; صفات للداعية في مطلع سورة «المدثر» | مجلة المجتمع

العنوان صفات للداعية في مطلع سورة «المدثر»

الكاتب صالح الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1979

مشاهدات 62

نشر في العدد 441

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 17-أبريل-1979

إن الآيات الأولى من كتاب الله العزيز لها طابع خاص ووقع مميز وإحساس عميق مؤثر، ومع أن الآيات الأخرى على مدى تنزلات القرآن تحمل ذات الصورة لأنها من الله العليم الخبير العزيز الحكيم إلا أن الأمر يزيد تأثيرًا فيما نزل في البدايات ومن جملة ذلك مطلع آيات سورة المدثر؛ إذ ثبت أنها نزلت بعد آيات سورة اقرأ (العلق)، ويترجح من الروايات أن سورة المزمل بعدها، وأيًّا ما كان فإن معناهما متقارب، إلا أن الأمر الذي نقف عليه هو شعور الداعية الإيماني وهو يتلقى الآيات الأولى وهي وصايا وتوجيهات ربانية من العلي القدير... هذا الشعور المرهف الدقيق الذي يحمل أريجًا طيبًا ويبعث الحركة والإنعاش في النفس الساكنة وذلك أن الطريق في بدايته والوصايا فيه بمثابة عوامل تركيز وانطلاق تنساب في نفس الداعية الأول صلى الله عليه وسلم ومن سار على نهجه، غارسة معاني العزم والثبات، ولنتأمل ذلك الجو الأنيس بصفاء الإيمان، الشديد الصعب بثقيل التكليف، فنرى سيدنا المصطفى عليه الصلاة والسلام يتلقى مهمات الأمور ومشاعل النور؛ فكيف يحملها؟ وكيف يواجه بها الناس في ظلام دامس وفي جاهلية عمياء؟ لنتأمل هياكل الكلمات في بنائها فنقف على مضامين كلية شاملة إذ كانت طبيعة الآيات قصيرة محدودة الكلمات في هذه الفترة المكية التأسيسية وكانت كلماتها حاوية لمعاني الشمول، والتوجيهات الانضباطية الحكيمة.

إن سورة المدثر المكية تحمل معاني ما سبق لتعزيز حركة الداعي إلى الله، وتوجه إلى أعمال مبتغاها الصلابة والانتشار الحركي الدقيق وتحديد الخطوات وزيادة البذل والعطاء إلى غير ذلك.

• ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (المدثر: 1) نداء رباني من العلي الكبير لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، يبين لنا أن المخاطب كان متدثرًا متغطيًا بدثار وهو الغطاء أو الكساء أو اللحاف الذي يكون فوق الملابس الخاصة التي تلامس البدن فهي تسمى (شعارًا) لأنها تلامس البشرة والملابس فوق الشعار تسمى دثارًا، وتتضح حقيقة المعنى في حديث جابر رضي الله عنه الذي أخرجه البخاري من كونه صلى الله عليه وسلم كان بحراء حيث سمع صوتًا فلما رفع رأسه رأى الملك الذي جاءه بحراء فأخذته رهبة وذهب إلى داره قائلًا لخديجة رضي الله عنها (زملوني- دثروني). ويحمل النداء ملاطفة وتحبيبًا للمخاطب لندائه بحالة هو عليها أن يتركها ويقوم رفعة وتكريمًا له من كون هذه الحالة لا تناسب الظرف الموجود ولكن عليه أن ينهض فالنداء يشير إليه من كونك أيها الشخص الكريم متدثرًا وضع لا يليق الآن وعليك أن تقوم وتترك النوم والدثار.

• ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (المدثر: 2) وهنا طلب القيام حدد بأنه للأمر الثقيل الصعب وهو نذارة البشرية، وتحمل الكلمة طابع القوة والصدع والنشاط بالذات تزيد هذه المعاني اتساعًا لأنها أمر من الله سبحانه بالإنذار، وواضح أنها تكون للخطر الداهم فتكون جرس تنبيه من الغفلة وجرس صحوة من رقاد وأي غفلة ورقاد من أوضاع الجاهلية البعيدة عن هدى الله؛ إذن فأنت تحمل أمانة وهي أن تنشط وتتحرك منذرًا الناس بأنهم في ضلال وبأن مصيرهم -إن لم يؤمنوا- مصير أسود أليم سيكون في جهنم والسعير وسقر. وقيل إنه جاء الأمر بالإنذار دون التبشير باعتبار أن البشارة تكون لأهل الخير ولم يكن هناك من أهل خير واقتضى الوضع ذكر الإنذار.

• ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (المدثر: 3) تكبير الله سبحانه، علامة قوة ورفعة وعزة للمسلمين لذلك كان من فضل الله لإظهار اعتزاز المؤمنين بربهم أن تكون صوت هجوم وغلبة على الأعداء في القتال ومن فضله سبحانه أن تكون دعاء لهم أيام العيد (الفطر والأضحى)، كما أنها المطلوب الأول للقيام بالإنذار؛ إذ إن الدعوة تحتاج إلى متطلبات وأعمدة تقوم عليها، وأولها وأهمها هو اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى بالاستعانة به والتوكل عليه وتكبيره. وهذا التكبير يغرس في شعور المؤمن أنه غالب منصور وأن الله هو الأكبر وحده وما دونه أيًّا كان هو الأصغر، ذلك أنه سبحانه الخالق العظيم العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون. وتملك النفس بهذا الإحساس العميق يجعل انطلاقة المؤمن في إقدام واندفاع دونما تردد وتراجع دونما خوف أو وجل. وهنا التعبير بالربوبية له مدلول الصيانة والعناية فهو المربي جل وعلا وهو الموجد من العدم، وطبيعة النفس أن توقر القائم بها ومكرمها فكيف بمن أوجدها وربّاها وبين لها الطريق المستقيم؟ لذلك فشعور العظمة والكبرياء وأن الله هو الكبير سبحانه شعور مطبوع في قلب المؤمن يخالجه دومًا حتى في أنفاسه. وبعد كون المؤمن المكبر لربه تجيء تباعًا متطلبات أخرى للإنذار والقيام بالدعوة إلى الله تعالى.

• ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (المدثر: 4) والطهارة مطلب ضروري لصحة الإنسان واستقامته وهو المراد في الآية من مجموع الأقوال الكثيرة المتضاربة في معناها؛ فقد ثبت أنها كناية عن الطيبة والسوء وذلك من قولهم للرجل إذا كان صالحًا: إنه طاهر الثياب، وإذا كان فاجرًا: إنه لخبيث الثياب. وقال سعيد بن جبير: وقلبك وبيتك فطهر. وقال الحسن والقرطبي: وخلقك فحسن. وقال طاووس: وثيابك فقصر؛ لأن تقصير الثياب طهرة لها. وقال ابن القيم -معلقًا على ما سبق-: ولا ريب في أن تطهيرها من النجاسات وتقصيرها: من جملة التطهير المأمور به؛ إذ به تمام إصلاح الأعمال والأخلاق؛ لأن نجاسة الظاهر تورث نجاسة الباطن. ولذلك أمر القائم بين يدي الله عز وجل بإزالتها والبعد عنها. أ.ه.

وهناك رسالة نُشرت أخيرًا للدكتور الفاضل عبد الله دراز رحمه الله، وهي عبارة عن أحاديث حول معنى هذه الآية الكريمة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (المدثر:4) إذ بناها على قوله تعالى ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (الأعراف: 26) وجعلها شاملة لمعاني الكسب الطيب والبذل والإنفاق والخلق المستقيم ونحو ذلك.

وقد أطنب العلامة الألوسي رحمه الله في إيضاح الآية ومن جملة قوله إشارة لبيان ما سبق ذكره قوله: «ومناسبة هذه المعاني لمقام الدعوة مما لا غبار عليه، وقيل على كون تطهير الثياب كناية عما مر يكون ذلك أمرًا باستكمال القوة، القوة العلمية بعد الأمر باستكمال القوة النظرية والدعاء إليه، وقيل إنه أمر صلى الله عليه وسلم بالتخلق بالأخلاق الحسنة الموجبة لقبول الإنذار بعد أمره عليه الصلاة والسلام بتخصيصه ربه عز وجل بالتكبير الذي ربما يوهم آباءه خفض الجناح لما سواه عز وجل واقتضاءه عدم المبالاة والاكتراث بمن كان فضلًا عن أعداء الله جل وعلا فكان ذكره لدفع ذلك التوهم». أ.ه.

وعليه فإن المطلب الثاني للقيام بالدعوة هو الاهتمام بجميع محامد الأخلاق وكريم الصفات ونقاء المظهر والمخبر ويتضمن المعنى أيضًا استقامة الشخصية واعتداد المسلم بنفسه والدقة في القول وما هو يتميز ببيانه في المطلق الثالث من ترك فاحش وبذيء القول والفعل.

• ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (المدثر: 5) إن النهج السليم يتطلب البعد عن كل ما شأنه سببًا للعذاب؛ ولذلك أمر البارئ عز وجل بهجر الرجز وهو العذاب بالمعنى اللغوي، وفي الحقيقة ترك المآثم والمعاصي؛ لأنها تؤدي إليه، وعليه فسر الرجز بالإثم والمعصية والقبيح والسوء؛ لذا وجب على الداعي إلى الله التحلي بحميد الخلال والبعد عن الإثم والسوء وقبيح الفعل والقول.

والدعوة إلى الله سبحانه تتطلب البعد عن السفه والطيش والجفاء والبعد عما نهى الله عنه ومخاطبة الناس بالكلام الطيب المفيد وباللفظ الحسن الجميل وتحقيق معنى الحديث الثابت في توجيه النبي صلى الله عليه وسلم «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» وقوله «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن». ومن هجران الرجز ترك القبيح المستقذر، عدم الاهتمام بزخارف الدنيا والزهد فيها ذلك: -إن السلامة فيها ترك ما فيها- ويقال كل ما ألهى عن الله فهو رجز يجب على المؤمن هجره.

• ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (المدثر: 6) وأصل المن الضعف أي لا تضعف على ما تقدمه وتعطيه فتطلب أكثر منه، ذلك أن المستكثر هو من يهب شيئًا ويطمع أن يتعوض من الموهوب له أكثر من الموهوب، وخلاف أن ذلك جائز وأن النهي للتنزيه، إلا أن المعنى ينطبق على سلوك العامل لربه من كونه لا يستكثر حسناته بل دائمًا يشعر بالتقصير، وإن فضل الله ليس له حدود كما أنه لا يعتبر حركته في سبيل شيئًا كبيرًا وعمله عملًا واسعًا ضخمًا، وإنما دائمًا يدعو الله سبحانه بالقبول ويسعى إلى العطاء الأكثر وإنه لا يريد من دعوته وجاهة ولا مالًا ولا سلطانًا ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ (يونس: 72)، كما أنه لا يمكن على عطية قدمها، ذلك أن المنان ممن لا ينظر الله إليهم يوم القيامة كما جاء في الحديث الشريف. والمهم كمطلب رابع للقيام بالدعوة والإنذار بها أن الآية الكريمة يفهم منها الديمومة والاستمرار في الحركة في سبيل الله، وذلك فيه معنى الثبات والرسوخ والصدق في دعوة الحق وعدم اليأس والفتور والتراخي.

• ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (المدثر: 7) وهنا أمر بديع في حكيم قوله الله سبحانه وهو إعادة كلمة (لربك) مرة ثانية في خاتمة التوجيهات حيث بعدها ينتقل الحديث عن يوم القيامة فهنا إعادة اللفظ الكريم (ربك) دليل في الإعجاز البياني للكتاب العزيز من حيث التساوق والانسجام في معاني الآيات وامتلاء كلماتها بجوامع وشمولية المعاني التي تشير إليها؛ فمطلب تطهير الثياب في ﴿فَطَهِّرْ﴾ يشمل معاني الخير والبذل والبر ومطلب هجر الرجز يحوي الكف والترك لجميع الآثام ولتوحيد الله (باعتبار الرجز شركًا) وعدم الشرك به نبذ مظاهر الشرك والسوء. ومطلب عدم المن للاستكثار يتضمن عدم انتقاص الأخير واعتبار أنه الأفضل منهم والحرص على زيادة الخير وعدم التردد في دعوة الله سبحانه. وهناك كلمة الصبر وهي الكف وإمساك النفس عن اليأس والطيش والسفه والضعف والهوان والتكبر بمختلف المعاني التي يدور معها الصبر سواء الصبر في ميدان القتال عن الخضوع والرضوخ للأعداء أو الصبر عن الجوع والعطش وسماع الأذى من الذين كفروا والذين أوتوا الكتاب أو الصبر على الفتن والإيذاء والتعذيب والتشرد.

وقد جاء الصبر في ختام الوصايا الربانية الإلهية من الله سبحانه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى عباده المؤمنين في هذه الآية بعدما سبق في قوله ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (المدثر: 7) وفي قوله سبحانه ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ في سورة (العصر: 3) ذلك لكي يكون الصبر خاتمًا وكأنه المهر والتصديق على القول السابق فكل أمر يحتاج إلى صبر، وقد أثنى الله على الصابرين أيما ثناء بقوله سبحانه ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10) وقال سبحانه ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ (السجدة: 24). ومعلومة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في الصبر فهو ضياء وهو عند الصدمة الأولى إلى غير ذلك.

ولهذه الأهمية التي يحتلها الصبر فإن الداعي إلى الله سبحانه لا بد أن يتميز به ويكون صابرًا لا يستعجل الثمرة قبل نضجها ولا يتسرع بل يكون حليمًا متأنيًا، وإن لم يصبر الداعي على ظلم الناس وكيد الأعداء ولم يصبر على ضعف الضعفاء وعلى أهل الإلحاح والتفقه لم ينل غايته ويدرك مقصوده ويبلغ دعوة الله.

• وبعد: فتلك خصال وسمات لمن أراد أن يدعو ربه على بصيرة سبق بها التوجيه الإلهي للداعية الأول صلى الله عليه وسلم فلنعش في ظلالها متذكرين أيام بزوغ الدعوة ومكابداتها لحروب الأعداء ومكايدهم، ولتكن لنا هذه الآيات زادًا على مواصلة الطريق وابتغاء مرضاة الله سبحانه.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 16

1053

الثلاثاء 30-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 16

نشر في العدد 32

142

الثلاثاء 20-أكتوبر-1970

الجهاد ماض إلى يوم القيامة