; صفحات من دفتر الذكريات (٢٥) عظمة الحضارة العربية | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (٢٥) عظمة الحضارة العربية

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1994

مشاهدات 107

نشر في العدد 1127

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 29-نوفمبر-1994

  • العرب انخدعوا بالدعاية الألمانية وظنوا أن انتصار ألمانيا يفيد قضاياهم.

هذه كانت حالتي النفسية في قرطبة، ومنها ذهبنا إلى غرناطة بالقطار، وكان قطارًا قذرًا بطيئًا يهاجمه المتسولون كلما توقف، ولاحظنا أن الراهبات المسيحيات كن يركبن بجوارنا في الدرجة الأولى، وليس عليهن أي مظهر للزهد أو التقشف، ولا يزعجهن منظر المتسولين كأنه أصبح أمرًا عاديًا، وكان طريق القطار يشق سهلًا خصبًا غنيًا بالمزارع وخلفه جبال عالية هي السييرا، والزراعة على مدرجات تفصل بينها خطوط هندسية تذكرنا بالنقوش العربية في التسطير، وغرناطة مشهورة بقصور الحمراء التي يعتبرها السياح أكبر تحفة معمارية في العالم تشهد بروعة الفن المعماري العربي والإسلامي، وتشغل مساحة كبيرة من الأرض مملوءة بالحدائق الجميلة التي عني بها المسلمون وقد زرناها عدة أيام.

ما فعله الإسبان في أشبيلية وقرطبة فعلوه في غرناطة، ولكنهم حافظوا على القصور للسياحة، وقد بنى الملوك الكاثوليك قصرًا على الطراز المعماري الأوروبي، وكان آيةً في السخف والحمق ولا يستسيغه أي ذوق، وكان وجوده إلى جانب قصور الحمراء وما زال أمام الناس جميعًا أكبر شاهد على تفوق العرب والمسلمين في فن العمارة، وفي غيرها من الفنون، وحدائق الحمراء نفسها تشهد بالذوق العربي في العناية بالورود والزهور ومجاري المياه، وتزويد المساجد بالماء للوضوء، وشاهدنا قريبًا من غرناطة سلسلة الجبال المشهورة التي تحمل اسم سييرا نيفادا، وقد قرأت بعض الكتب الإسبانية باللغة الفرنسية يقولون إن أحد جبالها اعتصم به أحد الفرسان العرب أو بعضهم بعيدًا عن الإسبان، وعاشوا به أجيالًا عديدة، كان الإسبان يخشون بأس هذا الفارس أو هؤلاء الفرسان العرب الملثمين الذين يحتمون بالجبال، ويغيرون من حين لآخر على القرى، ولا يستطيع أحد أن يقف في وجوههم، وهناك قصص كثيرة عن هذا الجبل، وعن الفارس العربي الذي عاش فيه مدة طويلة، وطبعًا هذه القصص فيها شيء من الحقيقة ولكن فيها كذلك بعض المبالغات كما في قصص أبي زيد الهلالي، وغيره من القصص الشعبية عندنا.

آثار العرب مازالت شاهدة

وتمتاز غرناطة عن قرطبة بأنها مملوءة بأماكن للهواء والغناء والرقص الغجري Gipsy، وفي قصور الحمراء تلك الحدائق الشهيرة التي ما زال الإسبان يعنون بها، وكانت تحمل في العهد العربي اسم جنان العريف، وحرف هذا الاسم فأصبح بالإسبانية Generalife، وبعد غرناطة توجهنا إلى ساحل الشمس وهو الساحل الجنوبي لإسبانيا أو الأندلس وعاصمته هي ملقا وهو اسم عربي بالطبع، وهي ميناء على البحر الأبيض المتوسط يحيط بها في الشمال وفي الجنوب، كلها شواطئ سياحية أصبحت قبلة لجميع السياح من جميع أنحاء العالم، وما تزال حتى اليوم، ومنهم الكثير من العرب الذين اشتروا أملاكًا هناك كما هو معروف، وبعد زيارة ملقا ذهبنا جنوبًا إلى الجزيرة الخضراء، هذا هو اسمها العربي الذي تحمله حتى اليوم، وهي آخر مدن إسبانيا المطلة على خليج جبل طارق وتحتفظ باسمها العربي حتى الآن، إنما ينطق بالإسبانية «الخثيراس»، وقد عقدت فيها معاهدة مشهورة في تاريخ المغرب بين المغرب ودول أوروبا، وفي هذه المدينة الجميلة المطلة على جبل طارق وقفت أتأمل مضيق جبل طارق الذي عبره الجيش الإسلامي من ساحل إفريقيا إلى أوروبا.

وذهبنا إلى زيارة مدينة جبل طارق التي يحتلها الإنجليز، وغيروا معالمها، وأبادوا الإسبان منها- كما أباد الإسبان المسلمين- وحملوا إليها مهاجرين من كل جنس ولون، وأغلبهم من الإنجليز ومستعمراتهم، وخاصة من الهنود واليهود، وهي مدينة ضيقة وتزداد ضيقًا كلما مر عليها الزمن، وإسبانيا تطالب بها، ولا تزال حتى الآن، ولكن الإسبان كأفراد يعتبرونها منطقة حرة للتسوق يخرجون لشراء الأشياء التي لا يجدونها في بلادهم وكذلك السياح، لأنها عبارة عن صخرة لا يسمونها مدينة بل يسمونها صخرة جبل طارق، وفيها حصون من أيام العرب، وفيها حصون أيضًا جديدة استحدثها الإنجليز، فضلًا عن الميناء الحربي الذي تأوي إليه البوارج والسفن الحربية الإنجليزية التي تستغل هذا المضيق على حساب الإسبان وعلى حساب العرب أيضًا، لأنه كان في الأصل مضيقًا عربيًا من شطريه ومازال مضيقًا عربيًا على الأقل من الشاطئ الإفريقي، ومن جبل طارق رأينا الشاطئ الإفريقي شاطئ طنجة، بل وسبتة أيضًا، وهنا قلت لحافظ إبراهيم إنني أريد أن أعبر البحر إلى طنجة، وقد جئت من أجل هذا، ففزع وقال: كيف تريد أن تذهب إلى طنجة وأنت إذا خرجت من هنا لا تجد تأشيرة للعودة إلى إسبانيا، وكيف تذهب من طنجة إلى مرسيليا أو إلى فرنسا وهذه تعقيدات أنت غير مستعد لها، وصار ينصحني بالعدول عن هذه الفكرة، ويقول: ستجد مشاكل ومشاق، ولا تعرف ماذا يفعل بك الإسبان والفرنسيون في طنجة، وأنا أنصحك أن تعود معي، وصار يزين لي العودة إلى مدريد معه، ويعدني بأن نتمم الجولة السياحية، ولكنني قلت له: إنني صممت على أن أذهب إلى طنجة لزيارة السيد علال الفاسي وإخوانه هناك.

العبور إلى طنجة

صممت على أن أترك صديقي حافظ إبراهيم، يعود وحده إلى مدريد، وأجتاز وحدي جبل طارق إلى مدينة طنجة، وأحرق مراكبي كما حرق طارق بن زياد مراكبه عندما عبر من الاتجاه الآخر من الشاطئ الإفريقي إلى الشاطئ الإسباني، لم يكن معي تأشيرة للعودة إلى إسبانيا، ولا أعرف كيف أعود إلى باريس إذا لم يعطني الإسبان التأشيرة للعودة بالقطار، رغم ذلك كله فقد كنت سعيدًا لأنني ركبت هذه السفينة التي تخرج بي من أوروبا إلى إفريقيا، وأن أذهب إلى أحب البلاد الإفريقية إلي، وهي شمال إفريقيا، وأولها مدينة طنجة، ولا أخفي أنه كانت تراودني فكرة أن أحاول أن أتسلل من طنجة إلى داخل المغرب الأقصى تحت الاحتلال الإسباني والفرنسي، كما تسللت من قبل إلى تونس، بل ربما الجزائر تنفيذًا للوعد الذي قطعته على نفسي.

على ظهر السفينة كانت لي فرصة أن أستذكر ما سمعته من «حافظ إبراهيم» عن حياته في تونس وفرنسا ثم إسبانيا، كان قد ولد بإحدى قرى تونس واسمها «أكودة»، وكان يردد هذه الكلمة: «إن أكودة هي أحسن بقعة في العالم كله، لأن أمي قد دفنت فيها».

وكان يحب أمه وأباه الذي كان من شيوخ الزيتونة، ويسمى الشيخ راجح إبراهيم، وقد سماه حافظ إبراهيم، لأنه كان أديبًا، ويحب الشعر، وتيمن باسم حافظ إبراهيم، وفعلًا كان حافظًا أديبًا رغم أنه ذهب لدراسة الطب في فرنسا، إلا أنه كان يعني بالشعر العربي وبالأدب العربي والفرنسي، ثم الإسباني فيما بعد، كما يعنى بالموسيقى أيضًا، والموسيقى الكلاسيكية كان يحبها، ويعجب بها، ويقول: العرب يقضون تاريخهم كله في القتال والفتح والأوروبيون سبقونا في الموسيقى، مع أنها من أهم الأمور في حياة الإنسان، وهكذا كان يتلمس من حين لآخر الأسباب لنقد العرب، ويؤكد أن أنانية الأفراد وجشعهم وحبهم للترف واللهو، كان السبب في انهيار دولتهم بالأندلس، وكان كل نقده للماضي، أما الحاضر فكان بينه وبينه حاجز هو حاجز العزلة التي فرضت عليه في إسبانيا، وكان يذكر لي أن بعض زملائه من التونسيين الذين كانوا يقيمون في فرنسا معه قد ذهبوا إلى ألمانيا أثناء الحرب، وتعاونوا مع المفتي الحاج «أمين الحسيني»، وكان عندهم آمال كثيرة في أن الألمان سوف يعلنون استقلال أفريقيا الشمالية بعد احتلال فرنسا، وكان المفتي عنده هذا الأمل.

ولكن بكل أسف الألمان غلبت عليهم الغطرسة الجرمانية، والنزعة الصليبية أيضًا، لأنهم مازالوا صليبيين مثل غيرهم من شعوب أوروبا، فرغم أنهم احتلوا فرنسا، وفرضوا عليها الهدنة، فإنهم لم يقولوا كلمة واحدة تدل على أنهم يؤيدون مطالب الشعوب العربية في الاستقلال، وكان هذا أسوأ ما لاقاه العرب الذين غرتهم الدعايات الألمانية وتفاعلوا لانتصارات الألمان على الغربيين، وقال إن هؤلاء التونسيين، وعلى رأسهم الحبيب ثامر من أصدقائه وزملائه، جاءوا أيضًا هاربين إلى إسبانيا، ولكنهم كانوا في طريقهم إلى مصر بوساطة الجامعة العربية وعبدالرحمن عزام بالذات، وقال إنهم حاولوا إقناعه بالذهاب إلى مصر معهم، ولكنه رفض أن يترك البلاد التي آوته، وعاش فيها آمنًا، ولا يعرف ماذا سيحدث له في البلاد التي مازالت تحت الاحتلال، وستزداد الصعوبات لمن يلجأ إليها، وازدادت الصعوبات فعلًا بعد نهاية الحرب والشاهد على ذلك هو ما يحدث في فلسطين وما سيصيب الفلسطينيين، وكل من أيدوهم أو تعاونوا معهم أو نصروهم، وبالطبع تكلمنا عن الإخوان المسلمين، وكانت معلوماته عنهم محدودة جدًا، ولم يسمع عنهم كثيرًا، لأن هذا الموضوع لا يرد في الصحافة الإسبانية، وإنما كانت بعض الصحف الفرنسية تصله وكان فيها بكاء الفرنسيين على زوال الاحتلال الفرنسي لسوريا ولبنان، ورغم سخطه على العرب إلا أنه كان يسر بكل ما يصيب الفرنسيين من هزائم، ويتمنى أن تزول فرنسا من على ظهر الأرض.

رغم سعادتي بصحبة صديقي حافظ إبراهيم، وحبي لأحاديثه، وإخلاصه في نصيحته لي بعدم المغامرة بالخروج من إسبانيا إلى طنجة، وتوقعه أن يجر ذلك علي مشاكل ومتاعب أنا في غنى عنها، فإن ذلك كله لم يمنعني من الإصرار على هذه المغامرة، وكانت مغامرة فعلًا كما تبين لي فيما بعد، لكني -والحمد لله- ما زلت أعتز بها، وأحفظ لها أعز الذكريات التي أرجو أن يشاركني القارئ في التمتع بما أذكره له عنها، لأنني كان عندي الأمل الذي كان يبلغ قرينة اليقين في أنني سوف أزور أرض المغرب، وأرى شعب المغرب في بلاده كما رأيت تونس وشعبها من قبل، ولا يبقى بعد ذلك إلا أن أزور الجزائر، ركبت السفينة التي تجتاز مضيق جبل طارق لتنقلنا من أوروبا إلى إفريقيا، ذكرتني بالسفينة التي ركبناها من مرسيليا إلى تونس قبل عامين لكنها كانت أصغر، وكنت وحيدًا بعدما تركت صديقي حافظ إبراهيم غاضبًا علي، وكانت المسافة التي يقولون إنها ثلاثة عشر كيلومترًا فقط، ومع ذلك قطعتها في ساعتين ونصف، كان عندي فرصة لاستعادة كثير من الذكريات شغلتني عن التفكير فيما سوف أفعله بعد وصولي، كنت أشعر أنني مسير يستهويني نداء في نفسي لكي أزور إفريقيا، بعد أن رأيتها من الشاطئ الإسباني.

الرابط المختصر :