات المصرية.
على كل حال فإن عبارة السيد السفير ذاتها تشير
إلى أنه يقصد شيئًا غير ما تقصده المجلة الفرنسية؛ فهو يتكلم عن شؤون الكفاح
المسلح كأنه يقصد العمل المكتبي الذي يتولاه هو في مكتبه بالقاهرة مع من يعتبرهم
ممثلين لجيش التحرير في الخارج، أما المقال الفرنسي فإنه يشير إلى الكفاح المسلح
الذي يقع بعيدًا عنه في أرض المعركة في جميع أنحاء الجزائر، وهم أقدر منه على
معرفة دوافع المجاهدين، واتجاهاتهم وأهدافهم، وكلمة المجاهدين ذاتها تكفي لتأكيد
أن الإسلام هو مصدر الطاقة الثورية وأن غايتها هي الدولة الإسلامية.
إن الصحافة الفرنسية تقصد بإشارتها لدور
الإخوان المسلمين أمرين:
1- أن كثيرًا من العناصر العاملة في أرض
المعركة بالجزائر كانوا في نظر المخابرات الفرنسية من الإخوان المسلمين أو ممن
دربهم الإخوان وتولوا تربيتهم وتكوينهم في مصر قبل الاعتقالات أو في الجزائر
ذاتها، والذين يطلبون الشهادة ومنهم صديقنا «بوزوزو» الذي رويت لقائي معه في موضع
آخر.
2- إن المبادئ الإسلامية التي يدعو لها
الإخوان بشأن الدولة الإسلامية أو الحكومة الإسلامية أو الحكومة الوطنية في إطار
المبادئ الإسلامية ظاهرة وواضحة في بيانات الثورة ومواثيقها.
لا شك أنه بالنسبة للنقطة الأولى فإن السيد
السفير يعرف أن الفرنسيين الذين لهم مخابراتهم وجيوشهم وشرطتهم وإدارتهم في
الجزائر يعرفون عنها أكثر مما يعرف هو في الماضي والحاضر.
بالنسبة للنقطة الثانية فإن الوثائق التي
نشرها في كتابه وأشرنا إليها وخاصة ميثاق تأسيس جبهة التحرير تؤيد ما نشرته الصحف
الفرنسية، لأنه واضح في عبارته أن كاتبه ومحرره هو الشيخ البشير الإبراهيمي
المعروف بأسلوبه الخطابي، فضلًا عن أنه كان أول الموقعين هو والشيخ الفضيل
الورتلاني الذي يصفه فتحي الديب بأن علاقاته مشبوهة بالإخوان المسلمين، بل هو منهم
كما يعرف الجميع.
إن السيد السفير يعتبر أن الهدف من الإشارة
لدور الإخوان المسلمين في هذه المقالات هو حسب تعبيره «محاولة التشكيك في نوايا
المصريين».
وأنا أعتقد أنه صادق في ذلك، لأن معناه أن
المخابرات الفرنسية لديها علم بنوايا الحكومة المصرية وتعرف أنها ضد الإخوان
المسلمين ومن يسيرون في الاتجاه الإسلامي، لكنها الآن تجد أن هناك ما يجعلها تشكك
في أن المصريين يفعلون غير ذلك، لأنهم يتبنون أهدافًا إسلامية في الجزائر، كانوا
يدعون أنهم تبرءوا منها منذ شنقوا زعماء الإخوان.
عملاء القوى الأجنبية يخترقون
الحركات الوطنية لحرف اتجاهها
كما أنني أعتقد أن هذه المقالات قصد بها توجيه
بعض من يعملون لحسابها في مصر للسعي لتغيير هذا الاتجاه نحو الإسلام في الجزائر،
لذلك فإني أشك في أنهم دسوا عملاء لهم لاختراق صفوف الثورة في مصر، بل وفي الجزائر
ذاتها، وسعوا لإقناع بعض القادة الذين يعتبرون منافسين لبن بللا الموالي للمصريين
للعمل على تجاهل هذا الطابع الإسلامي، وكان من نتيجة ذلك ما يسمى بمؤتمر «وادي
الصمام» الذي يعطون له أهمية كبرى في التوجه العلماني للشعارات الاشتراكية وتجاهل
الأصول والأهداف الإسلامية. والذي يؤكده السيد السفير أن بن بللا عارض هذا الاتجاه
العلماني، وكان يخشى أن يكون له أثره في خروج الثورة عن أهدافها الأصلية العربية
والإسلامية، كما أن معارضي بن بللا أصحاب التوجه العلماني كانوا ضد الدور الذي
يقوم به في مصر باعتباره يربط بين العروبة والإسلام.
لقد أصبح هدفهم إذن هو دفع النظام الناصري لكي
يفصل بين العروبة والإسلام، ونجحوا في ذلك بعد اعتقال بن بللا وزملائه في عام
1956م.
بعد نشر هذه المقالات أي في شهر أغسطس 1955م
تحركت عناصر في الداخل تسللت إلى صفوف الحركة من دعاة الاشتراكية أو العلمانية،
ودفعوا عبان رمضان الذي كان يعتبر نفسه القائد الأول للثورة في الداخل إلى عقد
مؤتمر مع أنصاره في وادي الصمام، له شهرة كبيرة لدى المؤرخين الاشتراكيين
والفرنسيين، والمعروف أن مؤتمر وادي الصمام قد تجاهلت قراراته كل إشارة إلى
العروبة والإسلام.
مؤتمر قادة الولايات
وقد اجتمع قادة الولايات المهمة بعد ذلك في
ديسمبر 1956م أي بعد اعتقال بن بللا هو وزملائه، وأصدروا قرارًا باستنكار ما قرره
وادي الصمام، وأكدوا تمسكهم بأن الجزائر دولة إسلامية عربية، وكان هذا ردًا عمليًا
على الاتجاه الذي تبناه مؤتمر وادي الصمام الذي يتجاهل الأهداف العربية الإسلامية،
وكان هذا الرد من داخل الجزائر لا من جانب حكومة مصر ومخابراتها، وقد سجل ذلك
السيد السفير في كتابه، إذ نجده في صفحة (291) يشير إلى عقد اجتماع بمكان ما على
أرض الجبهة الشرقية يوم 15 ديسمبر 1956م، وذكر أسماء قادة الولايات الذين حضروه، بل
نشر صورتهم في صفحة (292)، ويقول إنهم استعرضوا قرارات مؤتمر وادي الصمام المنعقد
في 20 أغسطس 1955م وقرروا:
1- عدم الاعتراف بقرارات المؤتمر المذكور،
لأنها تخالف الاتجاه الأول للثورة إلى جانب عدم النص على أن الجزائر دولة إسلامية
عربية.
إن قادة الثورة وهي في أوج عمليات الكفاح
يعلنون كما يقول السفير في كتابه أن الجزائر دولة إسلامية عربية، وهو يعلم أن
الأوروبيين عمومًا وفرنسا خاصة تعتبر الإخوان المسلمين حركة عامة تشمل كل من يدعو
لإقامة دولة الإسلام، فإذا كان يستنكر ما كتبته الصحف الفرنسية التي تلوح له بما
يسميه «دور حركة الإخوان في الكفاح المسلح» فإن معنى ذلك في نظري أنه اعتبر أن ما
تكتبه تلك الصحف قصد به تأنيب السلطات المصرية لأنها لم تقم بكل ما يلزم لوقف
التيار الإسلامي في الجزائر، وأن الفرنسيين الذين يعرفون اعتقالات الإخوان، وإعدام
زعمائهم في مصر ونشروا صورهم معلقين على حبال المشانق يعتبرون أن ذلك لم يكن
كافيًا لكي تفي المخابرات المصرية بكل ما كانوا ينتظرونه منها لوقف المد الإسلامي
المتنامي في الجزائر، بل فيه تلويح بأن ذلك سوف يبيح لفرنسا اتخاذ موقف آخر من
الحكم العسكري في مصر، والذي أخذ صورة العدوان الثلاثي، والذي كانوا يستعدون له
سرًا، وبدأ فعلًا بعد ذلك بشهور معدودة.
خلاصة ذلك أن الاتجاه الذي تبنته مصر في بداية الثورة الجزائرية لم يكن يستبعد الاتجاه الإسلامي من وثائق جبهة التحرير، ولا من صفوف الجبهة في الجزائر، وأن ذلك لم يعجب المخابرات الفرنسية التي صممت على تغيير هذا الاتجاه بالإغراء تارة أو الضغط تارة أخرى، حتى وصل الأمر إلى التخطيط للعدوان الثلاثي، ثم خطف الزعماء الخمسة واعتقالهم بقصد ترويضهم، ويظهر أنهم نجحوا في ذلك أكثر مما نجحوا مع زعيمهم «مصالي حاج»، واعتقادي أن العامل الأول في هذا التحول هو المخابرات الناصرية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل