; صفحات من دفتر الذكريات (٨٤) حوارات مع بن بيلا | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (٨٤) حوارات مع بن بيلا

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1996

مشاهدات 82

نشر في العدد 1187

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 06-فبراير-1996

لقد سررت عندما علمت أن صديقي القديم التيجاني هدام قد عين سفيرًا لبلاده في المملكة العربية السعودية، فسارعت للاتصال به تليفونيًا، وزرته في مقر سفارته في جدة «في ذلك الوقت».

كانت معرفتي به قديمة منذ كنت في باريس، ولكني لا أذكر أني التقيت به بعد الاستقلال، وقد أدى ذلك إلى نكتة طريفة، ذلك أنني قد نسيت صورته، ويظهر أنه كذلك قد نسى صورتي لأني صرت شيخا سعوديا، يختلف -بلا شك- عما كنت عليه في شبابي طالبا في باريس، وأذكر أنني عندما ذهبت إلى مكتبه كان واقفا بأعلى السلم ينتظر صعودي ليرحب بي، وكان بجواري ابن أخي أحمد المقيم بأمريكا، والذي كان في زيارة للعمرة، وقد أخذته معي ليتعرف عليه، وكان شاب أنيق يلبس «بذلة أمريكية»، أما أنا فكنت ألبس الثوب والعباءة والفطرة السعودية، لذلك لم يعرفني صديقي وانصرف عني متجها إلى ابن أخي الشاب يعانقه ويقبله قبل أن أقول له إنني «توفيق» ولما علقت على ذلك بقولي إنه كان يحيي شبابي كما عرفه، قال ويظهر لي أنني كنت أعانق شبابي لأنني ذهبت إلى أمريكا وقضيت مدة في دراسة الجراحة الدقيقة.

 طال بنا الحديث عن أوضاع الجزائر، وكان متفائلا بالدستور الجديد الذي أصدره الشاذلي بن جديد، وبعمله الدبلوماسي الذي يواصل فيه جهاده كمناضل قديم، وقد طلبت منه أن يزودني بنص هذا الدستور فأعطاني النص العربي والفرنسي، وأكد لي أنه يتميز عن الدستور السابق بالناحية الإسلامية، ولما عدت إلى منزلي وقرأته لم أجد فيه ما يؤكد تفاؤله الذي أبداه لي من الناحية الإسلامية، بل كان أهم ما فيه هو زيادة تركيز السلطة في يد الرئيس، ولا أثر لتأكيد التوجه نحو الإسلام الذي أشار له صديقي التيجاني، سوى ما ورد في المادة التاسعة، وأنه يشترط في رئيس الجمهورية أن يكون مسلم المادة (۷۰) ويتضمن اليمين الذي يؤديه: «أن يحترم الدين الإسلامي ويمجده ..» ولكنه نص صراحة في المادة (٤٠) على أن حق إنشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي «الأحزاب» معترف به.

بعد ذلك قرأت نقدًا عنيفًا لهذا الدستور الجديد في مجلة المجتمع، بتوقيع صديقي محفوظ نحناح، وعلمت أنه اعتقل بسبب ذلك وسجن كما سجن كثيرون من العلماء الذين احتجوا على هذا الدستور الذي خيب أمال الشعب المتعلق بالإسلام.

لقد تضاربت الأقوال عن القوى التي قامت بالدور الرئيس في إشعال روح الانتفاضة الشعبية التي أدت إلى الأحداث الدامية في مظاهرات الجزائر عام ۱۹۸۸م، لكن الظاهر أن الرئيس الشاذلي بن جديد أيقن أن الإسلاميين قاموا بالدور الأكبر، ذلك أنه كان قد انتهز فرصة الاضطرابات الطلابية في الجامعة لاعتقال أكبر عدد من الإسلاميين المعروفين وعلى رأسهم الشيخ سحنون، وكثير من العلماء، وأعضاء جماعة «الإخوان المسلمون» المعروفين لدى السلطة، لكنه اضطر بعد ذلك للإفراج عنهم والسير نحو تهدئة العواطف الإسلامية لدى الجماهير بإجراءات عديدة كان أهمها العناية بجامعة الأمير عبد القادر الجزائري في قسنطينة وتعيين صديقنا الشيخ محمد الغزالي مديرا لها، والتصريح بإنشاء جبهة الإنقاذ الإسلامية، وكان كل ذلك مشجع لرابطة الجامعات الإسلامية لعقد اجتماعها السنوي بتلك الجامعة باعتبارها عضوا بها، ودعيت لإلقاء محاضرة بها للمرة الثانية عام ١٩٨٩ م.

 كانت فرصة سعيدة لزيارة تلك المدينة الجميلة التي زرتها من قبل عام ١٩٧٤ م، وألقيت فيها محاضرة بدعوة من صديقي المرحوم الأستاذ مولود قاسم الذي كان وزيرا للتعليم الأصلي في ذلك الوقت، وكان له فضل كبير في دفع عملية التعريب، وإنشاء هذه الجامعة في عهد بومدين لم أفاجأ.

 بما حدث في الانتفاضة الشعبية بالجزائر العاصمة عام ۱۹۸۸م التي فرضت على الرئيس الشاذلي بن جديد أن ينهي سياسة احتكار حزب جبهة التحرير للحكم، ويفتح الباب للتعددية السياسية، ويسمح بإنشاء جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر لتكون أول حزب إسلامي معترف به في العالم العربي كله.

لقد كنت أتابع نمو المد الإسلامي الشعبي في الجزائر، وأرى صداه في اتجاه بن بيلا لإدخال الإسلام أساسًا برنامج حزبه الذي أنشأه في المنفى، كانت تصله تقارير دورية عن الأحوال في بلاده، وكان يؤكد لي دائمًا أن الشعب الجزائري لم يعد يقبل أي اتجاه يتحدى الإسلام أو يبعده عنه، وأنه يسير نحو ثورة جديدة تماثل ثورة التحرير الأولى، لكنها هذه المرة ستكون ثورة إسلامية، وأنه يعد حزبه لتكوين إطاراتها ويعد نفسه لقيادتها.

حوارات مع بن بيلا

لقد تكررت زياراتي لصديقي بن بيلا في منزله في باريس أولًا، ثم في لوزان بعد ذلك وكنت أقضي معه أطول وقت ممكن استمتع بالحديث معه، وكان الحديث معه دائمًا عن الإسلام وأوضاع الجزائر، وكنت أحس أن انفتاحه على الفكر الإسلامي يزداد في كل مرة عن الأخرى، وفهمت منه أن الشعب الجزائري ينمو سخطه على النظام الحاكم واحتكار الحزب الواحد للسلطة، وأن أماله وعواطفه تتجه دائمًا نحو الإسلام وأنه سعيد لذلك رغم أنه مازال يعلن تعلقه بالفكر الاشتراكي، إلا أنه يرى أنه لا تعارض بين ذلك وبين الإيمان بالإسلام والالتزام به كعقيدة وفكر، وأن إبعاد الاشتراكية عن الإسلام هو الذي مكن لنظام الحزب الواحد من أن يصبح أداة للطغيان والفساد في بلاده.

سمعت كثيرًا من بن بيلا، وقرأت له ما اقنعني بإيمانه بقرب الثورة الإسلامية في الجزائر وإيمانه بأن يواصل كفاحه السياسي القيادة تلك الثورة التي ظهر لي أنه يهيئ نفسه لها حتى صرت أتمنى ذلك، وأذكر أنني في إحدى المرات عندما أعطاني مجموعة من أعداد مجلته، وكان اسمها «البديل» اقترحت عليه أن يغير اسمها ويجعلها «البديل الإسلامي»، وقد أبدى سروره بهذا الاقتراح واقتناعه به ووعد بتنفيذه، ولكني لما عدت لزيارته بعد ذلك لاحظت أن وعده لم ينفذ، وسألته عن السبب فقال إن «الإخوة» رأوا أن الوقت غير مناسب لذلك ويكفينا ما بداخل المجلة دون حاجة لتغيير الاسم، وقد سألت نفسي مرارا عما إذا كان هؤلاء الإخوة هم مستشاروه في الماضي الذين جعلوا الاشتراكية بديلا عن الإسلام، وعما إذا كانوا قد رسموا له خطا أحمر لا يتجاوزه فيما يتعلق بالناحية الإسلامية.

 لقد بدأت أشك في أن الإخوة الذين يشير إليهم هم الذين يسيرون الحزب الجديد، وأن إخراجه من فرنسا وإبعاده إلى سويسرا ربما كان يقصده أو يستغله بعض أصدقائه الفرنسيين لاستعمال الأساليب التي استغلوها من قبل مع «مصالي حاج» الذي فرضوا عليه الإقامة الجبرية طوال حياته ليبقى أسير لمن يحيطون به ولتمكين جهات معينة من إدخال بعض العناصر لاختراق حزبه وتوجيهه لمصلحة قوى أجنبية في مسائل معينة -على الأقل- وبسبب ما أحسست به من ندم على عدم انتباهي لعلاقاته الأخرى عندما صحبته من المغرب إلى الجزائر وعملت معه ومع محمد خيضر في المكتب السياسي دون أن أكشف هذا الاختراق إلا بعد فوات الأوان، في المرة الماضية أصبحت هذه المرة أكثر حذرا بل وربما بالغت في الحذر والشك إلى حد الوسوسة التي أدت بي في النهاية إلى الانصراف عنه والاتجاه إلى الجزائر ذاتها عندما وجدت الفرصة سانحة المتابعة المسيرة التي أدت فعلا إلى ما كان يسميه بالثورة الإسلامية، ولكن بغير زعامته كما سنرى فيما بعد.

 كنت من جانبي أحمل إليه كثيرا من الكتب والمطبوعات الإسلامية من الشرق، ولكني كنت ألاحظ أنه أكثر تأثرا بما ينشر عن الإسلام باللغة الفرنسية من الأجانب الذين لا أثق بحسن نيتهم وأيقنت أن حوله جماعات توالي تزويده بها من فرنسا، وكان يشكو من تفرق حكام البلاد العربية، ومن اضطهاد حكام الجزائر والعالم العربي عمومًا لفكر الإسلامي، مع أنه هو الذي يزود الشعب بطاقة ثورية لا حدود لها كما دلت على ذلك الثورة الإيرانية، وكما تدل عليه التقارير التي تصله من الجزائر عن نمو التيار الإسلامي وخاصة بين أبناء الجيل الجديد من الأساتذة والطلاب والشباب عامة، وكنت أعتقد أن جهات عديدة لها مصلحة في تشجيع معارضته للنظام الجزائري، وأنها لذلك كانت تمده بكثير من التقارير التي مكنته من متابعة مسيرة المعارضة الإسلامية في الجزائر، ورغم صداقتي القديمة له إلا أنني في هذه الفترة كنت أكثر خشية من صلته ببعض الجهات التي لا أعرفها، وخاصة اتصالاته بالعناصر الفرنسية التي أيدته في المرة السابقة وساعدته في الوصول إلى السلطة والاستيلاء عليها بعد ثورة التحرير، وذلك بأساليب أدت إلى تمكين الاشتراكيين من جعل الحكم دكتاتورياً لا دينيًا أو علمانيًا، وكنت نادمًا لأنني لم أكتشف مدى علاقته بها في ذلك الوقت إلا بعد فوات الأوان، أي بعد أن صاحبته في دخول الجزائر وعملت معه ومع محمد خيضر في المكتب السياسي في الفترة التي أقمتها في الجزائر، وشاهدت فيها مراحل الخطة التي مكنته من أن يسبق الحكومة المؤقتة إلى الاستيلاء على السلطة وتسليمها للاشتراكيين الذين جنوا بذلك ثمار النصر الذي حققته الحكومة المؤقتة والمجاهدون باسم الإسلام، وباسم جبهة التحرير الوطني الجزائرية، إنه مكن للاشتراكيين أن يحتكروه وأبعدوا الإسلاميين الذين جاهدوا بفضل عقيدتهم الإسلامية التي تفرض الجهاد والاستشهاد المقاومة أعداء الدين والوطن، لقد تألمت عندما رأيت أن نظامه يسعى المحاصرة جمعية العلماء، وأنه اعتقل رئيسها الشيخ الإبراهيمي وسمح لإعلامه وحكومته بالتضييق على جمعية القيم.

في بداية مقابلاتي له بعد خروجه من المعتقل كنت اعتقد أن اهتمامه بالفكر الإسلامي فيه مجاملة لي لأنه يعلم أنني من «الإخوان المسلمون»، وتمشيًا مع أسلوبه الذي عرفته في إرضاء جميع من يؤيدونه مهما تكن معتقداتهم واتجاهاتهم، لكنني لاحظت أن ذلك أصبح محورًا رئيسيًا في دعايته ومنهجه الذي ينشره على أبناء الشعب الجزائري الذي يوجه إليه الخطاب سواء في منشورات حزبه أو الكتيبات التي يوزعها لتثقيف كوادره والمجلة التي ينشرها دوريًا لشرح برنامجه ومنهاجه لأبناء الجزائر وغيرهم ممن يتابعون تطور فكره ومعالم خططه المستقبلية.

ثورة الخميني:

منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران زاد تركيزه على الناحية الإسلامية وإبرازه لها في كتاباته وأحاديثه، وكان يحدثني كثيرا عن سروره بانتصار الإسلام في إيران، وإعجابه بشخصية الخميني، حتى قال لي ذات مرة إنه سوف يعود للجزائر قريب ليقود ثورة شعبية عارمة يمكنها أن تكتسح كل عناصر الفساد في المجتمع، وخاصة النظام الحاكم ورموزه وقياداته، وأنه يبشرني بأنه سيأتي قريب اليوم الذي يعود فيه لبلاده ظافرا حاملا علم الثورة الإسلامية في الجزائر كما حملها الخميني في إيران مع فارق واحد كان يؤكده دائما وهو عدم تمكين العلماء والفقهاء من السلطة، لأن هذه كانت نقطة ثابتة عنده منذ كان من مؤيدي حزب الشعب الذي أسسه مصالي الذي دخل أنصاره في معركة مع جمعية العلماء لإحكام سيطرتهم على الجماهير رافعين شعار الاستقلال الذي كان العلماء محظورا عليهم أن ينطقوا به وإلا أقفلت مدارسهم وحرموا من أي نشاط ثقافي للدعوة والتربية.

 كان بن بيلا يتوسع في شرح مظاهر الفساد الإداري والانحراف الذي جعل الشعب بكره الحكم القائم الذي يستغل رصيد جبهة التحرير الوطني ويرفع شعارها، وأن دكتاتورية الحزب الواحد باسم الاشتراكية مكنت عناصر الفساد والنفاق والاستغلال من الزحف على مراكز القوى حتى احتكرت مفاتيح السلطة، وأفسدت النظام كله، وكان نقده من هذه الناحية يوجهه بصفة خاصة إلى الرئيس الشاذلي بن جديد وحاشيته من كبار الضباط والمستورين وجماعات المنتفعين الذين يستغلون انفراد جبهة التحرير بالسلطة لتحقيق مطامعهم وأهوائهم وكان يشير -من حين لآخر- إلى أن شكوى الجماهير من الفساد الإداري والأخلاقي هي من أهم عوامل تأييدهم للتيار الإسلامي، وتزيد من تطلعهم إلى كل شعار يتصل بالإسلام لاعتقاد الجميع بأن مبادئ الإسلام وقيمه الأخلاقية والسلوكية هي وحدها التي يمكن أن تطهر المجتمع من عناصر الاستغلال والفساد.

(*) أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل