; صفحات من دفتر الذكريات (38) جزائريون في السجن الحربي | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (38) جزائريون في السجن الحربي

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1995

مشاهدات 77

نشر في العدد 1140

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 28-فبراير-1995

·       هناك تعاون وثيق بين جميع الجهات التي تخطط لمقاومة الصحوة الإسلامية لمنع امتدادها في الأقطار العربية والإسلامية

·       حكومة العسكر في مصر تعتقل وفدًا جزائريًا جاء بهدف تحقيق مصالحة بين الأطراف الجزائرية المختلفة

عقب عودتي من باريس وفيينا اتصلت بالإخوة الجزائريين وأبلغتهم بما تم في الرحلة، وما اتفقنا عليه مع مصالي الحاج وأبدوا ترحيبًا كبيرًا بهذا، وقلت لهم عندما يأتي مندوبون من طرف مصالي سوف يتصلون بالشاذلي مكي، وبعد ذلك نلتقي ونحاول التوفيق بين الفريقين أو بين الفرقاء الثلاثة إذا أمكن، وانشغلت أنا بمشكلتي الجديدة، وكانوا عرفوها لأن الصحف نشرت النبأ، ولكن هذا شأن لم أكن أعتقد أن لهم دخلًا به في ذلك الوقت على الأقل.

في يوم 25 أكتوبر اتصل بي الشاذلي مكي، وقال لي إنه وصل اثنان من باريس من طرف مصالي، حسب اتفاقي معه هناك: أحدهما «عابد» والثاني مزغنه الذي كان من النواب الجزائريين في حركة الدفاع عن الحرية، فقلت له: إذن سوف أتصل بالآخرين ونلتقي في منزلي، وحددنا للقاء يوم 27 أكتوبر صباحًا.

في المعتقل

وفي يوم 26 أكتوبر ليلًا اعتقلت، وأنا اعتبرت اعتقالي في تلك الليلة قدرًا، وكنت أعتقد أنه لا علاقة له بموضوع الجزائر، ولكن هذا الاعتقاد تزعزع فيما بعد كما سيتبين من تسلسل الحوادث.. المهم أنه بسبب اعتقالي لم أعرف ماذا حدث للوفد الجزائري، وبعد فترة قليلة من اعتقالي وأنا بالسجن الحربي، في يوم من الأيام ذكر لي أحد المعتقلين أنه كان في أحد مباني السجن الحربي، لأنه يضم عدة سجون، منفصل بعضها عن بعض. وكان المعتقلون ينقلون من واحد إلى آخر حسب الظروف، والذين يحقق معهم كانوا ينقلون إلى سجن معين حتى يكونوا بعيدين عن إخوانهم في فترة التحقيق، كانت المباحث التي تشرف على المعتقلين هي التي تأمر بالنقل لأسباب لا نعرفها نحن، ولا نبلغ بها، فأحد المعتقلين قال إنه التقى في أحد السجون مع شخص من الجزائر قال إنه يعرفني ويريد أن يبعث إلي سلامه، ويعرفني بأنه معتقل هو وزميله، وقال لي إن هذا الشخص له ذراع مقطوعة، واسمه الشاذلي فدهشت لأن أجد اثنين من الجزائريين الذين بعثهم مصالي للالتقاء بإخوتنا الجزائريين يعتقلان، ولا أدري كيف حصل ذلك، ولم أعرف عنه شيئًا، لأني كما قلت لا أسأل عن أشياء لا شأن لي بها، المهم أنني سمعت تفسيرات بعد سنوات من خضير نفسه عن كيفية اعتقال الشاذلي ومزغنه، حيث قال لي ضاحكًا: إنه كان من المقرر أن يعتقل «عابد»، وكانت الخطة لاعتقالهم خطة بوليسية ماكرة دبرتها المباحث المصرية هدفها أن يتم الاعتقال في المطار بعد خروجهم من الترانزيت حتى يختفي كل أثر لهم في مصر ويعتبر أنهم خرجوا من مصر وفقدوا في الطريق، وأعتقد أن هذا كان على إثر عدة اجتماعات بينهم وبين بن بيلا وزملائه، ولا أعرف ماذا تم فيها، ولم أسأل عنه، لأنه قد مضى عليه سنوات، المهم أنه على إثر هذه الاجتماعات قررت المخابرات اعتقال الثلاثة مزغنه وعابد القادمين من باريس ومعهم الشاذلي مكي، وقد سمعت من السيد محمد خيضر أنه دبرت لذلك مكيدة بأن كلفوا شخصًا بإرسال برقية بتوقيع أحد معارفهم من الجزائريين الذي كان يقيم في طرابلس ليبيا، ووجهت البرقية إلى الثلاثة ليحضروا إليه في ليبيا، ووصلت البرقية واستعد الجميع للسفر إلى ليبيا، لكن عابد، اعتقد أنه ليس مكلفًا بشيء في ليبيا، ووجد طائرة مسافرة إلى باريس في الليل قبل موعد الطائرة التي كان مقررًا أن يأخذوها إلى ليبيا فركب فيها عائدًا لباريس، وبذلك أفلت من الاعتقال ووصل إلى فرنسا، وأُعلن بعد ذلك أنه قتل في مرسيليا، وأما مزغنه والشاذلي، فكانا متوجهين إلى طرابلس، وفي المطار قبض عليهما هناك ونقلا من المطار إلى السجن الحربي مباشرة، لا أعرف اليوم أو الوقت الذي وصلا فيه، لأنني كنت مشغولًا بالكارثة التي كنت فيها، وهي الاعتقال والتعذيب والمحاكمة بتهم متعددة، أهمها أنني من الإخوان المسلمين، وأنني مشترك في كل التهم الموجهة إليهم، وحكم علي بالأشغال الشاقة مع وقف التنفيذ لمدة عشر سنوات، وبقيت معتقلًا سنتين، وفي أثناء وجودي بالمعتقل كانت تصلني بعض رسائل شفوية بواسطة بعض المعتقلين الذين التقوا مصادفة مع الشاذلي مكي، وهو كان لا يقتصد في الكلام والاتصالات، وقد استطاع أن ينقل إلى المستشفى بسبب يده المكسورة، وكان يرسل إلي رسائل مع من يلقاهم من الإخوان المعتقلين الذين يمرون بالمستشفى، أما مزغنه فإنه بقي مستسلمًا لا حيلة له ولا حركة ولا صوت، وعندما خرجت من المعتقل وقبل أن يمضي وقت طويل فوجئت في منزلي بتليفون يدق وإذ بالمتكلم هو الشاذلي مكي، وقال لي إنه في المستشفى العسكري في العباسية وأنه يذكرني أن أسعى لدى الإخوان الجزائريين لكي يطلبوا الإفراج عنه، وقد فهمت من هذا أنه يعتبر أن الاعتقال تم بناءً على طلبهم أو على الأقل بموافقتهم.

مع خيضر وبن بيللا

كان هذا في سنة 1956م، لأنني خرجت من السجن الحربي في فبراير أو مارس 1956م، وقد دخلت في أكتوبر 1954م، وبمجرد خروجي اتصلت بخيضر وبن بيللا، وحضرا إلي في المنزل وهنآني بالخروج، وقالا إنهما تألما عندما سمعا بالحوادث التي جرت للإخوان عمومًا، وعرفا أنني كنت من ضمن المعتقلين، ولم أسألهم كيف عرفوا، ولكن خيضر قال لي ضاحكًا: إنه جاء في الموعد الذي كنا اتفقنا عليه، ودق الجرس وإن أمي فتحت له الباب غاضبة، لأنها كانت تعتقد أن كل من يدق الباب في ذلك الوقت من طرف المباحث الذين اعتقلوني في الليل، وإنها قالت له: إنني غير موجود، فلما سألها كيف؟ ولماذا؟ قالت له متهكمة أنت لا تعرف لماذا هو غير موجود؟ اذهب إلى حال سبيلك، وخرج مندهشًا ومتألمًا، وبعد ذلك عرف أن المسألة هي مسألة اعتقال!

تعاون استخباراتي لضرب الحركة الإسلامية

بعد ذلك بمدة بدأت أسترجع هذه الوقائع وكنت أتساءل عن مدى التوافق أو التداخل أو التعاون بين خطط الاستخبارات المصرية والاستخبارات الفرنسية، بل غيرها مثل الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية من أجل مقاومة التيار الإسلامي والقضاء على الإخوان المسلمين ومطاردتهم، وكذلك مطاردة كل ذوي الاتجاه الإسلامي، بل الاتجاه الوطني الشعبي بجميع فصائله وجماعاته، وخرجت من ذلك إلى الاعتقاد بأن هناك تعاونًا وثيقًا بين جميع الجهات التي تسير في خطط لمقاومة الصحوة الإسلامية والكفاح الوطني، سواء منها الأجهزة التابعة للحكومات الوطنية، أو الأجهزة الأجنبية، هذا الاعتقاد يتأكد ويزداد بمرور الأيام، إلا أنه في ذلك الوقت عام 1954م بالذات بدأت تظهر لدي دلائل على هذا التنسيق بين المخابرات المصرية والفرنسية لابد من الإشارة لها:

رغم الاختلافات في الأهداف التي تسعى لها كل من هاتين الجهتين إلا أنني كنت واثقًا أن هناك أمرين أعتبرهما كانا هدفًا مشتركًا لهما، وهما:

1- تطويق التيار الإسلامي ومحاصرته والقضاء عليه، سواء في داخل مصر أو خارجها، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين لمنع امتدادها إلى الأقطار الإفريقية العربية وغير العربية وهذا الامتداد يعرقل سياسة كل من الطرفين، لأن الاستعمار يريد أن يحتفظ بحريته في اختيار حكام يسيرون في الاتجاه الذي يضمن له استمرار نفوذه وسيطرته، وأما المراهقون العسكريون في مصر فكانت شياطينهم تزين لهم أنهم يستطيعون أن يضمنوا استمرار سلطتهم في مصر إذا اقتلعوا جذور حركة الإخوان، ومن يتعاون معهم في الداخل والخارج، ولو أدى ذلك إلى إبادة التيار الإسلامي كله أو تشتيت القوى الوطنية التي تتعاون معه ولم يكن لديهم مانع من التعاون مع شياطين المخابرات الأجنبية لهذا الغرض.

2- تمزيق الأحزاب الوطنية التقليدية في تونس والجزائر والمغرب، لإزاحتها من الطريق، ومصلحة الفرنسيين في هذا واضحة للقضاء على المقاومة الوطنية ضد نفوذهم، أما العسكريون المصريون فإنهم لم يخفوا أنهم لا يريدون أن يتعاملوا مع هذا النوع من الزعماء التقليديين، لأنهم ليسوا مستعدين لكي يكونوا أداة في أيدي مخابراتهم، وأنهم يريدون صنع قيادات جديدة تابعة لهم مباشرة، وخاضعة لأجهزة مخابراتهم، كما استظهرت ذلك بعد قرارهم بقطع المرتبات التي كانت تصرفها الجامعة لأعضاء مكتب المغرب العربي بالقاهرة الذي أشرت إليه فيما سبق.

الرابط المختصر :