العنوان (الجزائر) صفحات من دفتر الذكريات.. طريق الجزائر (1)
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1994
مشاهدات 80
نشر في العدد 1103
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 14-يونيو-1994
منذ أن كشفت نتائج الانتخابات البلدية في
تركيا عن نجاح باهر لحزب الرفاه الإسلامي رددت كثير من الصحف وأجهزة الإعلام
العالمية «مخاوفها» من أن تركيا تسير في «طريق الجزائر».. فما
طريق الجزائر في نظرهم؟
طريق الجزائر يقصدون به الطريق الذي يؤدي إلى
انتصار دعاة الدولة الإسلامية على من يتمسكون بشعارات «الدولة
الوطنية» أو «القومية»، وهم يعتقدون أن الجزائر هي أول دولة قومية يعلن
فيها الشعب بالطريق الديمقراطي والانتخابات الحرة مطالبته بالدولة الإسلامية.
وكثيرون لا يعرفون الذي سارت فيه ثورة الجزائر
لترفع الشعارات الإسلامية بدلًا من الشعارات القومية، وما دور التيار الإسلامي في
ذلك، ولدينا بعض المعلومات التي يمكن أن تفيد القارئ نعرضها في هذه المذكرات.
أول هذه المعلومات أن طريق الجهاد الجزائري
الذي أدى إلى انتصار التيار الإسلامي- قد بدأ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية
بعد حوادث سيطف الدامية في 8 مايو 1945م، وسيرى القارئ أنني كُلفت
من الإخوان المسلمين منذ ذلك التاريخ بالعمل على توثيق علاقات التعاون بينهم وبين
الحركات الوطنية في الجزائر وجميع أقطار إفريقيا الشمالية، وأن خطواتي في هذا
الطريق سوف تكشف للقارئ الأسباب التي جعلت الإسلاميين يعتبرون الكفاح الوطني مرحلة
من مراحل الجهاد الإسلامي، تستلزم التعاون الوثيق بينهم وبين الأحزاب الوطنية التي
كانت ترفع شعارات القومية أو الاشتراكية أو العروبة.
كما أن القارئ سيجد في هذه المقالات أن
التعاون قد توقف في المرحلة التي بدأت بالاستقلال الوطني لسبب واضح، هو أن كثيرًا
من هؤلاء الوطنيين أو القوميين حصروا وطنيتهم في إطار قطري ضيق، أو عربي
محدود، في حين أن الإسلاميين يعتبرون أوطان العالم الإسلامي كلها وطنًا لهم، ولذلك
أن كفاح جميع أبناء الشعوب الإسلامية في نظرهم هو كفاح مشترك، غايته تحريرها
جميعًا، وفي مقدمتها شعب فلسطين، وأن هذا التضامن بين شعوبنا جميعًا في نضالها
وجهادها أساسه وحدة الأصول العقيدية والثقافية والتاريخية، وهدفه إتمام هذه الوحدة
في شمولها وعمومها.
وسوف يجد القارئ من هذا العرض الذي نقدمه أن
دور الفكر الإسلامي والعقيدة الإيمانية في جهاد شعوبنا من أجل التحرر الكامل يقوم
على تضامنها ووحدتها، وأن هذه الوحدة هي التي أوجبت على الإسلاميين المشاركة
الكاملة مع جميع الوطنيين، بل تتقدم صفوفهم للتضحية والاستشهاد في ميدان الفداء
والمقاومة للعدو الأجنبي من أجل الحصول على الاستقلال والتيارات القومية، بدأ بعد
الاستقلال القطري؛ لأن كثيرين قد قنعوا بهذا الاستقلال، وأقروا بالتجزئة القطرية
التي فرضها الاستعمار على شعوبنا.
إن هذا الخلاف قد تحول إلى عداء من جانب
الوطنيين الذين أفزعهم التأييد الشعبي الذي يتمتع به التيار الإسلامي، وظنوا أنه
تهديدًا لما حصلوا عليه من مكاسب ومغانم الاستقلال القطري، وصار بعضهم يتهم
الإسلاميين بأنهم يهددون النظم الوطنية، ويسعون للقضاء عليها.
والحقيقة التي غابت عن أمثال هؤلاء هي أن هذه
النظم القطرية ولو وصفت نفسها بأنها وطنية، إلا أنها غير قابلة للبقاء؛ لأنها
عاجزة عن تحقيق أهداف شعوبنا في التضامن والتعاون من أجل التنمية الاقتصادية
والقوة العسكرية والوحدة السياسية التي تجعل أمتنا الكبرى تحتل المركز اللائق بها
في الساحة العالمية، وتقوم بدورها الرائد في بقاء مستقبل الإنسانية، وأن شعوبنا
لذلك تمنح ثقتها للتيار الإسلامي، ولابد حتمًا أن تتصرف عن جميع الحركات التي لا
تؤمن بالوحدة الشاملة للعالم الإسلامي، ولا تعمل لها أو تقاوم من يدعون للإسلام
وتطاردهم بتحريض وتشجيع القوى الأجنبية الطامعة، التي لها مصلحة في بقاء التجزئة
المفروضة على المنطقة، والتي تجعل هذه الدول القطرية عاجزة عن توفير الغذاء أو
مطالب العيش لشعوبها، وعاجزة عن بناء اقتصاد كبير متكامل يغنيها عن المساعدات التي
يتخذها أعداؤها وسيلة لإذلال شعوبنا، والاستيلاء على ثرواتها، والقضاء على ذاتيتها
وأصالتها.
إن زوال النظم القطرية أصبح في نظر الكثيرين
حتمية تاريخية لا جدال فيها، وليس أمام شعوبنا في المستقبل إلا أن تبني وحدتها
ومستقبلها في هذه الوحدة الشاملة التي تذيب هذه النظم القطرية وتدمجها في تجمع
يتجاوز الساحة القطرية والعربية، ويشمل العالم الإسلامي المتحرر كله بدلًا من أن
تذوب في مستنقع السيطرة الأجنبية التي يرد أعداؤنا فرضها على شعوبنا واحدًا بعد
الآخر تحت ستار المنظمات التي يسيطرون عليها سواء كانت تحمل طابعًا إقليميًا أو
عالميًا، يمكن أعداءنا من الهيمنة الكاملة على منطقتنا وأمتنا.
من حسن الحظ أن الكثيرين ممن كانوا مقتنعين
بالأهداف الوطنية القومية أو الاشتراكية- قد حولوا وجهتهم فعلًا إلى الأهداف
الإسلامية، وفي مقدمتهم كثير من المفكرين اليساريين والعرب الذين لم يترددوا في أن
يسيروا مع جماهير شعوبهم التي اختارت طريق الأصالة الذي هو «طريق الجزائر».
الخلاصة إذن أن طريق الجزائر هو طريق الأصالة،
وأنه مفتوح لجميع المؤمنين بمستقبل أمتنا بعد انتهاء مرحلة القوميات القطرية أو
العربية، وأن النظم الوطنية لا يجوز أن تجعل هدفها مقاومة هذه المسيرة التي تفتح
أمام أمتنا طريق المستقبل الذي يتناسب مع أمجادها التاريخية وجهادها وتضحياتها
للدفاع عن ذاتيتها وأصالتها ووحدتها.
(*) أستاذ القانون الدولي
السابق بجامعة القاهرة.