; صفحات من دفتر الذكريات: طريق الجزائر «۹۷»- الزيارة الأولى لمدني وبلحاج | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات: طريق الجزائر «۹۷»- الزيارة الأولى لمدني وبلحاج

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1996

مشاهدات 68

نشر في العدد 1222

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 22-أكتوبر-1996

صباح الإثنين 5/١٢/١٩٩٤م قمت مع د. زبير، والشيخ عبد الله بأول زيارة للشيخين عباس مدني وعلي بلحاج في المنزل الذي فرضت عليهما فيه الإقامة الجبرية تحت حراسة مشددة، حولتها إلى ثكنة عسكرية.

قبل الزيارة اتفقنا على ما يمكنني أن أقوم به، وهو أن يكون هدفي هو دراسة الأوضاع من جميع جوانبها، وأن يكون دوري محصورًا في الحديث مع الشيخين وأنصارهما، وغيرهم من ذوي الفكر والرأي على أن يتولوا هم مواصلة الحوار مع من يمثلون السلطة والحكومة، وهو ما بدؤوه منذ الزيارة السابقة للدكتور زبير، ولم أشارك فيه....

أثناء هذه الزيارة الأولى كنت مستمعًا، وقبل أن تبدأ الحديث أشار الشيخ عباس إلى السقف والحوائط بما يفهم منه وجوب الاحتراس، لأن هناك أجهزة تصنت وتسجيل لكل ما يقال، لذلك قصرت حديثي على الموضوعات العامة التي عالجتها في كتبي التي حملت لهم منها نسخًا. وخاصة «فقه الشورى»، و«فقه الخلافة»، كما لاحظت أنهما من جانبهما صمما على عدم قبولهما لأي تنازل قبل الإفراج عنهما، والتشاور مع إخوانهما في الخارج والداخل.

بدأ الحديث الشيخ عباس بقوله:

١ - إن المشكلة الكبرى هي انعدام الثقة بين الطرفين، بصراحة نحن لا نثق بهم؛ لأننا ما زلنا رهائن لديهم في هذا المكان- ولا نعرف ماذا يفعلون بنا في النهاية- إنهم يريدون منا أن نعلن استنكارنا لأعمال ينسبونها للذين يقاومون السلطة من أجل حق الجبهة في الشرعية، وحقنا في الحرية، دون أن يكون لدينا أي وسيلة المعرفة حقيقة هذه الأفعال، وحقيقة من ارتكبوها، ولا أي ضمان لحسن نيتهم، لأن أي تصريح يأخذونه منا يمكن للسلطة أن تستغله في دعايتها لإحداث خلخلة وخلافات داخل صفوف الجبهة، ونتيجة ذلك هي شق الجبهة الإسلامية، وفتح باب الصراع بين من يسمونهم معتدلين، ومن يعتبرونهم متطرفين، ليستطيعوا بذلك أن يقضوا على الطرفين، أو يقضي بعضهم على بعض، وهذا ليس وقفًا للعنف كما يدعون، بل هو زيادة فيه، واشتعال نار فتن جديدة يستفيد منها أعداؤنا الأجانب.

 ثم هم من جانبهم لا يثقون بنا، بدليل أنهم يرفضون أن يعيدوا لنا حقنا في الحرية، باعتبار أن هذا حق دستوري وطبيعي لنا باعتبارنا مواطنين في هذا البلد، بل إنني اقترحت أن يطلقوا سراح أحدنا ويبقوا الثاني رهينة- وهذا يكفيهم- لكنهم لا يجيبون، ويريدون أن نساعدهم في مخططاتهم للاستقرار في السلطة فقط، حتى دون الاعتراف للشعب بحريته في اختيار ممثليه في انتخابات حرة، هم أجروها، ثم انقلبوا عليها، وألغوها بدون حق.

 ۲- ليس هناك دليل على أن من يتحدثون معنا هم الذين يتخذون القرار، بل الظاهر أنهم رسل منفذون فقط، والذين يتخذون القرارات ويفرضونها عليهم وعلينا نخشى أنهم لا يريدون استقرارًا ولا نهضة ولا ديمقراطية ولا حرية في الجزائر، لكن الشعب يريد ذلك ويصر على الكفاح من أجله ونحن مع الشعب.

٣- هذه الفتن بدأت بعد اعتقالنا، ولو كانوا يريدون إنهاءها لأفرجوا عنا فعلاً، ما دام اعتقالنا هو سببها، لأنه إذا زال السبب يزول المسبب.

تكلم الشيخ عبد الله قائلاً: إن الرئيس زروال جاد في سعيه للمصالحة، وهذه فرصة يجب ألا نضيعها، قد يكون هناك عناصر في الجيش والسلطة- بل والمعارضة- تعمل لاستئصال المقاومة، بعضهم لا يقف عند حد السعي إلى إبادة العناصر التي تحمل السلاح، أو تمارس العنف، بل إنهم يريدون القضاء على التيار الإسلامي كلهـ ويدعون لذلك، بل إن بعضهم يريد أن يبدؤوا بالمعتدلين؛ ليتفرغوا بعد ذلك لمن يقاومون، لكنه واثق أن الرئيس زروال ليس من هؤلاء، ولذلك فإن من وجهة نظره أن بعض المرونة يمكن أن تساعد الرئيس على فرض اتجاهه وسیاسته.

ورغم أنني لم أكن أريد إبداء رأيي في الموضوع؛ إلا أنني قلت: إن مجرد إصدار بيان لا يقنع المقاومين بوقف تلك الأعمال، بل لا بد من الحوار معهم لإقناعهم بذلك.

 وقال الشيخ علي بلحاج: إن من بالخارج لن يقتنعوا بما يعلنه معتقلون يعتبرونهم مكرهين، ليسوا أحرارًا في إعلان رأيهم، ومعرضين لضغوط السلطة، فما نعلنه في المعتقل هو رأي السلطة في نظرهم، وليس رأينا الحقيقي.

عند ذلك قلت للشيخ عبد الله جاب الله: ما داموا لا يستطيعون، ولا يريدون الدعوة للهدنة إلا بعد تحقق ضمانات معينة، تؤكد لهما حسن نية السلطة وجديتها، فعليكم أن تسعوا لإقناع المسؤولين بعمل شيء يقنعهم بذلك، وإذا قبلت الحكومة ذلك يمكن أن تقترحوا عليهما اتخاذ مبادرات محدودة، قد لا تصل إلى حد إحراجهم، مع إخوانهم الذين يقاومون من أجل تحريرهما.

وقال د. زبير: إن الحكومة تجد صعوبة في إلغاء قرار حظر الجبهة، ويعدون بالاعتراف بها تحت اسم آخر، كما أنهم يجدون صعوبة في العدول عن قرار إلغاء الانتخابات السابقة التي نجحت فيها الجبهة، ويقترحون إجراء انتخابات جديدة.

عند ذلك قلت له: إذا كانوا قد ألغوا نتائج الانتخابات السابقة؛ لأن الجبهة قد فازت فيها، فما هو الضمان لنا أنهم لن يلغوا الانتخابات القادمة إذا جاءت بنفس النتيجة؟ إلا إذا كانوا يدبرون خطة لتزويرها، كما ينصحهم بعض جيرانهم؟

وهنا طلب الشيخ عباس أن نخرج إلى الحديقة، وفهمت أنني تجاوزت الخط الأحمر، وأسفت لذلك.

في الحديقة دار حوار طويل.. واقترح الشيخ عبد الله أن نلتقي ببعض أنصارهما الذين أفرج عنهم، فوافقنا على ذلك، وتواعدنا على أن نعود لزيارتهما بعد ذلك، وأشار عليه بالاتصال بجدي ليرتب لهذا اللقاء.

الرابط المختصر :