; صفحات من دفتر الذكريات ( ٥٣ ) الإسلام والاشتراكية في المغرب الأقصى | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات ( ٥٣ ) الإسلام والاشتراكية في المغرب الأقصى

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1995

مشاهدات 63

نشر في العدد 1155

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 27-يونيو-1995

  • قلت لرئيس وزراء المغرب الاشتراكية مجرد مبرر للاستبداد والإرهاب وأخشى أن تكون اشتراكيتكم بداية لطريق الدكتاتورية الناصرية

عقب وصولي للمغرب كنت ألتقي بانتظام بالسيد عبد الله إبراهيم –رئيس الوزراء– الذي سعى لدى الحكومة المصرية للسماح لي بالخروج من مصر وتصادف أن كان يسكن قريبًا من المنزل الذي سكنته، وكنت أتردد عليه وألتقي عنده بزملائه الذين انشقوا عن حزب الاستقلال وخاصة السيد عبد الرحيم بو عبيد -وزير المالية- في ذلك الوقت الذي كان له الفضل في حصولي على سكن حكومي، وكذلك الفقيه البصري، الذي كان يقيم في الدار البيضاء وزرته هناك في منزله الذي كان مركزًا للحركة الدائبة لاتحادالقوات الشعبية الذي أنشأته هذه المجموعة بعد انفصالها عن حزب الاستقلال، وكان يتردد من حين لآخر على رئيس الوزراء عبد الله إبراهيم في منزله بالرباط هو وزميله عبد الرحمن اليوسفي الذي كان له منزل في «طنجة»، ولكنه كان متفرغًا للنشاط الحزبي مع ابن بركة، وقد أصبح اليوم رئيس حزب الاتحادالاشتراكي بعد وفاة السيد عبد الرحيم بو عبيد.

في نفس الوقت كانت صداقتي مع السيد علال الفاسي وعدد من قادة حزب الاستقلال تنمو بسبب عمق الاتجاه الإسلامي لديهم وحاولت أن أقوم بالوساطة بين جماعة ابن بركة وجماعة علال الفاسي، ولكن الخلاف كان يزداد اتساعًا كل يوم ويزداد كل طرف تشددًا ولاحظت أنه كانت هناك جهات داخلية وخارجيةتعمل بجد لكي تدفع الطرفين إلى مزيد من التباعد والتخاصم والشقاق، وكانت جماعة علال يشعرون بمرارة لأن ابن بركة وإخوانه تعاونوا مع بعض العناصر «المعادية للحزب» في القصروالجيش وجهات أخرى خارجية مثل المخابرات العسكرية في مصر، بل إنهم كانوا متأثرين بالأوساط الفرنسية التقدمية الذين كانوا يحرضونهم على الخروج على حزب الاستقلال لأنهم تجاوبوا معهم – وبذلك حطموا وحدة الحزب ومكنوا خصومه من إبعاده عن السلطة، واكتفوابأن حصلوا لأنفسهم مقابل ذلك على رئاسة وزارة ليس لها نفوذ حقيقي، واحتلوا بعض المناصب الأخرى الهامشية مثل بن بركة – الذيكان رئيس المجلس الوطني «البرلمان».

وكان ابن بركة وجماعته من الشباب ذوي الثقافة الفرنسية يعتبرون أن شيوخ حزب الاستقلال محافظون وبورجوازيون يجب أن يفسحوا لهم المجال للسير بالمغرب في طريق الاشتراكية العصرية، وكانت المخابرات المصرية من بين الجهات التي شجعتهم على ذلك ودعمت هذا الاتجاه بحجة الاشتراكية – وكان عندهم أمل كبير في أن تنحاز لهم جماهير الحزب بعد أن تولوا السلطة وحصلوا على رئاسة الوزارة، ولكن كان كل يوم يمر يدل على أن هذا الأمل لم يتحقق، وبقي الجزء الأكبر من الحزب على ولائه لعلال الفاسي وجماعته، بل إنني بمجرد وصولي سمعت شكاوى من بعض أصدقاء عبد الله إبراهيم أنه كان يواجه مشاكل في علاقته ببعض العناصر بالقصر الملكي، ولم تمض شهور على وصولي للمغرب إلا وقد أقيلت وزارة عبد الله إبراهيم، ولم يرجعوا للسلطة مطلقًا منذ ذلك التاريخ للآن.

كان وزير التعليم في هذه الوزارة هو السيد عبد الكريم بن جلون الذي كان محل ثقة الملك محمد الخامس، ورغم انتمائه لحزب الاستقلال إلا أن ولاءه للملك كان يطغى على ولائه لحزب الاستقلال، وزاد ذلك الاتجاه عنده عندما وقع الانشقاق في الحزب، فأصبح شخصية مستقلة ودخل وزارة عبد الله إبراهيم على هذا الأساس مثل أغلب أعضاء الوزارة الذين كان بعضهم ينتمي للحزب سابقًا وبعضهم لم يكن له عضوية بحزب الاستقلال، مما يدل على أن انشقاق بن بركة وأصحابه قد أضعف الحزب كله، كما أنه أحدث تمزيقًا عميقًا في صفوف الحزب الوطني. وقد كان عبد الكريم بن جلون وزيرًا للعدل قبل وصولي للمغرب، وعهد إليه الملك برئاسة لجنة لإعداد بعض القوانين وبدأت تقنين أحكام الأحوال الشخصية وفقًا لمذهب الإمام مالك، وقد تم ذلك وصدرت المجموعة فعلًا تحت اسم «مدونة الأحوال الشخصية» التي كانت عملًا علميًا رائعًا لتقنين أحكام الشريعة وفقًا لهذا المذهب، كما أنه كون اللجان لإعداد بعض المجموعات القانونية الأخرى من بينها مشروع قانون العقوبات وكذلك قانون الإجراءات الجنائية، وقد شاركت في مراجعتهما وصدرا بعد وصولي– بعد خروجه من وزارة العدل تحت اسم قانون المسطرة الجنائية، وقانون العقوبات المغربي.

على مائدة وزير التعليم

وأذكر أنني في أحد الأيام كنت أتناول طعام الغداء على مائدة صديقي السيد عبد الكريم بن جلون –وزير التعليم التهذيب الوطني– في منزله، وكان على المائدة عدد كبير من أصدقائه منهم السيد محمد الغزاوي الذي كان أحد قادة حزب الاستقلال وأصبح مثله مستقلًا وولاؤه الشخص الملك محمد الخامس، وكان أيضًا محل ثقته، وكان يحتل مركز رئيس الشرطة بوزارة الداخلية في ذلك الوقت، ودار الحديث حول نبأ الإقالة أو الاستقالة المفاجئة لرئيس الوزراء عبد الله إبراهيم وكان يقص على الحاضرين الكيفية التي نفذ بها الأمر بإخراج رئيس المجموعة وهو السيد المهدي ابن بركة من المنزل الحكومي الذي كان يقيم فيه بصفته رئيس المجلس الوطني البرلمان، في ذلك الوقت دون أن يسمح له بأي تأخير في مغادرته للمسكن كما كان يطلب بحجة إعداد سكن آخر. ولاحظت أن الحاضرين كانوا يبدون الشماتة في حديثهم عن ابن بركة وعبد الله إبراهيم وجماعته ويعتقدون أن الله قد أخزاهم لما تسببوا فيه من تمزق في صفوف الحركة الوطنية لمجرد أنهم وجدوا فرصة للحصول على مناصب الوزارة وسلطة الحكم الذي كانوا يظنون أنهم سيبقونفيه طويلًا.

وقد أعلن الملك إلغاء منصب رئيس الوزراء وأنه سيتولى بنفسه رئاسة مجلس الوزراء الجديد، ولم يكن هذا أمرًا جديدًا في الواقع، لأن الملك كان هو الذي تتركز في يده جميع السلطات منذ عاد من منفاه وأعلن استقلال المغرب وأعطى لنفسه لقب الملك بعد أن كان لقبه الرسمي« السلطان» في أغسطس ١٩٥٧م. 

لم يكن هناك كثيرون يعارضون سلطة الملك في ذلك الوقت، لأنه كان في نظرهم محرر البلاد وباعث الحركة الوطنية والرئيس الفعلي لها منذ نشأتها قبل الاستقلال، وكان فوق ذلك رجلًا طيب القلب وعميق الإيمان ومحبًا لشعبه وبلاده وكان لذلك يحظى بشعبية كبيرة لا يطمع أحد في المغرب في أن يعارضها أو ينافسه فيها، لكن بعض رجال حاشيته لم يكونوا مثله، وكان كثير من الناس يشكون من استغلالهم لنفوذهم وصراعهم على السلطة.

 أذكر أنني في إحدى مقابلاتي مع السيد عبد الله إبراهيم قبل إقالته بمدة قصيرة كنت أحدثه عن الأحوال في مصر، وعاتبته على تحالفه مع الحكم الناصري الذي يفرض دكتاتوريته على شعب مصر، ويمارس أشد أنواع القمع والإرهاب، وعرضت عليه آثار التعذيب التي مازالت على جسمي، وقلت له: إذا كانت الاشتراكية هي التي تجمع بينكم وبين النظام الناصري، فإن هذه الاشتراكية هي مجرد مبرر لهذا الاستبداد والإرهاب، وأخشى أن يسير المغرب في هذا الاتجاه، وأن تكون اشتراكيتكم بداية لأن تسيروا أنتم أو غيركم في طريق الدكتاتورية الناصرية، أو أية دكتاتورية أخرى وأن يمارس بعض الحكام في المغرب مثل هذه الأساليب لقهر الشعب سواء كان ذلك على يدكم أو يد غيركم، فقال لي: «يا توفيق أنت لا تعرف المغرب، إن الشعب المغربي لا يمكن أن يقبل بوجود نظام استبدادي أو دكتاتوري، ولا أن يستسلم لهذا النوع من الحكم كما هو الحال في مصر، ألم تقرأ في الصحف خبر «السوبر: قايد وهو يقابل مأمور المركز عندنا» الذي اعترضعلى قرار وزير الداخلية بنقله واعتصم بالجبال مع رجاله المسلحين، وقاوم الحكومة، إن شيئًا من هذا لا يمكن أن يحصل في مصر، إن المغربليس مثل مصر، فأطمئن من هذه الناحية!!.....»

وبعد شهرين فقط من هذا اللقاء خرج من الوزارة، ولم يعد هو ولا حزبه الاشتراكي إلى السلطة حتى اليوم، بل انشقت بعض عناصر هذه المجموعة هي أيضًا عليها، واعتزلها عبد الله إبراهيم، وترك الأمور للمهدي بن بركة وعبد الرحمن بو عبيد، وخرج المهدي بن بركة عام ١٩٦١م، من المغرب خوفا على حياته، لكنه اغتيل في عام ١٩٦٥م في باريس، وبقي عبد الرحيم بو عبيد رئيسًا للاتحاد الاشتراكي حتى وفاته وبعده أصبح الرئيس هو صديقنا الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي المحامي.

التفرغ للقضاء والتدريس

 إنني أثناء إقامتي بالمغرب ألتزمت بمبدأ واضح هو أن أتفرغ لعملي في القضاء والتدريس في كلية الحقوق، وألا أتدخل بأي وجه من الوجوه في الشئون الداخلية للمغرب، ولهذا السبب رفضت الحصول على الجنسية المغربية واكتفيت بالحصول على جواز سفر مغربي عندما رفضت الحكومة المصرية وسفارتها بالرباط تجديد جواز سفري المصري. هذا المبدأ هو الذي مكنني من الاحتفاظ بصداقتي مع جميع المغاربة الذين تعرفت بهم أثناء إقامتي في باريس، وعلى ذلك فإن دوري في العمل الإسلامي بقي التزامًا شخصيًا لا أحيد عنه، لكني وجهته في ناحيتين خارج دائرة المغرب وهما:

١- مواصلة اتصالاتي مع القادة الجزائريين المعتقلين في فرنسا، وإعداد ما أراه من مشروعات لبناء الجزائر المستقلة عندما يتم لهم النصر، وتنفيذًا لذلك التقيت بأحمد بن بيلا ومحمد خيضر عندما حضرا للمغرب عقب خروجهم من السجن في فرنسا، وذهبت معهما إلى الجزائر، وقضيت هناك عامًا كاملًا، وسوف أتكلم عن ذكرياتي بشأنه فيما بعد.

٢- استمرار العمل الأهداف الحركة الإسلامية التي التزمت بها، وفي مقدمتها الهدف الاستراتيجي الأكبر للتقارب بين الشعوب الإسلامية والتعاون مع كل العاملين في سبيل تحريرها وتوحيدها ونهضتها، سواء في ذلك شعوب المشرق أو المغرب وشعوب العالم الإسلامي أو المسلمين الخاضعين لدول أجنبية. إن الهدف الرئيسي لهذه المذكرات هو عرض تصوري لهذا العمل الذي بدأته منذ انتسبت إلى قسم الاتصال بالعالمالإسلامي في حركة الإخوان المسلمون ولهذا فإن أية قضية وطنية أعمل لها أو أساهم في العمل لها ليست إلا فرعًا أو جزءًا من العمل للوحدة والنهضة الشاملة للعالم الإسلامي.

لهذا كان انتقالي في عام ١٩٦٥م من المغرب إلى المشرق فيما بعد مجرد تغيير في الموقع دون تغيير في الخطة أو الهدف.

لقد كان محور حديثي مع بعض أصدقائي الذين رفعوا شعارات اشتراكية في المغرب أو الجزائر أو المشرق، هو أنني لا يمكن أن أوافق على جعل الوطنية أو القومية أو الاشتراكية بديلا عن الأهداف الإسلامية، وأنها في نظرنا كإخوان مسلمين يمكن أن تكون مراحل أو اتجاهات عملية في إطار العمل الإسلامي العام، لكن لا يجوز أن تكون ماركسية إلحادية ولا اتخاذها مبررًا للتنكر للإسلام أو تجاهله أو مقاومته.

الوحدة الإسلامية لم يكن لها وجود

كنت أجد من كثيرين من إخواني الاشتراكيين في المغرب والجزائر اقتناعًا بذلك نظريًا، لكنهم عملا كانوا يستغرقون في الدعايات الاشتراكية، ويتنافسون في المزايدات العقائدية بتأثير العلاقات مع الماركسيين الاشتراكيين في البلاد الأخرى وخاصة الأوروبيون، حتى إن بعضهم كان يظن أن ما يسمونه الوحدة الاشتراكية، لها الأولوية على الوحدة الإسلامية التي تدعو لها، لأن المجموعة الاشتراكية لها كتلة سياسية دولية سوفيتية تقدمية قوية تستطيع أن تفيدهم كثيرًا في مقاومة الاستعمار الغربي وأذكر أن المهدي بن بركة عندما التقيت به آخر مرة قبل اغتياله بأيام معدودات في «جنيف» ذكر لي أنه سيسافر إلى كوبا للإعداد لمؤتمر للقارات الثلاثة في العالم الثالث وهي آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وفهمت من ذلك أنه يسعى لبناء وحدة للحركات المؤيدة للاشتراكية في هذه القارات، أما الوحدة الإسلامية فلم يكن لهاوجود في قاموسهم.

 كان ردي عليهم دائمًا أن الاتحادالسوفييتي الذي يتزعم الكتلة الاشتراكية له أهداف توسعية وتخطط روسيا من خلاله لاستعباد الشعوب الإسلامية والسيطرة عليها، وأنها تنشر الإلحاد وتجند كل أعوانها لنشره للقضاء على هويتنا الإسلامية لكي تستسلم شعوبنا لنفوذها وتقبل التبعية لها تحت ستار الماركسية أو الاشتراكية الدولية.

كان من الصعب إقناع كثير من الاشتراكيين بذلك عندما كان الاتحادالسوفييتي دولة عظمى أما الآن فإنني لم أعد محتاجًا لإقناعهم، لأن الواقع كان يقدم الدليل تلو الدليل على أن روسيا الاتحادية التي حلت محل الاتحادالسوفييتي مازال دورها في أفغانستان، وفي الشيشان وأذربيجان، وفي آسيا الوسطى، وفي البوسنة والهرسك، وفي البلقان خير شاهد على مطامعها التوسعية التي كانت تسترها بالدعايات الاشتراكية أو الماركسية فيما سبق.

الهوامش

(*) أستاذ القانون الدولي السابق – بجامعة القاهرة.

الرابط المختصر :