العنوان صفحات من دفتر الذكريات طريق الجزائر (۹۸) المهمة الصعبة
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مايو-1996
مشاهدات 85
نشر في العدد 1201
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 28-مايو-1996
لقد كانت مهمتي صعبة، وخصوصًا فيما بين المصريين فإن الظروف قد تغيرت منذ غادرت مصر سنة ١٩٥٩م، ومنذ ذلك الوقت مضت سبع سنوات اشتدت فيها قبضة الحكم العسكري، وتوالت الشدائد، وعرف كثيرون مدى صحة المثل القائل: "عند الشدائد تعرف معادن الرجال"
لقد استطاعت الحكومة الناصرية وأجهزتها المتعلقة بالمخابرات والمباحث أن تجند أعدادًا ضخمة من الموظفين والمثقفين وأصحاب المهن الحرة، ولا شك أن منهم كثيرين يعرفونني، ولذلك فقد لفت دخولي إلى الفندق أنظار عدد كبير منهم ووقفت أتأمل هذا العدد الضخم ولاحظت كثيرين يتهامسون أو يتلفتون.
كانوا في هذا الوقت يستعدون للغداء ووقعت عيني على المائدة الرئيسية التي يجلس. عليها كبار المحامين وكبار رجال القضاء وأساتذة الحقوق الذين يعتبرون محامين أيضًا لذلك جاءوا في هذه الرحلة وكلهم جاءوا في ذلك الوقت على نفقة الدولة التي خصصت لهم طائرة خاصة ضخمة، وعلمت أن عدد الذين احضرتهم تلك الطائرة من مصر يتجاوز الثلاثمائة وبعضهم ليسوا محامين، بل لهم مهام أخرى.
على المائدة الرئيسية كان يجلس عدد كبير من زملائي من أساتذة الحقوق وخريجيها وعرفوني وقاموا جميعًا للسلام على بحماس واندفاع عاطفي قبل أن يفكروا في الظروف التي تحيط بي وبهم، ولا في المهمة التي جئت من أجلها والتي قد تتعارض مع الأهداف التي جيء بهم من أجلها.
أذكر أن من بين من سارعوا للقائي عميد كلية الحقوق في ذلك الوقت المرحوم الدكتور جابر جاد عبد الرحمن، والنائب العام، أو المحامي العام في ذلك الوقت الأستاذ محمد سلامة، وبعض مستشاري، محكمة النقض والاستئناف وأغلبهم من دفعتي أو من دفعات قريبة منها، وكان هناك أيضًا الدكتور حامد زكي الذي كان استاذًا لي ثم زميلًا في كلية الحقوق، ونقيب المحامين في ذلك الوقت الأستاذ مصطفى البرادعي، وأصروا على أن أجلس معهم وأتناول الغداء على مائدتهم، وقد أثار ذلك انتباه المحامين وغيرهم من الرقباء المكلفين بإحصاء الأنفاس واصطياد الكلمات وتسجيلها. لكي يحصلوا بها على حظوة لدى السادة المسيطرين على الأجهزة التي تتابع نشاط المؤتمر وتهتم بتقصي نشاطات كل فرد من الحاضرين ومعرفة اتجاهاته وإحصاء حركاته وسكناته بقصد محاسبته عند عودته أو معاملته على ضوئها في الداخل أو الخارج.
كان الحديث على المائدة عامًا عن القانون والحقوق والمغرب التي انتقلت إليها وعملي كمستشار في المحكمة العليا بالرباط وغير ذلك من المسائل القانونية، ولم أذكر لأحد منهم مرادي من هذه الزيارة، وقلت لهم إنني حضرت المؤتمر باعتباري محاميًا مقيدًا في نقابة المحامين المصرية، وبدأت إجراءات التسجيل في اليوم التالي على هذا الأساس.
بعد أن قمت بالإجراءات اللازمة لتسجيل اسمي كمحام مصري مشترك في هذا المؤتمر بدأت بنقيب المحامين المصريين في ذلك الوقت المرحوم الاستاذ البرادعي، وأفضيت له بمهمتي وطلبت منه أن يعاونني في الاتصال ببعض المحامين العرب الذين يرى أنهم أهل للقيام بالدفاع عن سيد قطب، والذين لديهم الاستعداد لذلك، ثم ذكرت له عرضًا بأن عددًا من المحامين سيتقدمون باقتراح إلى هذا المؤتمر لاستصدار قرار بحق أي محام عربي من أي بلد عربي مقيد بنقابة من نقابات المحامين المشتركة في هذا المؤتمر في أن يتولى الدفاع عن المتهمين في القضايا السياسية في أي بلد عربي آخر، وكان الرجل يفهم الوضع فهمًا جيدًا، فأيد هذه الفكرة، وقال إنها ستعجب المحامين المصريين لأنهم قد يشعرون ببعض الحرج في التصدي لهذه المهمة، كما يعجب غير المصريين إذ يجدونها فرصة لتوسيع نشاطهم ورفع أسهمهم في بلادهم وغيرها، ولذلك فإنه لن توجد صعوبة كبيرة في الموافقة على هذا القرار، وفعلًا اتفقت مع أحد المحامين السوريين على تقديم هذا الاقتراح والدفاع عنه في اللجان، وأرشدني الأستاذ البرادعي إلى عدد من كبار المحامين الحاضرين في المؤتمر لأتكلم معهم، وكان كلامي عن مدى استعدادهم للذهاب إلى مصر للدفاع عن الإخوان المسجونين، وعن سيد قطب بالذات، وبعضهم كان يعتذر، وبعضهم كان يوافق مبدئيًا ولكني كنت أذكر لهم عرضًا أنه لابد أن يتعرض المؤتمر لهذه القضية، ويصدر قرارًا إجماعيًا بحق المحامي العربي في أن يترافع في أي بلد عربي على الأقل، في القضايا السياسية التي يحتاج فيها المتهمون إلى مساعدة محامين من خارج بلادهم بسبب الظروف التي يتعذر فيها عليهم الاستعانة بمحامين من بلادهم، وقد راحت هذه الفكرة وشاعت وتحمس لها كثير من المحامين الحاضرين خصوصًا المحامين الممثلين لليسار والبعث، لأنه في ذلك الوقت كانت هناك محاكمات في بعض البلاد العربية لمن ينتمون لهذه الاتجاهات.
أما المحامون الموالون لأجهزة الحكم في مصر الذين يتابعون تحركاتي وتنقلاتي ويتابعون الموضوعات التي تهم الحكومة المصرية، فإنهم حاولوا مقاومة هذه الفكرة أو الاعتراض عليها ولكنهم وجدوا تيارًا حماسيًا لتأييدها لدى زملائهم المحامين العرب، فلم يجرؤ واحد منهم على الاعتراض على هذا القرار، وصدر القرار إجماعيًا من المؤتمر بالموافقة على الاقتراح، وكان هذا نجاحًا عظيمًا، غادرت القدس ومعي ذكريات لا يمكن أن أنساها، حملتها معي، ومازلت أعتز بها، ومنها أن الأستاذ مصطفى البرادعي بعد صدور هذا القرار التقيت به وسألته عما إذا كان القرار سينفذ في مصر، قال لي فيما يخصني شخصيًا ويخص النقابة فإنني أتعهد لك بأن أي محام عربي ترسله إلى مصر بخطاب منك ويحضر إلي في النقابة، سأذهب معه بنفسي إلى المحكمة لكي أقدمه لها وسأساعده في ذلك، فشكرته على ذلك كثيرًا.
نجحت في مؤتمر القدس في إقناع كثير من المحامين العرب أن يذهبوا إلى مصر للدفاع عن سيد قطب والإخوان
نوع آخر
من هذه الذكريات أيضًا أنه في يوم الجمعة قبل افتتاح المؤتمر، ذهبت مع مرافقي إلى صلاة الجمعة في المسجد الأقصى وكانت هذه هي المرة الثانية في حياتي التي دخلت فيها هذا المسجد كانت المرة الأولى عندما ذهبت لزيارة الأردن مع الوفد الجزائري الذي كان يرأسه صديقي المرحوم محمد خيضر في أواخر عام ١٩٦٢م، ولذلك مازلت أذكره، وأذكر الساعة التي رأيته فيها وجلست أتأمل من خلاله تاريخ هذه الأمة والأحداث التي مرت به وخصوصًا في عهد الصليبيين وتساءلت عما إذا كان سيلقى أحداثًا تماثلها من الغزو الصهيوني، وفي غمرة هذه المشاعر قضيت الصلاة وخرجت وأنا أفكر في هذه الأمور، ولكن كان هناك أشخاص يفكرون في أمور أخرى صغيرة بكل أسف.
عندما خرجت من باب المسجد وقفت أنتظر رفيقي، وفوجئت باثنين من كبار أعضاء الوفد المصري، وأحدهما الدكتور حامد زكي الذي كان أستاذي ثم زميلي في كلية الحقوق والثاني كان مستشارًا في القضاء وهو الأستاذ وهبة البدوي الذي عرفته عندما كنت أعمل في النيابة زميلًا لصهره الذي كان عضوًا معي في نيابة المنصورة الكلية، حياني الدكتور حامد زكي وقال إنه سعيد بلقائي، ولكن لديه كلمة يريد أن يحدثني بشأنها وحدي، فقلت له مرحبًا، وتركت مرافقي ينتظرني عن بعد، قال لي: إنني أفهم أنك مهتم بما حصل للإخوان المسلمون في مصر، ومتأثر بذلك، وترى من واجبك أن تسعى من أجل مصلحتهم، وما دام هذا عرضك فإنني أرى أن أي شيء تقوم به في هذا المؤتمر، سوف يغضب السلطات المصرية ويدفعها إلى الانتقام، وربما لا يستطيعون أن ينتقموا منك شخصيًا في نظرك فأخشى أنهم سينتقمون من المعتقلين والمسجونين من أصدقائك وإخوانك وأنت تعرف ما يحدث لهم، ولا تريد أن تكون سببًا في زيادة سوء حالهم، ولذلك فإنني أرى أنه يحسن ألا تقوم بأي نشاط في هذا المؤتمر، وحبذا لو تركته وعدت من حيث جئت لأن وجودك سيضايق بعض المسؤولين في مصر، وأيده في ذلك المستشار وهبة البدوي، فقلت لهما: إنني عضو في المؤتمر كغيري، وكل ما أفعله هو أن أعبر عن أرائي كما يعبر غيري عن رأيه، فإذا كان هناك من يغضبون من أرائي فإنهم يعرفونها من قبل، وعملي هذا لن يضيف إليها كثيرًا، وإذا كانوا سينتقمون منى أو من غيري فهذا معروف ونحن جميعًا نعرفه مسبقًا ومستعدون له، وأشكركما على هذه النصيحة، وتركتهما وعدت إلى زميلي الفلسطيني الذي كان يرافقني، وقد حز ذلك في نفسي لأنني احسست أنهما ما قالا هذا الكلام لوجه الله وإنما طلب منهما أن يبلغاه لي.
هذا كان في يوم الجمعة قبل افتتاح المؤتمر أما لقائي مع الأستاذ البرادعي فكان بعد انتهاء المؤتمر، وقد قارنت بين الموقفين ومازلت أشعر بالفرق بين الأشخاص الذين لهم همم تساعدهم على مواجهة الأحداث والدفاع عن أرائهم، وبين أولئك الذين وصفهم الله سبحانه وتعالى في آخر سورة من القرآن الكريم بأنهم ضحايا الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس.
دخلت المسجد الأقصى للمرة الثانية في حياتي وجلست أتأمل من خلاله تاريخ الأمة والأحداث التي مرت به.
(*) أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل