; صفحات مشرقة من حياة مولانا المودودي رحمه الله | مجلة المجتمع

العنوان صفحات مشرقة من حياة مولانا المودودي رحمه الله

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أكتوبر-1979

مشاهدات 82

نشر في العدد 456

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 23-أكتوبر-1979

بعد استشراقة شمس يوم السبت الثاني والعشرين من سبتمبر الماضي، صمدت روح طاهرة إلى بارئها راضية مرضية، هذه الروح الطيبة هي روح مولانا فضيلة الأستاذ العلامة المجاهد أبي الأعلى المودودي -رحمه الله- تعالى وأسكنه فسيح جناته مع الأنبياء والشهداء والصالحين.

 لقد فقدت الحركة الإسلامية الأصيلة بفقده مجاهدًا فذًا، ليس له مثيل أو شبيه في أيامنا هذه. إنه رجل باع نفسه وراحته ودنياه لله -سبحانه وتعالى- فلم يكل له عزم ولم تلن له قناة في سبيل الله -تعالى- خلال هذا العمر المديد المبارك، وظل مجاهدًا في سبيله -تعالى- بنفسه وفكره وقلمه إلى آخر نفس له في حياته، زاهدًا في هذه الدنيا كل الزهد. 

 وإذا كانت عظمة الرجال تقاس بنتاجهم وبما حققوه في حياتهم، فإن مولانا المودودي بعد أعظم رجالات المسلمين في أيامنا هذه إطلاقًا، إذ خلف بعده جماعة إسلامية واعية منظمة سمحة، وفكرًا مؤمنًا نيرًا نظيفًا، ومؤلفات تربو على المائة في جميع المجالات، تتسم بالوعي والعلمية والدقة والعمق والإخلاص، كان لها أثرها الفعال في النهضة الإسلامية والفكر الإسلامي المعاصرين في جميع أنحاء الوطن الإسلامي الكبير.

 وفي هذه المناسبة المؤلمة الحزينة، نرى لزامًا علينا أن نستعرض بعض صفحات من حياة مولانا المودودي -رحمه الله تعالى- لتكون لنا نبراسًا يضيء لنا الطريق ومثلًا أعلى نحتذيه ونسير على طريقه، لنكمله نحو غايته المنشودة وهي إقامة حكم الله -الإسلام- في الأرض قاطبة.

مولده ونشأته -رحمه الله تعالى-:

 ولد مولانا المودودي في 25 - 9 - 1903 بمدينة أورنك آباد في ولاية حيدر آباد، في أسرة فاضلة اشتهرت بالدين والفضل والعلم، تعرف بالأسرة المودودية، نسبة إلى الشيخ «قطب الدین مودود جشتي» مؤسس الطريقة الجشتية في الهند إبان القرن السادس الهجري.

 كان والده -رحمه الله- محاميًا على ثقافة عالية ووعي عميق، صدمته الحضارة الغربية التي انبهر بها كثيرون من معاصريه، لذلك فإنه امتنع عن إرسال أولاده إلى المدارس الإنكليزية، وعلمهم في المنزل تعليمًا ممتازًا في كل من الدين والعربية والفارسية والأردية والإنكليزية.

 ولكن الحياة لم تمتد طويلًا بهذا الأب الفاضل، فافتقده مولانا المودودي -رحمهما الله- في يفاعته وهو في السادسة عشرة من عمره، واضطر للانصراف إلى شؤون البيت إلا أنه على الرغم من كل ذلك، لم يفتر عن مطالعة العلوم الإسلامية من ينابيعها الصافية، وعن دراسة العلوم الحديثة من مصادرها الأصلية، وهكذا أعد نفسه من الناحيتين الإسلامية والعصرية.

المودودي الصحفي:

 بدأ مولانا المودودي حياته العملية صحفيًا، وتولى منصب رئاسة التحرير في كبريات صحف الهند مثل «تاج» و«مسلم» وصحيفة الجمعية في دلهي، والتي كانت في طليعة المدافعين عن مصالح المسلمين وحقوقهم آنذاك، ثم أصدر مجلة شهرية مستقلة عام ١٩٢٣ هي مجلة ترجمان القرآن، وكان لها دور أساسي في الحركة الإسلامية في القارة الهندية.

المودودي يرد على افتراءات غاندي:

 لقد تفتحت شخصية غاندي حتى غدا مشهورًا زعيمًا له أتباعه، فزعم في تصريحات عدة وافترى علــى الإسلام بأنه لم ينتشر إلا بقوة السيف، فتصدى له مولانا المودودي -رحمه الله تعالى- ورد عليه وفند أكاذيبه في كتابه الشهير «الجهاد في الإسلام» والذي يعد من أبدع المؤلفات الإسلام أسلوبًا وأشملها بحثًا وأجملها عرضًا، إذ قارن فيه بالتفصيل بين مبدأ الج في الإسلام وقانون الحرب الدول الحديث، وميز فيه بكل عناية الجن عن الأعمال الحربية القديمة والحديثة، وكان لهذا الكتاب أثر كبير في فكر الإمام الشهير حسن البنا -رحمه الله تعالى-.

المودودي والغزو الفكري

 اعتمد الاستعمار الإنكليزي فـي حربه ضد مسلمي القارة الهندية على تصدير الأفكار الغربية المدسوسة لتسميم أفكار المسلمين، وعلى تقويم الأفكار المحلية ذات العداء التاريخي للإسلام، الأمر الذي أوجد خطرًا كبيرًا على المسلمين وفكرهم، فتصدى له مولانا المودودي بإيمان وقوة وعلم، وجعل جل همه منحصرًا في تنقية الأفكار وغربلة الدعوات، ومعالج المشكلات السياسية والتربوية والاقتصادية، وإفراغ التعاليم الإسلامية في قالب عصري، يلائم مدارك أهل العصر وطبائعهم، كما أنه كشف النقاب عن عورات الزنادقة والمنحرفين والقاديانيين، وفند مزاعم منكري حجية السنة وانتقد جمود بعض علماء المسلمين، ولقد كان أكثر ما تقدم على صفحات المجلة الشهرية «ترجمان القرآن».

المودودي وإقبال -رحمهما الله تعالى-:

 وفي سنة ١٩٣٧ أقنع محمد إقبال مولانا المودودي بالمجيء إلى لاهور، ليتعاونا معًا في بعث الإسلام، ولكن لسوء الحظ توفي إقبال قبل أن يأخذ هذا العمل شكله النهائي.

المودودي يؤسس الجماعة الإسلامية:

 تمخض كفاحه المستمر وجهاده الدائب لإنشاء حركة إسلامية شاملة عن تكوين «الجماعة الإسلامية» في لاهور سنة ١٩٤١، وانتخب المودودي أميرًا لها، وأعلن أن رسالتها هي الإصلاح الشامل لحياة المسلمين اليوم على أساس الإسلام النقي، واتخاذ الشريعة الإسلامية دستورًا للبلاد. 

 «ونرجو الله تعالى أن نوفق لعرض موجز لها في مقالة أخرى».

المودودي وقيام الباكستان:

 لم يساند مسلم في الهند حركة الباكستان بحماس كما ساندها مولانا المودودي، إذ ألف لذلك الكتب، ودبج الرسائل، وألقى الأحاديث لإقنـاع المسلمين في الهند أنهم أمة متميزة، وعليهم أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم في دولة خاصة بهم، إذا أرادوا صد الاضطهاد الهندي عنهم.

 هاجر المودودي إلى لاهور بعد التقسيم، وكرس حياته كلها لإيجاد منهج إسلامي بقي للحياة في باكستان، تقوم عليه دولة إسلامية حقيقية ذات دستور إسلامي أصيل، وبدأ يطوق البلاد من أقصاها إلى أقصاها، فثارت عليه ثائرة قادة الباكستان وأذنابهم من المنحرفين وألقوه في السجن عام ١٩٤٨، ولكن الجمعية التأسيسية اضطرت للاستجابة لمطالب المسلمين فأصدرت قرارها الذي يعرف بقرار المبادئ، اعترفت فيه بأن الباكستان دولة إسلامية لا يحكمها إلا الله -تعالى-، وأفرج عن المودودي بعد ذلك عام ١٩٥٠.

المودودي يواجه الإعدام بسبب القاديانية:

 لم يكن السجن ليستطيع أن يفل من عزم مولانا -رحمه الله تعالى-، إذ إنه خرج من السجن أكثر نشاطًا وحيويةً وإيمانًا، فأنشأ حركة المطالبة بوضع دستور إسلامي للبلاد، يحقق مغزى قرار المبادئ السابق والتف الشعب حوله مؤيدًا. 

 وفي هذه الأثناء طالبت أغلبية الباكستانيين في البنجاب أن يعلن في الدستور أن القاديانية أقلية منفصلة عن الأمة الإسلامية، ففرضت الأحكام العرفية لإبطال هذا المطلب، فكتب عندئذ مولانا المودودي كتابه «المسألة القاديانية» يدعم فيه هذا المطلب ويشجب سياسة الحكومة، فألقي القبض عليه في مارس سنة ١٩٥٣ ثم حكم عليه بالإعدام، فاستقبل الحكم بشجاعة وإيمان وقال:

 «إن كانت تلك إرادة الله فإني أتقبلها بكل فرحة، وإن لم يكتب لي الموت في الوقت الحاضر فلا يهمني ما يحاولون فعله، فإنهم لن يستطيعوا إلحاق أقل ضرر بي».

 وكانت ردود الفعل والاحتجاجات على هذا الحكم الجائر عظيمة جدًا في جميع أنحاء العالم الإسلامي، الأمر الذي اضطر السلطات لتخفيف حكم الإعدام إلى السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة، ثم أفرج عنه بعد إلغاء الأحكام العرفية، فاستعاد نشاطه الإسلامي دونما أن يستطيع السجن أن يؤثر عليه أدنى تأثير.

 ثم استلم المشير أيوب خان الحكم في باكستان في ٢٧ أكتوبر ۱۹۵۸، وفرض الأحكام العرفية وحل الأحزاب السياسية بما فيها الجماعة الإسلامية، إلا أن هذا القرار لم يزد مولانا المودودي إلا تصميمًا على رفعة شأن الإسلام مهما كلفه من أمر، الأمر الذي ساعده لإعادة الجماعة الإسلامية قانونيًا.

 تزايد نشاط الجماعة الإسلامية حتى بلغ ذروته عام ١٩٦٤، فغضبت الحكومة واعتقلت جميع زعمائها البارزين ثم حلتها، ولكنها وتحت ضغوط الجماهير تراجعت عن ذلك، وهكذا نرى أن صراعًا دائمًا كان يدور بين الجماعة والحكومة وأتباعها الذين كانوا يرون في الجماعة الإسلامية خطرًا عليهم وعلى أسيادهم.

المودودي والصراع الهندي - الباكستاني

 لم يمنع اضطهاد الحكومة الباكستانية مولانا المودودي من أن يقف بكل قوة وإخلاص ضد أطماع الهند في الباكستان، ففي أثناء الهجوم الهندي الغادر على باكستان عام ١٩٦٥، وقف المودودي معلنًا للمسلمين جميعًا أن الدفاع عن الوطن هو الجهاد عينه، وأن كل من يعين البلاد في صد العدوان مجاهد، فارتفعت معنويات المسلمين وكان النصر.

 وإنه لم يدخر جهدًا في إحقاق الحق في كشمير فمهاجم بعنف الوحشية الهندية ضد مسلمي كشمير، وعارض قرارات وقف إطلاق النار وقرار طشقند في ١٠- ١ - ١٩٦٦ لأنها تمثل انتصارًا سياسيًا كاملًا للهند.

 وهكذا استمر مولانا المودودي يقود الحركة الإسلامية في أدق مراحلها وأصعبها بشجاعة وإيمان وقوة إلى عام ۱۹۷۲، حيث وجد أن حالته الصحية لم تعد تسمح له بذلك، فسلم أمانته الثقيلة إلى مولانا ميان طغيل -حفظه الله تعالى- ولم يخلد مولانا المودودي بعد ذلك للراحة، وإنما بقي المرجع الرئيسي للجماعة الإسلامية بالإضافة إلى تفرغه للعمل الفكري الإسلامي، إلى أن أسلم روحه الطاهرة إلى خالقها -جل وعلا.

 ومن الجدير بنا أن نعرف الآن بعضًا من مواقفه:

موقف المودودي من الحكام:

 كان -رحمه الله تعالى- يأخذ نفسه بالعزيمة دائمًا في مواقفه من الحكام -وهذا ما ينبغي أن يكون حال قادة المسلمين أبدًا- فلقد انتقد -رحمه الله- طيلة عمره مساوئ الحكام دونما وجل، أو اعتبار لسلامة شخصه ولراحته، ودون أن تنسيه حسنته لحاكم سيئاته الكثيرة.

موقف المودودي من القومية:

 كان -رحمه الله تعالى- يدعو المسلمين إلى نبذ القوميات وأن يقفوا كتلة متراصة في سبيل الله وللذود عن أنفسهم.

 وكثيرًا ما أعلن أن الإسلام هو المبدأ الوحيد القادر على توحيد الأجناس والأمم، وهو الوحيد الذي يمكن أن يكون أساسًا لدولة عالمية واحدة للعالم كله، وهو القادر على إبراز العدالة الدائمة والسلام العالمي إلى حيز الوجود، غير إنه استخدم مصطلح القومية الإسلامية والمناداة بها مضادة للقومية الهندية، بجعل الهنادك المسلمين أمة واحدة، ورفضًا لذلك كان النداء والعمل على وحدة المسلمين بما يسمى القومية الإسلامية ذا طابع سياسي إبان فترة انفصال باكستان عن الهند -انظر كتاب أبي الأعلى المودودي فكره ودعوته للأستاذ أسعد جيلاني- لذلك فإنه لا شيء يفزع القوى العالمية المختلفة كما يفزعها الإسلام والوحدة الإسلامية، وإن المعركة بين الطرفين هي معركة حياة أو موت.

موقف المودودي من المسلمين بعامة:

 لم يقتصر نشاط مولانا على باكستان فقط، وإنما تعداه إلى جميع الأقطار الإسلامية، فلقد زار فلسطين والجزيرة العربية ومصر وغيرها، ووضع في عام ١٩٦١ وضع -رحمه الله تعالى- خطة كاملة لتأسيس الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، لتخرج العلماء المسلمين الضليعين في العلوم الإسلامية مع المعارف العصرية، والقادرين على حل مشكلات الحياة المعاصرة حلًا إسلاميًا.

 وإنه سخر كل قواه وجماعته لمناصرة العرب في تحرير فلسطين تحريرًا كاملًا وليس جزئيًا.

 وفي دورة انعقاد مؤتمر العالم الإسلامي المنعقد في مكة عام ١٩٦٦، أكد -رحمه الله- بصفته أحد مؤسسي هذه الرابطة على الحاجة الملحة لاكتفاء كل قطر إسلامي ذاتيًا من الناحية العسكرية، وأن يلقي اعتاده على غيره.

المودودي والعلم:

 لم يمنع المودودي جهاده المتواصل وحياته غير المستقرة واعتقاله وغير ذلك، لم يمنعه من أن يترك وراءه مؤلفات علمية تفوق من حيث الكم والنوع كل من سبقه في هذا الميدان.

 ولم يقتصر -رحمه الله- على العلوم الإسلامية فقط، بل وهبه الله -تعالى- بصيرة نافذة في المعارف الدنيوية حتى غدا عالمًا موسوعيًا، ونرى ذلك واضحًا إذا ألقينا نظرة فاحصة على مؤلفاته العظيمة التي تجاوزت المائة، والتي عالج فيها العقيدة والفكر والشريعة والحياة والسياسة والقانون والتربية، وأبرز فيها علو النظام الإسلامي على كل نظم الحياة الأخرى بدقة متناهية. 

 وهذه بعض من مؤلفاته العظيمة:

مؤلفات المودودي المترجمة إلى العربية:

- مبادئ الإسلام.

- المصطلحات الأربعة في القرآن.

- نظرية الإسلام الخلقية.

- الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية.

- الحجاب.

- تفسير سورة النور.

- موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه.

- واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم.

- الجهاد في سبيل الله.

- الإسلام والجاهلية.

- شهادة الحق.

- الدين القيم.

- منهج جديد للتعليم والتربية.

- أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة.

- معضلات الاقتصاد وحلها في الإسلام.

- مسألة ملكية الأرض في الإسلام. 

- نظرية الإسلام وهديه في السياسة والدستور والقانون.

- القانون الإسلامي.

- نظام الحياة في الإسلام.

- واجب الشباب المسلم اليوم.

- حاجة الإنسانية إلى جماعة رشيدة.

- البعث بعد الموت.

- الثبوت العقلي للرسالة المحمدية.

- نحن والحضارة الغربية.

- المسألة القاديانية.

- البيانات.

- الحضارة الإسلامية: أصولها ومبادئها.

- حركة تحديد النسل في ميزان النقد.

- تذكرة دعاة الإسلام. 

- أضواء على حركة التضامن الإسلامي. 

- الإسلام والمدينة الحديثة. 

- في محكمة العقل.

- بين الدعوة القومية والرابطة الإسلامية.

- العدالة الاجتماعية: حقيقتها وسبل تحقيقها.

- حدود التشريع الإسلامي ومكانة الاجتهاد فيه.

- نحو ثورة إسلامية.

 وفي نهاية المطاف فقد كان مولانا المودودي -رحمه الله تعالى- من الصفوة النادرة الذين جمعوا بين الإخلاص، والكتابة، والخطابة، والجهاد.. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وأفاد به المسلمين وعوضهم خيرًا.

الرابط المختصر :