; صفحات من دفتر الذكريات (٧٦) ..المغرب إلى أين...؟ | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (٧٦) ..المغرب إلى أين...؟

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1995

مشاهدات 64

نشر في العدد 1178

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 05-ديسمبر-1995

الانشقاق الذي صنعته الاستخبارات الأجنبية في حزب الاستقلال أضعف المقاومة للاستعمار

الغزو الفكري للبلاد العربية والإسلامية يحرص على إثارة النزعات العنصرية والطائفية لمحاصرة الإسلام وضمان نجاح المشروعات الاستعمارية وعلى رأسها إسرائيل

عندما كنا في باريس في عام ١٩٥١م ندافع عن وجهة النظر المصرية والعربية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في أن إجراءات فرنسا بالضغط على ملك المغرب أو التهديد بعزله يعتبر انتهاكًا لأحكام القانون الدولي، استنادًا أن المغرب دولة ذات كيان يعترف بها القانون الدولي، وإذا كانت الدولة المغربية تحت الحماية فإنه لا يجوز لفرنسا أن تتخذ إجراءات تتعارض مع نصوص معاهدة الحماية التي يفهم منها أن هدفها حماية المغرب، وحماية المؤسسات المغربية، ومن بينها وفي مقدمتها العرش المغربي وعندما دخلت المغرب لأول مرة في عام ١٩٥٩م خيل لي أن الوضع لا يختلف عنه عما تصورته من قبل إلا اختلافًا نسبيًا فقط.

إن الفترة التي بقيت فيها فرنسا تحتل المغرب بعد هذه الشكوى من عام ١٩٥١م إلى ١٩٥٦م وهي فترة خمس سنوات لم تغير كثيرًا في أوضاع المغرب، لأن المغرب أعلن استقلاله عام ١٩٥٦م، وكما قلت كل شيء في المغرب يسير ببطء، ولذلك عندما وصلت المغرب عام ١٩٥٩م وجدت أن بقايا ورواسب النظام الاستعماري كانت في ذلك الوقت مازالت ملموسة في كثير من النواحي وخاصة في النواحي الثقافية.

تثبت الغزو الفكري

بل إن فرنسا بعد الاستقلال اعتبرت أن الهدف الأول هو نشر الثقافة الفرنسية في المغرب لاكتساب أكبر عدد من المغاربة المثقفين بالثقافة الفرنسية إلى جانبها، حيث إن المغرب كان يمتاز عن الجزائر بأن الثقافة العربية الإسلامية كانت مسيطرة عليه بصورة أكبر وخصوصًا أن قادة الحركة الوطنية كانوا من أصحاب تلك الثقافة الأصيلة، وكان حزب الاستقلال هو العدو الأول لفرنسا، لأن قيادته كانت من علماء القرويين، وكانت سياستهم عربية لأنهم كانوا حريصين على التعريب وفعلًا كان أول ما فعله حزب الاستقلال هو أنه وضع خطة لتعريب التعليم الابتدائي تعريبًا كاملًا وبدأ في تنفيذها، واستعان في ذلك بعدد من المدرسين من مصر والبلاد العربية المشرقية (۱).

وكان من أهم مراكز القوى التي كانت فرنسا تستعين بها لمقاومة التعريب عدد من ضباط الجيش، وكان أغلبهم من الأصل البربري، وكان من الواضح أن الجيش أو بعض قياداته التي ورثها عن الجيش الفرنسي في عهد الحماية كانت تحاول أن تحتفظ لنفسها بأكبر قدر من النفوذ وكان الملك حريصًا على ولاء الجيش، ولذلك عين لقيادته ابنه وولي عهده الشاب الأمير مولاي الحسن، واستغل بعض العملاء ذلك وأحاطوا به ويقال إنهم حاولوا استغلال الجيش كمركز قوة للوقوف في وجه حزب الاستقلال أولًا، وفي وجه التعريب وما يتبعه ثانيًا.

حزب فرنسا داخل الجيش والسلطة

أذكر أنني عندما التقيت بأحد الأصدقاء من أعوان بن بركة ومن كبارهم، وكنت أسألهم عن علاقاتهم بالملك فقال إنها ممتازة، وأن الملك شخصيًا لا يمكن أن يكون لدينا أي فتور في علاقتنا به إلا أن هناك عناصر في حاشيته لیست من أنصار الحكم الديمقراطي بالمعنى الصحيح، وأن بعضهم يحيط به وبابنه الأمير مولاي الحسن، ومنهم كثيرون من عملاء وأعوان فرنسا الذين كانوا في الجيش الفرنسي قبل الاستقلال، واعطتهم فرنسا رتبًا عالية في الجيش الفرنسي، ومن بينهم أوفقير، تذكرت ذلك عندما سمعت عن خبر إقالة حكومة عبد الله إبراهيم، وزاد في شكوكي أن الكلام في ذلك الوقت كان يدور حول القواعد الأمريكية في المغرب، وكان لهم قواعد كبيرة ضخمة وكانوا يريدون إبقاءها، ولكن حكومة عبد الله إبراهيم وجماعته كانوا صادقين في مقاومة هذه السياسة الأمريكية وقاموا بحملة كبيرة، اضطرت أمريكا أمامها للتراجع في نهاية الأمر، ولاشك أن ذلك كان في صالح الفرنسيين إلى حد كبير لأن الفرنسيين لم يكونوا راغبين في بقاء هذه الامتيازات لأمريكا في المغرب الذي كان تحت حمايتهم ولم يخرجوا منه إلا منذ عهد قليل، وكان خروجهم شكليًا في نظرهم وليس فعليًا.

في نظري عندما وصلت المغرب أن عملية اقتلاع جذور الاستعمار وقواعده من المغرب سوف تطول، بل إن بعض المؤسسات المغربية بعد الاستقلال كانت مازالت بها عناصر تحن للوضع السياسي للمغرب قبل الحماية، وخيل لي أن المغرب قبل الحماية كان يختلف عن البلاد الأخرى التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية قبل الاحتلال الأجنبي، إذ إن المغاربة يفخرون بأنهم لم يكونوا قط جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، بل كانوا مستقلين قبل الاحتلال الفرنسي، ولذلك فهم يختلفون عن مصر وتونس، ويفخرون بأن مقاومتهم للهجوم الاستعماري الفرنسي لم تتوقف، وكانت ذاتية لم يعتمدوا قط على مساعدة من الدولة العثمانية، وفي عهد الحماية لم يكن الحكم الفرنسي مباشرًا ولا مستقرًا، والاحتلال الأجنبي بقيت آثاره سطحية وهامشية وظاهرية.

فضلًا عن أن الحماية كانت فترتها قصيرة، إذ إنها بدأت فعليًا عام ۱۹۳۰م، وانتهت عام ١٩٥٦، والمغرب بلد كبير جدًا، لذلك فإن السيطرة الفرنسية اقتصرت على الإدارة المركزية، والمغرب كان أكبر بكثير من الإدارة الاستعمارية التي زرعتها فرنسا لتنفيذ أهداف الحماية، وكانوا يسمونها الإمبراطورية الشريفية، والمغاربة يعتبرون أن المغرب عندما استرد استقلاله عاد إلى نفس الوضع الذي كان فيه كإمبراطورية قبل الاحتلال، وكانوا يقولون إن الحماية لم تكن احتلالًا كاملًا في المغرب، كما كان الأمر في الجزائر مثلًا ولا في تونس، لأن الفرنسيين غرسوا أنيابهم في أعماق المجتمع التونسي، لأن تونس بلد صغير وبقوا يحتلونه مدة أطول، وأصبح لهم أعوان وعملاء من المثقفين البرجوازيين ذوي الثقافة الفرنسية، ومن لهم مصالح تتفق مع مصالح فرنسا، ويمكن لفرنسا أن يبقى نفوذها في تونس بعد جلاء جيوشها عنها، وقد بقي فعلًا ومازال باقيًا في نظري نسبيًا حتى اليوم، لأن الحكم الوطني البورقيبي لم يكن له خطة للتعريب ولا لاقتلاع النفوذ الثقافي الفرنسي بل كانت أهدافه لا تختلف كثيرًا عن أهداف الاستعمار الفرنسي فيما يتعلق بالناحية الثقافية ومن ناحية التعريب والتشريع والتعليم، وفيما يتعلق بالصحافة والثقافة والإعلام وما إلى ذلك.

الاستعمار الجديد

إن موجة الاستعمار الجديد أو النفوذ الأمريكي كانت قادمة للمغرب في صورة القواعد العسكرية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، لأن أمريكا كانت تعتبر المغرب يصلح رأس جسر لها ولنفوذها في العالم القديم وأوروبا مثل إسبانيا، ولابد أن تفكر في أن يكون لها قواعد في المغرب احتياطيًا في حالة إخلاء قواعدها في إسبانيا، وخصوصًا أن فرنسا وبعض الدول الأوروبية كانوا حريصين على إبعادها من إسبانيا ويحرضون الإسبان على ذلك.

لقد تألمت كثيرًا لأن الانشقاق في داخل حزب الاستقلال قد أضعف المقاومة الوطنية لهذا الخطر القادم الذي ربما يتحالف إلى حد كبير مع الخطر الفرنسي على الأخص فيما يتعلق بالاستراتيجية المتعلقة بمقاومة الإسلام والعروبة، وشق وحدة الشعب المغربي عن طريق تحريك النزعات العنصرية البربرية، وأذكر أني في عام ١٩٦٨م، عندما كنت أجلس في المجلس الأعلى لجامعة الرياض وكان معروضًا علينا اختيار بعض الخبراء في موضوع معين، وكان الأمريكيون قد رشحوا أحد علمائهم وفوجئت أن تاريخ حياته ومؤهلاته التي جعلتهم يرشحونه للعمل بالسعودية أنه قضى اثني عشر عامًا في المغرب لدراسة بعض اللهجات البربرية.

الإسلام أكبر عقبة ضد المشروعات الاستعمارية

هذا هو النوع الذي يعده الاستعمار ليكون طليعة لسياسته ومشروعاته الاستراتيجية التي تبدأ بالغزو الثقافي والبحث عن ثغرات تستغل لتحطيم وحدة الشعب لتسهيل تنفيذ خططهم الاستراتيجية التي كان للصهيونية دور كبير فيها بالنسبة لجميع الشعوب في الشرق الأوسط والشعوب الإسلامية التي يريدون إثارة الفتن بين طوائفها، لأن مسألة السياسة البربرية ليس المقصود بها فقط عزل البربر عن العرب وإنما يقصد بها عزل البربر عن الإسلام ذاته والخطوة الثانية المكملة لها هي عزل العرب أيضًا عن الإسلام عن طريق ترویج شعارات القومية أو الاشتراكية اللادينية التي تبعدهم عن الإسلام كما حدث بالنسبة للأتراك، حيث استغلت القومية الطورانية لنفس الغرض.

القومية البربرية مثل القومية العربية والقومية التركية، كل هذه القوميات العنصرية نجد أن الاستعمار يحرص على ترويجها وتشجيع دعاتها لاستخدامها كوسيلة لإضعاف مقاومة الشعوب التي توحدها الأصالة الإسلامية التي عاشت هذه الشعوب في ظلها أمة موحدة قرونًا عديدة من التاريخ الإسلامي وهذه الوحدة الإسلامية القائمة على أساس العقيدة والتاريخ المشترك هي أكبر عقبة يعتقد الاستعمار الأوروبي والصهيوني أنها تهدد مشروعاته التوسعية في هذه المنطقة.

إن الجيوش الاستعمارية عندما انسحبت من قواعدها التي كانت تحتلها في بعض البلاد العربية وخصوصًا من بلاد شمال أفريقيا كانت تراودها فكرة عودة النفوذ الاستعماري، ولكن من باب خلفي آخر، وهم يفكرون ويخططون ويرسمون لهذه العودة من مسالك متعددة أولها الباب الواسع الذي يريدون أن يفتح لهم طريق العودة العسكرية والسياسية، وهو باب النفوذ الثقافي نتيجة عملية التغريبة والفرنسية، وعملية التغريب في نظرهم لابد أن تستمر، ولابد أن تساهم فيها الحكومات الوطنية التي تحكم البلاد بعد الاستقلال، ولذلك فإنهم عندما يعترفون بالاستقلال حريصون على أن تبقى بعض مراكز القوى التي تحاصر بها هذه الحكومات الوطنية وتضطرها رغبة أو رهبة للاستمرار في عملية التغريب والقضاء على الأصالة الإسلامية بحجة أو بأخرى، تارة بحجة مسايرة العصر أو الحداثة، وتارة بحجة المحافظة على العلاقات الاقتصادية الضرورية بينها وبين الدول الأجنبية، وتارة المصالح ذاتية لأن كل حاكم يضع في همه الأول أن يبقى وتصور له الدعاية الاستعمارية أن دعاة الأصالة إنما يرشحون أنفسهم لكي يحلوا محله، أو أنهم يريدون القضاء على نظامه ومنافسته في السلطة، فكلمة المنافسة في السلطة هي المفتاح للضغط على الحكومات لكي تلجأ إلى التعاون مع القوى الأجنبية وترضى بالاستماع إلى نصائحها وتنفيذ مخططاتها، وخاصة في النواحي الثقافية والإعلامية والاقتصادية والمالية والاجتماعية طبعًا.

هذا هو الباب الذي تركه الاستعمار مفتوحًا ليدخل منه في الوقت المناسب، ولهذا لم يكن يجدر في نظري أن ينخدع بعض المغاربة بالمنافسة الموجودة بين الفرنسيين والأمريكان فيما يتعلق بالنفوذ في المغرب، وهذه المنافسة ليست جديدة، فقد كانت هناك منافسات كثيرة بين فرنسا والدول الاستعمارية الأخرى قبل احتلال المغرب، وبعده، وستبقى... ولكن هم عندهم القدرة لإبقاء هذه المنافسة في إطار محدود على أن يشتركوا في العمل للأهداف المشتركة، والهدف المشترك الأول هو أن الطرفين لهم مصلحة استبعاد الإسلام من الميدان السياسي، لأنه طريق الوحدة الشاملة الأصيلة الكبرى التي تجمع شعوبنا..

أهداف التغريب

إذا كان هدفهم المشترك هو القضاء على الأصالة الإسلامية في المغرب، فذلك لأن الإسلام هو الذي وحد المغرب، ومن المؤكد أن القوى الأجنبية الراغبة في السيطرة على المغرب تسعى لإحداث فتن داخلية بين العناصر المكونة لها بعد عزلها عن الأصول الإسلامية التي توحدها، وهي تتعاون في إطار هذا الهدف ولذلك فإن ما تقوم به بعض الحركات أو الحكومات الوطنية من محاصرة للدعوة الإسلامية أو هجوم على دعاة الصحوة والأصالة الإسلامية في بلادها أو البلاد الشقيقة إنما يلقى تشجيعًا من جميع القوى الأجنبية مهما تكن الخلافات أو المنافسات بين هذه القوى، وعلى الأخص فيما يتعلق بالدول الاستعمارية القديمة «بريطانيا وفرنسا». بالإضافة للاستعمار الجديد الذي يسمح لروسيا وأمريكا بأن تفرض نفوذها على هذه المناطق دون أن تأخذ صورة استعمار تقليدي والفرق بينه وبين الاستعمار القديم أنها إذا احتاجت إلى قواعد إنها لا تسمى قواعد، وإنما تسمى اتفاقيات تعاون عسكري أو دفاع مشترك، أو دفاع إقليمي، أو تسهيلات أو ما إلى ذلك من الأسماء التي تنتهي بوجود قوى عسكرية ونفوذ عسكري أجنبي في هذه المنطقة.

خصوصًا إذا كانت لصالح دولة أو مجموعة دول تعتبر نفسها أقوى دولة أو تكتل دولي في العالم، أو أنها تسيطر على النظام العالمي، وأنها مسؤولة عن توجيه السياسة العالمية والعلاقات الدولية في النظام الذي تريد بناءه ليحل محل القوى الاستعمارية القديمة.

في هذه الخطط المستقبلية التي تهدف للعودة الاستعمارية لإفريقيا والشرق الأوسط لاحظت أنهم يعتبرون أن المغرب هو أحسن بلد تكون فيه بداية هذه الهجمة الاستعمارية الجديدة، لأنه في نظرهم مازال يعيش بمؤسساته التقليدية ويحتفظ بالكيان المتميز الذي كان يتمتع به قبل الاحتلال الفرنسي وبقي له أثناء الحماية واستعاد خصائصه في عهد الاستقلال، والآن هم يريدون أن يستفيدوا من هذا البطء في حركة المغرب في أنهم يستطيعون أن يواصلوا نفس السياسة التي كانوا يمارسونها قبل الحماية وهي التغلغل في داخل المجتمع ومؤسساته في نظرهم أن المغرب أكثر ملاءة من البلاد الأخرى كالجزائر التي مرت بمرحلة الاحتلال المباشر الطويل وقاومته واستطاعت أن تتحرر منه، ومقاومتها لعودة النفوذ الأجنبي ستكون أقوى بكثير من مقاومة البلاد التي تمر بمرحلة الاحتلال الأجنبي.

لقد دار ذلك كله بخاطري يوم أن سمعت نبأ وفاة الملك محمد الخامس،  مفاجأة غير متوقعة، لقد كان ذلك في شهر فبراير عام ١٩٦١م، وكنا في شهر رمضان المبارك وأثناء تناول طعام الإفطار فتحت الراديو فإذا بي أسمع صوت ولي العهد الأمير مولاي الحسن يعزي شعبه بوفاة والده أثناء إجراء عملية جراحية صغيرة له في الأذن في داخل القصر وقال إن هذا يوم أسود في تاريخ المغرب، وفي نظري أنه فعلًا يومًا أسود لأن الملك محمد الخامس كان يعتبر جبلًا اشم تحصنت به الحركة الوطنية، وكان رمزًا لذاتية المغرب وكيانه الموحد المستقل، وكان هو باعث الحركة الوطنية وحاميها، وبالنسبة لي كانت لي به علاقة شخصية، لذلك كان أول رد فعل لي عندما سمعت هذا الخبر أن قلت لأحد الأصدقاء محمد الذي كان يتناول طعام الإفطار معي في منزلي لم يعد لي بقاء في المغرب ولم أدر لماذا قلت ذلك تلقائيًا وأخذته على أنه مسألة عاطفية بسبب أن هذا الملك كان يحوطني برعاية خاصة، وأن فقد هذه الرعاية سوف يفتح الباب لعدة جهات للهجوم علي لأن وجودي ليس في صالح كثيرين، وقد تم هذا فعلًا.

هذا الخبر ذكرني في ذلك اليوم بخبر سمعته قبل ذلك في الراديو في باريس عام ١٩٤٩م، وأنا راقد في أحد المستشفيات بعد عملية جراحية وهو اغتيال الشهيد حسن البنا في مصر، كما تذكرته بعد ذلك بسنوات عديدة عندما سمعت في الراديو عام ١٩٧٤م وأنا في جدة نبأ اغتيال الملك فيصل في المملكة العربية السعودية.

كان هناك فراغ كبير في ميدان السياسة بالمغرب نتيجة اختفاء شخصية الملك محمد الخامس، واعتبرت أن ذلك كان بداية لمرحلة جديدة سوف تستغلها القوى الأجنبية التي اعتقد أنها تمثل تيار الغزو الفكري الأجنبي و الهجمة الاستعمارية الثقافية والاقتصادية الجديدة ضد المغرب لإضعاف مقوماته الأصيلة وكياناته التقليدية ومستقبله كحائط يحمي الشمال الأفريقي من هجمة الاستعمار الفرنسي والنفوذ الأمريكي الجديد الذي يأتي من ناحية المحيط الأطلسي، ولذلك زاد تركز تفكيري وأملي في أن يكون نجاح ثورة الجزائر وسيلة لدعم هذا الحائط الإسلامي وإحباط هذه المخططات الأجنبية، وزاد اعتقادي بأن مصير شمال أفريقيا ومصير المغرب سيتوقف إلى حد كبير على مستقبل الثورة الجزائرية والاتجاهات التي تسيطر على الجزائر فيما بعد الاستقلال.

لقد كان أول أهدافي عندما وصلت للمغرب في عام ١٩٥٩م هو رتق الفتق الذي حدث في حزب الاستقلال بسبب انشقاق بن بركة وجماعته على حزب الاستقلال، وقد فشلت في ذلك كما فشلت قبله في محاولة التوفيق بين بورقيبة وصالح بن يوسف، وفي محاولة التوفيق بين مصالي وجبهة التحرير الجزائرية، والآن وقد يتكرر الفشل الثالث في المغرب رأيت بنفسي كيف أن انشقاق بن بركة وجماعته كان نتيجته تحطيم حزب الاستقلال وإعطاء فرصة أكبر المراكز القوى في داخل المغرب لكي تنفذ الخطط الأجنبية في الناحية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية وخاصة ما يتعلق بالغزو الفكري.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

541

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

596

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8