العنوان صفحات من دفتر الذكريات (10): جمعية «أصدقاء فلسطين العربية»
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1994
مشاهدات 65
نشر في العدد 1112
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 16-أغسطس-1994
· كنا نضيق على الجمعيات اليهودية أثناء إقامتنا في باريس، واستطعنا أن نفسد لهم أحد الاجتماعات الكبرى.
اليهود يصدرون بيانًا مزيفًا باسم جمعية عرب فلسطين للإيقاع بين العرب والسلطات الفرنسية للتضييق على نشاطنا في مناصرة قضية فلسطين.كان عملنا الأصلي في باريس هو الدعاية لقضية "فلسطين العربية"، لأن الصهاينة كان لهم جمعيات كثيرة تعمل في فرنسا للدعاية لوجهة نظرهم، فكان علينا أن نجد الوسيلة لمقاومة هذه الدعاية الصهيونية.
في أحد لقاءاتي مع المفتي الحاج أمين الحسيني ذكر لي أنه توجد في باريس "جمعية أصدقاء فلسطين العربية"، وقد أنشأها بعض العرب أثناء الحرب بتوجيه منه للدفاع عن قضية فلسطين، وكان هدفها مقاومة الدعاية الصهيونية ضد العرب وضد فلسطين، وأنه كان يرأسها لبناني يدعى "نجيب صدقة"، الذي ألف كتابًا بالفرنسية للتعريف بقضية فلسطين العربية، قدم لي الحاج أمين نسخة منه، وقال لي إن رئيس الجمعية اللبناني قد عاد إلى بلاده، وهي لذلك مجمدة ولكنها موجودة قانونًا، وطلب مني أن أجمع بعض أعضائها وأتولى رئاستها وأستأنف نشاطها، وقد فعلت ذلك.
كانت هذه الجمعية أول نشاطاتي لقضية فلسطين في باريس، وعن طريقها تعرفت بكثير من العرب والمسلمين الذين يتحمسون لقضية فلسطين، وفي مقدمتهم كثير من المسؤولين عن الحركات الوطنية في شمال أفريقيا، أذكر منهم إبراهيم معيزة وشوقي مصطفى ومحمد يزيد الذين كانوا ممثلين لحزب الشعب الجزائري، و"مصالي حاج" -زعيم الحزب- وعبد الرحيم بوعبيد، وعبد الله إبراهيم، وعبد اللطيف بن جلون من اللجنة الممثلة لحزب الاستقلال في المغرب، وجلولي فارس، ومحمد الميلي، والحبيب بورقيبة الابن من اللجنة الممثلة لحزب الدستور التونسي.
وكانت هذه الجمعية هي المجال الذي نلتقي فيه ونعمل معًا لقضية فلسطين أولًا، وبعد ذلك قضايا شمال أفريقيا، وبذلك استقر لدينا جميعًا وحدة القضايا الإسلامية وارتباطها، كما يعتقد الإخوان المسلمون، ومن خلال عملي في هذه الجمعية أدركت أن إخواننا الجزائريين أكثر الناس انضباطًا وثباتًا في مجال العمل، وخصوصًا أن الحزب الوطني "حزب الشعب" حزب نضالي، وكان أكثر الأحزاب تنظيمًا، وكان له جمهور كبير في فرنسا من العمال الجزائريين، وقد زادت قوته بوجود مصالي حاج في فرنسا، وفي باريس بالذات، أما المغاربة فقد كان عندهم عدد كبير من العمال، ولكن الحزب لم يكن مسيطرًا عليهم كما هو الحال بالنسبة للجزائريين، وبالنسبة للتونسيين فقد كان عددهم قليلًا، وكان الحزب يعتمد على الطلبة الذين يمثلونه، ولا يوجد له جمهور من العمال.
ولقد اعتمدت أساسًا في كل نشاطاتي على المسؤولين الممثلين للأحزاب الثلاثة: حزب الشعب الجزائري، وحزب الاستقلال المغربي، وحزب الدستور التونسي، أما الجمهور فكان من الجزائريين في عمومه، ولا بد أن أذكر أنهم كانوا هم المواظبين على حضور الاجتماعات التي نعقدها للدعاية لقضية فلسطين، فكنا كلما عقدنا اجتماعًا كان الجزائريون هم الذين يحضرون بالآلاف، وكان لهذه الاجتماعات في نظرهم وفي نظر الفرنسيين أهمية كبرى، وأذكر أن الفرنسيين انزعجوا جدًّا عندما تكررت هذه الاجتماعات وطلبوني للتحقيق، وقال لي الضابط المحقق: أنت إذا كنت تقوم بنشاط فلابد أن تقتصر على المصريين، أما الجزائريون وأبناء شمال أفريقيا فلا شأن لك بهم، قلت له: إنها اجتماعات عامة ونحن نتمنى حضور الفرنسيين وجميع الأجانب المقيمين بفرنسا، وأنا أستعمل حقوقي طبقًا للقانون الفرنسي، فإذا وقعت مني أي مخالفة فحاكموني بالقانون، أما فيما عدا هذا فلا شأن لي بكم، ولكني أدركت فيما بعد أنهم يدبرون لي كمينًا.
لم تمض مدة حتى استدعيت لأحد أقسام الشرطة، وهناك تقدم لي ضابط شاب وقادني إلى مكتبه، ثم قدم لي مظروفًا مفتوحًا بداخله خطاب مكتوب على الآلة الكاتبة بلغة فرنسية ركيكة، فيه تهديد لرئيس الجمهورية الفرنسية بسبب عدم تأييد فرنسا للقضية الفلسطينية، وكان التوقيع جمعية عرب فلسطين بدون بيان اسم شخص معين، وقال لي الضابط: أنت رئيس هذه الجمعية؟ قلت: لا، قال: كيف وعندي بيان باسم جمعيتك التي ترأسها، وهي جمعية مسجلة قانونًا ومعترف بها، قلت: إن اسم جمعيتي هو "أصدقاء فلسطين العربية" وليس هذا هو اسم الجمعية الموضوع في نهاية الخطاب، ففوجئ بهذا الرد وأفحم، فأضفت بأنني أدرس الحقوق وأعرف أن مثل هذا العمل جريمة، والمعتاد أن أي شخص يقدم على هذا العمل لا يضع اسمه عليه ولا اسمًا يوصل إليه، ولا شك أن هذه مكيدة من بعض الصهيونيين الذين يريدون الإيقاع بيننا وبين الفرنسيين، في حين أن هدفنا هو تعريف الجمهور الفرنسي بحقوقنا، وليس لنا أي مصلحة في الإساءة لهم أو لرئيس جمهوريتهم، فبدا عليه الاقتناع وأذن لي بالانصراف، ولكني كنت واثقًا من أنهم سوف يعاودون الكرة للإيقاع بي.
وشاء القدر أن يقع صديقي الدكتور حسن أبو السعود في هذا الكمين، كان الدكتور حسن أبو السعود أقرب زملائي في البعثة إليّ، وكنت على اتصال دائم به دون أن يشاركني في أي عمل يخص "الإخوان المسلمين"، لأنه لم يكن منهم، وإن كان أخوه المرحوم الدكتور محمود أبو السعود من كبارهم.
لكني في أحد الأيام بعد أن شاركته في التعاون مع عزام باشا أثناء زيارته في باريس ذكرت له نشاطنا في جمعية أصدقاء فلسطين، واقترحت عليه أن يذهب معنا إلى بعض الاجتماعات الخاصة بها، فحضر فعلًا، بل ذهب معي عدة مرات لحضور اجتماعات عامة نظمتها بعض الجمعيات الصهيونية، وكنا نستغل حضورنا في تلك الاجتماعات العامة لإسماع صوت فلسطين العربية طالما أن لنا الحق في حضور هذه الاجتماعات لأنها عامة.
وعندما كثرت الاجتماعات العامة التي تعقدها الجمعيات الصهيونية حضر إليَّ مندوب حزب الشعب الجزائري واقترح علي أن نقوم بعملية لتعطيل هذه الاجتماعات بأن يدعو عددًا كبيرًا من المسلمين ليملأوا القاعة قبل الموعد، وبذلك لا يستطيع اليهود دخولها، وانتهزنا فرصة الإعلان عن اجتماع عام في إحدى القاعات بميدان الجمهورية، وأبلغت الجزائريين بالموعد لاستدعاء أكبر عدد من جمهورهم للحضور، واقترحت على أخي حسن أبو السعود أن يذهب معي فرحب بذلك، وعندما وصلنا إلى ميدان الجمهورية وجدناه مملوءًا بأعداد ضخمة من الجزائريين حتى إننا وصلنا إلى القاعة بشق الأنفس، فوجدناها مملوءة تمامًا بإخواننا الجزائريين، وطبعًا لم يكن يوجد فيها واحد يهودي أو فرنسي، لأنهم لم يستطيعوا الوصول إلى القاعة أو البقاء فيها بسبب الزحام، وحضر منظمو الاجتماع في الموعد، فوجدوا القاعة مملوءة فاستدعوا الشرطة، فحضر أحد الضباط ووقف على مقعد وقال: أيها السادة أنا من ضباط الشرطة وأطلب منكم إخلاء المكان، لأن اليهود استأجروه لعقد اجتماع لهم.
فرددنا عليه بأن هذا اجتماع مفتوح للجمهور، ونحن حضرنا للاستماع ونحن جالسون لذلك وهذا حقنا، فسأل إن كان هناك مسؤول يتحدث معه، فقدمنا حسن أبو السعود وذهبت أنا معه، فوقف معنا جانبًا يقول إن هؤلاء الأفارقة لم يحضروا للاستماع بل لمنع الاجتماع، فلا يعقل أن يعقد الاجتماع دون أن يكون بالقاعة فرنسي ولا يهودي واحد، قلنا له نحن على استعداد لإخلاء عدد من المقاعد لنشاركهم في الاجتماع، قال: هل تستطيعون التفاهم مع "هؤلاء"؟ قلنا: نعم، فاقترح أن نخلي نصف القاعة، فقلت هذا ليس بعدل أن نخرج من جاءوا مبكرين ليقعد المتأخرون، ونخشى أنهم لن يقبلوا منا ذلك لأنهم أحق بالجلوس، لأنهم سبقوا ومن جاء بعدهم عليه أن يقف، وقلنا له: نعتقد أننا نستطيع فقط إخلاء ثلث القاعة لكي يبدأ الاجتماع، لأننا فعلًا جئنا لنسمع ما يقولون، فاقتنع بذلك وذهب للتفاوض مع اليهود، وطالت المدة ثم عاد ونادانا، وقال: لقد عرضت عليهم اقتراحكم فرفضوه، وقلت لهم إنني لا أستطيع أن أفعل أكثر من ذلك، لأنكم على حق إذ إن الاجتماع عام مفتوح للجميع وليس لي الحق في إخراج أحد منه دون مبرر، ثم قال: إنهم أبلغوني بأنهم ألغوا اجتماعهم وعادوا إلى منازلهم، وأنا أرجوكم أن تطلبوا من "هؤلاء" إخلاء القاعة، لأن صاحبها الذي أجرها للجمعية الصهيونية يخشى من حدوث اضطرابات داخلها تضر بما فيها من أثاث، فوافقنا على ذلك بعد أن حضر صاحب القاعة وتعهد بأن يغلقها فور إخلائها، وفي دقائق معدودة خرج جميع من في القاعة بناء على أمر من لجنة النظام التابعة لحزب الشعب الجزائري، وبقي ضابط الشرطة مذهولًا لهذه الدقة والطاعة، واستبقانا حتى خرج الجميع وطلب منا أن نقدم له بطاقاتنا الشخصية لإتمام محضر بالواقعة، وبعد أن ردها إلينا قال لنا: أريد أن أعرف بصراحة أنتم مصريون، فما علاقتكم "بأبناء شمال أفريقيا"؟ قلت له: ألا تعرف أن مصر تقع في شمال أفريقيا؟ قال: إنني أقصد شمال أفريقيا بالمعنى السياسي أي البلاد الخاضعة لفرنسا، وهي المغرب والجزائر وتونس، قال له حسن أبو السعود: إن موضوع الاجتماع هو قضية فلسطين ونحن لنا جمعية أصدقاء فلسطين العربية، وهي جمعية مسجلة عندكم في وزارة الداخلية، ويشارك في تأييدها ونشاطها جميع العرب والمسلمين في فرنسا، ومن حقنا أن نحضر جميع الاجتماعات العامة التي تتعلق بفلسطين سواء نظمها الفرنسيون أو اليهود أو المسلمون، فسأل من هو رئيس الجمعية؟ فقلت: أنا هو، فطلب مني الحضور إلى مكتبه بأحد أقسام الشرطة بعد يومين، فذهبت له في الموعد وكان كل ما طلبه هو التوقيع على المحضر الذي كتبه بعد أن قرأته، وغادرته وعدت إلى منزلي مسرورًا، وكان معي بعض أصدقائي في انتظار نتيجة الاستدعاء، ومع ذلك كنت واثقًا أن شيئًا سيدبر لي.
نتيجة لذلك رأت الجمعيات الصهيونية أن تجعل اجتماعاتها "خاصة"، لا يدخلها إلا من يحمل بطاقة دعوة، وبعد أسبوعين أعلنوا في مجلتهم عن اجتماع في أكبر قاعة في باريس وهي قاعة "واجرام"، قرب الشانزليزيه، ومن يريد الحضور عليه أن يحصل على بطاقة من مكاتب حددوها، وكنا نتابع نشاطهم عن طريق الحصول على مجلة دورية يصدرونها، وكنا نستعين ببعض أصدقائنا الفرنسيين ليحضرها لنا، فطلبت منه أن يحضر لنا بعض بطاقات الدعوة، وفعلًا أحضر لنا أربع بطاقات، وذهبت إلى حسن أبو السعود أقترح عليه أن يذهب معي، فوافق على ذلك وتحمس لدرجة أن اثنين من مريديه من أعضاء البعثة قررا أن يذهبا معنا، أذكر منهما المرحوم الدكتور أحمد مسلم، وفعلًا ذهبنا في الموعد، وكان ليلة الأحد، إلى القاعة وقدمنا البطاقات، فعرفنا المشرفون على نظام الاجتماع من أعضاء الجمعية الصهيونية الذين شاهدونا في اجتماعات سابقة، وحاولوا منعنا من الدخول فأصررنا حتى جاء رئيس الاجتماع فأمرهم بالسماح لنا بالدخول، وقادنا إلى مكان اختاره وأخلى لنا عدة مقاعد فجلسنا، وبعد ذلك لاحظت أنهم أخلوا الصف الذي خلفنا تدريجيًا وأجلسوا فيه عددًا من "البلطجية"، وقبل أن يبدأ الاجتماع وقف رئيس الاجتماع على المنصة وقال: يسرني أن يحضر بالقاعة عدد من "أصدقائنا" العرب ممثلين عرب فلسطين، ولما كان هدفنا هو التعايش مع العرب في فلسطين، فإننا رحبنا بهم، بل إنني سوف أعطي الكلمة لواحد منهم ليعرض وجهة نظرهم إذا شاءوا، وفعلًا تقدم حسن أبو السعود وألقى كلمة قصيرة قال فيها: "إننا أيضًا نريد التعايش السلمي مع اليهود الموجودين في فلسطين، لقد عاشوا معنا سنين وقرونًا من قبل، لكنا نرفض هجرة يهود آخرين لا تتسع لهم فلسطين، وهجرتهم تهدد الفلسطينيين في وطنهم".
وفجأة تململ الجالسون خلفنا ووقفوا ينشدون أحد الأناشيد العبرية، فوقف كثير ممن بالقاعة ولم نقف، فجذبني واحد ممن يجلسون خلفي، واشتبكت معه، فتجمع منهم عدد كبير للاعتداء علينا، وفجأة ظهر شاب جزائري واحد كان بالقاعة مصادفة ولم نعرف كيف حضر، فتصدى لهم جميعًا لحمايتنا بعد أن أصابتني عدة لكمات، وحضرت الشرطة وفرقتنا وفضلنا مغادرة القاعة، وخرج معي هذا الأخ الجزائري ومر بنا على إحدى الصيدليات حيث ضمدت جرحًا في وجهي، ثم عدنا إلى منزلنا مكتئبين لما حدث.
بعد فترة قصيرة حضر إليَّ مندوب الجزائر في باريس وأخبرني أنه سمع من بعض المترددين على وزارة الداخلية أن ملفي أنا وحسن أبو السعود محل دراسة، وأنه يعتقد أنهم سيدبرون لنا أمرًا، فاتفقت مع حسن أبو السعود على أن نوقف نشاطنا، وخصوصًا أن عطلة الصيف قد قربت، وكنا عازمين على قضائها في القاهرة معًا.
في ذلك الوقت جاءني خطاب من المفتي الحاج أمين الحسيني بأنه سيرسل إلى باريس ممثلًا للهيئة العربية العليا التي يرأسها، وسيكون معه خطاب، وطلب مني معاونته في مهمته، وفعلًا حضر بعد ذلك "الدكتور يعقوب خوري"، ومعه خطاب المفتي، وكنت عرفته في القاهرة أثناء عملي لقضية فلسطين، وهو فلسطيني مسيحي يمارس مهنته كطبيب أسنان مقيم في القاهرة، وكان من مؤيدي الهيئة العربية العليا، وكان المفتي رحمه الله حريصًا على وجود أعضاء مسيحيين ضمن هذه الهيئة التي كان يرأسها، وكان على رأسهم السيد إميل خوري الذي بقي طول حياته إلى جانب الحاج أمين الحسيني.
وصل الدكتور يعقوب خوري واستأجر مكتبًا باسم الهيئة، وفهمت أن المفتي يرى أن وجود مسيحي يمثله في باريس سيكون أكثر نفعًا للقضية، ولذلك سلمته كل شؤون الجمعية قبل مغادرتنا إلى القاهرة معًا أنا والدكتور حسن أبو السعود، وهناك كان ينتظرنا عمل آخر.
[1] أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل