العنوان القرآن عقيدته وتعاليمه.. صـد الهجوم الشيوعي على القرآن الكريم (المقال الأخير)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1973
مشاهدات 12
نشر في العدد 154
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 12-يونيو-1973
·
من نكات
العصر!
·
دعاة
الطبقية والحقد يتحدثون عن الوئام الاجتماعي والمحبة!!
·
في
القمة: بريجنيف يجر وراءه طابورًا من السيارات الفخمة الخاصة
·
تحت: على
مستوى الشعب.. الرجل العادي لا يجد قطعة صابون جيدة!
· مغزى سياسي: الكتاب الشيوعي: دعاية مكثفة للنظام الشيوعي في روسيا..
·
ابن
الراوندي ملحد.. ولذلك اعتمدوا كتبه مرجعًا
مقياس.. ولكن ليس في صالحهم!
فقرة واحدة - قيلت كحق يراد به باطل - في هذه
النشرة الإعلامية المسماة «القرآن عقيدته وتعاليمه!» التي أصدرتها السفارة
الشيوعية في إسلام آباد.. وهذه الفقرة هي:
«عند النظر إلى كتاب أو آخر، واعتبار الحقائق
والأفكار الواردة فيه، لابد من معرفة مؤلفه ووقت ومكان كتابته، ولمن كتب هذا
الكتاب، وفي أية ظروف تاريخية واقعية قد ظهر، وبعد أخذ كل ذلك في الحسبان فإنه
يمكن فهم جوهر الكتاب المحلل وتقويمه التقويم الصحيح إجمالًا وتفصيلًا» (ص 24).
وبوضع هذه النشرة الإعلامية الصادرة من سفارة موسكو
على مقياس هذه الحملة، ماذا يمكننا أن نفيد منها؟
● أولًا: من مؤلف هذا الكتاب؟
إنه «محيي الدينوف» السفير الموظف لدى الحزب الشيوعي
الحاكم، والذي يخضع لظروف عامة وخاصة قمنا بتحليلها في حديثنا السابق، ولا مجال لتكرارها
هنا.
● ثانيًا: ما الوقت الذي ألّف
فيه هذا الكتيب؟
- إنه
الوقت الذي يشعر العالم العربي فيه بخيبة أمل كبيرة في الاتحاد السوفيتي، بعد
رحلة خداع طويلة، أسفرت عن هزائم عربية، تعتبر نشازًا في تاريخ الأمة
العربية، بكل أبعادها السياسية والعسكرية والاستراتيجية!
إنه الوقت الذي طُرد فيه الروس من بلدان عربية
كانوا يؤملون في السيطرة عليها.. ولا موطئ قدم لهم في الخليج، وهم لا يجدون لهم
متنفسًا في بلدان العالم العربي إلا في بلدين يقفان فوق فوهة بركان.
أجل: إنه الذي بان فيه الوجه الصهيوني الحقيقي
للماركسية كصناعة يهودية، وتكشفت هوية الاتحاد السوفيتي كعدو حضاري للعرب.. يستفيد
من هزائمهم، بل يجرهم إلى هذه الهزائم، ويمد أعداءهم بالخبراء والعلماء
والمهاجرين!!
هذا هو الوقت الذي ظهر فيه هذا الكتيب -بإيجاز-!!
● ثالثًا: في أية ظروف تاريخية
واقعية ظهر الكتيب؟ ولمن كتب هذا الكتاب؟
- لقد
ظهر هذا الكتيب في ظرف من أسود ظروف العرب التاريخية، ظهر على مشارف الذكرى
السادسة لأكبر هزيمة لحقت بهم في تاريخهم.. ظهر وهم محرومون حتى من القتال
والموت.. وهم محرومون حتى من قطع الغيار للأسلحة التي اشتروها من عدوهم
السوفيتي الذي أظهر لهم -في أحلك ظروفهم- بشاعة وجهه الحقيقي.. ظهر الكتاب
والظروف الواقعية للعرب من أسوأ ما تكون الظروف.. فرقة عجيبة أمام عدو
متماسك!! اختلاف على أبسط الأمور في وجه قوى متنافرة اجتمعت كلمتها على أعقد
الأمور اختلافًا بينها من أجل القضاء عليه.. ظهر هذا الكتاب في هذه الظروف
التي لا نستطرد في تحليلها.. ظهر الكتاب لهؤلاء العرب، وكتب لهم، ووزع عليهم
هدايا مجانية.. من أجل أن تزداد أبعاد هزيمتهم أعماقًا جديدة.. ومن أجل أن
تتكرس فرقتهم، ومن أجل أن يظهر مجرى جديد يستنفدون فيه ما بقي لهم من فضلة
أمل.. فتزحف اليهودية الماركسية تلتهم نصيبها من الجموع المتنافرة.
هل أدركنا -إذن- ووفق القواعد التي وضعها محيي
الدينوف الأبعاد الحقيقية لعمل من نوع هذا الكتيب، في ظروف من نوع الظروف التي يمر
بها العالم العربي؟!
إن مناقشتنا لقضايا الكتاب يجب ألا تنفصل عن هذه
الظروف؛ لأننا في الحقيقة لا نجد أمامنا قضايا محددة نستطيع مناقشتها، بل نجد
مجموعة مما اضطررنا -آسفين- لإطلاق كلمة «هلوسة» عليه؛ لأننا في الحقيقة لم نجد
بديلًا لهذه الكلمة، يحمل الظلال الحقيقية التي أردنا، ويصور الكتيب التصوير
العلمي الواقعي!
دعاية هزيلة
ومع ذلك.. فدعنا نجمع من هذه الشتائم شيئًا نحاول
أن نرد عليه، تعليمًا لهؤلاء الموظفين السياسيين الذين يحشرون أنفسهم فيما لا علم
لهم به، ولا طاقة لأمثالهم بالإحاطة به..
وعبر سطور الكتاب نجد متناثرات تحاول أن تزرع في
النفس تفضيلًا للمجتمع الذي تخلقه الشيوعية على المجتمع الذي يخلقه الإسلام، وليس
بنا حاجة في الوقوف طويلًا عند رمي القرآن بأنه «الكتاب الذي يحول نظر الإنسان إلى
الخلف، في الماضي وليس إلى الأمام» (ص 40)، وأنه يدعو إلى «السلبية، وعدم انتصار
العمل الإنساني، وعدم إمكانية بناء مجتمع سعيد، لأنه يرى أن الإنسان خلق «ضعيفًا»
«غير صبور» «عجولًا»، والدنيا في رأي القرآن -كما يقول الكتيب- خداع ولهو.. إلى
آخر هذا السيل من الشتائم (ص 41) الذي يلاحظ فيه أدنى مُلم بالإسلام المواطن
الحقيقية، والمراد الحقيقي، بهذه الأوصاف، ويلاحظ هذا كذلك بتر النصوص الذي يمثل عملية
غير علمية، كما يلاحظ أن النصوص لم تجمع إلى نظائرها التي تتعلق بالموضوع المتحدث
عنه.. لكي تتم الصورة!
أقول: ليس بنا حاجة إلى الوقوف عند هذه النصوص،
وبإمكان المثقف الأدنى أن يعرف المكانة الحقيقية التي يتبوأها الإنسان كخليفة في
الأرض مطالب بتسخير الكون والسير فيه والسعي في الأرض، وهو من أجل كل ذلك يقول
القرآن فيه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ
مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70).
أقول مرة ثانية: إن بإمكان أي باحث أن يعرف المكانة
الحقيقية للإنسان في الأرض حين يقرأ القرآن، وحين لا يكون «مزيّفًا مغرضًا» يترك
الآيات القرآنية التي لا تخدم غرضه، ويتجرأ فيبتر النصوص القرآنية كي تخدم أغراضه
السياسية!
القضية ليست قضية «الإنسان في القرآن» ولا «المجتمع
الذي يصنعه القرآن»، فذلك أمر مفروغ منه شهدت به صفحات التاريخ.
إن القضية ليست هذه القضية.. إنها قضية الدعاية
السوفيتية المباشرة للاتحاد السوفيتي، تلك الدعاية المستهلكة التي يروجها الكتاب
في غير موضع من المواضع: «إن القواعد الأخلاقية والقانونية في القرآن والشريعة تطورت
في مجتمع طبقي وتعكس مصالح المستغلين، لا يوجد بينها وبين الإنسانية الحقة أي شيء
مشترك، مع الإنسانية التي أدخلها الزعماء الشيوعيون والتي تشمل مبادئ أخلاقية مثل:
العلاقات الإنسانية والاحترام المشترك بين الناس المختلفين: الإنسان للإنسان صديق،
رفيق وأخ، صداقة وأخوة بين كل سكان اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية، وعدم
السماح بالكراهية الجنسية والأهلية، تضامن أخوي مع كل الناس العاملين في البلاد
المختلفة، مع كل الناس» (ص 56).
بين السلوك الإسلامي والسلوك الشيوعي:
إن القضية في الحقيقة هي هذه القضية الدعائية! ومن
ضياع الوقت أن نتوقف عند العبارات التي تحاول تفضيل «الرفاهية» للطبقة العاملة،
وتزكي «صراع الطبقات» والصراع ضد «الإمبريالية» وضد «الملكية الخاصة» وضد
«الأديان» وضد «الملاك» و«ضد المفكرين».. وتعلن الحرب على كل القيم الإنسانية،
وعلى التاريخ والحضارة.. ويزهو «ستالينها» بأنه سحق خمسة ملايين نسمة، وتستعبد
شعوبًا بأكملها تحت شعارات مختلفة، وتحرم طبقات بأكملها من حق الحياة وحق التعبير..
نعم.. من ضياع الوقت أن نقارن بين أخلاق وقواعد هذا
المستوى، وبين القواعد والأخلاق الإسلامية.. أخلاق الأخوة الإنسانية العامة،
والأصل الواحد، والحقوق الواحدة، والقانون الواحد، والواجبات الواحدة..
الأخلاق والقواعد التي رسم حدودها القرآن: ﴿يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).
وفضحت السنة كثيرًا من أبعادها، وكان سلوك صاحب
الرسالة العظمى (عليه أزكى الصلاة وأتم التسليمات) أروع نموذج عرفته البشرية.. كان
متواضعًا.. يمكن للمستضعفين في الأرض، ولم يكن يفضلهم بشيء مادي، ينام على خشن،
يشارك أصحابه في طبخهم ومتاعب سفرهم، وينام الليل على فراش خشن مؤثر في جانبيه..
وكان أصحابه- العاديون من البشر- يسيرون على هذا الهدى.. يحرمون على أنفسهم ما لا
يتمتع به سائر شعبهم من المسلمين.. لا يكادون يجدون ما يطعمون به زوجاتهم حلوى وهم
يسيطرون على نصف الدنيا.. ويعملون -وهم حكام- بالتجارة في الأسواق ليعيشوا!
لم يكونوا يتمتعون على حساب شعوبهم المسحوقة بهدايا
الإمبرياليين الاستعماريين وصدقاتهم، بل كانوا يعتبرون كل ذلك من حق «بيت المال»..
وإذا أهديت لأحدهم «سيارة مرسيدس 450» ثمنها (60 ألف ليرة لبنانية) ووجد أن بكراجه
الخاص سيارات أخرى «كاديلاك أمريكية، ورولز رويس بريطانية، وسيتروان فرنسية» (وهي
سيارات ليونيد بريجنيف)! استكثر على نفسه -كمسلم يحكمه قانون إسلامي- سيارات أربع،
بينما شعبه لا يستطيع شراء «صابونة الغسيل ذات الرائحة الجميلة» لأنها في عرف
الشيوعية المتساوية «كماليات إمبريالية» وتطلعات «بورجوازية»!
الانسحاب الماركسي المعاصر
ونترك محاولتنا العابرة جداً للمقارنة بين هذين
النظامين، لنوضح قضية الدعاية السوفيتية التي تشيع روائحها في كل صفحات النشرة
الروسية:
-
هل حقيقة
تعتبر التجربة السوفيتية عملًا إنسانيًا؟ فضلًا عن كونها عملًا إنسانيًا متقدمًا؟
وإذا كان الأمر كذلك، فما معنى الانفتاح الأخير على
الدول الإمبريالية.. واستدرار عطفها، والتخلي لها عن مناطق النفوذ، في مقابل
«القمح» وبناء مصانع يابانية وألمانية؟!
ما معنى أن يتزعم بريجنيف حملة لتحويل الاتحاد
السوفيتي من دولة تقف كقوة أولى في وجه الإمبريالية الأمريكية والأوروبية إلى دولة
تتزلف القوى الإمبريالية لكي تعيش؟.. من دولة ذات خطر عالمي إلى دولة تتسول
عالميًا على موائد أعدائها، وتحاول أن تقلدهم، وتنهج -من جديد- نهجًا زراعيًا،
وصناعيًا استهلاكيًا، واستدراجًا للسياح، وترسم الخطوط والمشاريع لتأمين الخبز
والفاصوليا وبناء الفنادق للسياح الإمبرياليين الذين يفدون ومعهم «الدولار»!
في هذا الشهر -على كل حال- أنهى بريجنيف زيارته
للرأسمالي الكبير «ويلي برانت» رجل ألمانيا، وفي الشهر القادم سيزور «بريجنيف»
معقل الرأسمالية «البيت الأبيض الأمريكي».. وهو يعلن أنه سيقوم بهذه الزيارة مهما
احتج المجتمع الأمريكي ما لم تقم هزة أرضية (أي دلال بعد هذا؟).. ومع ذلك فدعونا
نتصور ونحلم وهميًا بأن المجتمع الشيوعي هو المجتمع الفاضل.. فهل يحب الشيوعيون أن
نستعين لهم بكتابات ابن من أبنائهم وصل إلى أعلى المراكز عندهم، فلما أتيحت له
فرصة اللجوء السياسي إلى أمريكا، والهروب من الرفاهية الروسية.. انتهز الفرصة
فورًا؟! هل يحب الشيوعيون أن نستعين لهم بكتابات الرفيق «فيكتور أندريفتش
كرافتشينكو» صاحب الكتاب الضخم «آثرت الحرية»؟!
لا داعي.. لأنه ابن مارق عاق.. تعيش في أحشائه
جرائم بورجوازية؟ هكذا يقول «الرفاق» الجدليون!
- هل يقبل الشيوعيون حكم سائح محايد هو «أنطوان
دومازة» في كتابه الذي سرد فيه ما رآه عند زيارته للدول الاشتراكية والشيوعية
«عائد من الجحيم»؟!!
وأيضًا لا داعي.. فالشيوعيون لا يثقون في كلمات أحد
لا ينطلق من شعاراتهم!
- هل
نترك العشرة الهاربين من الشيوعية بعد سقوطهم فيها يتحدثون؟
- إننا
لن نحاول شيئًا من ذلك؛ فهناك مئات الدراسات من هذا النوع.. ولا داعي لتسويد
صفحاتنا بها..
إننا نريد فقط استنتاج بديهية.. هي أن الناس لا
يهربون من النعيم!
ومهما يكن مزاج «كرافتشنكو»، فإنه لا يمكن أن يخرج
بعد هذا المنصب الذي حصل عليه لأسباب واهية..
وليس كرافتشنكو وحده، فكل من أتيحت له فرصة الهروب
من الجحيم الشيوعي لم يتوان عن استغلال الفرصة، وترك الجحيم الشيوعي دون أسف..
هكذا هربت ابنة ستالين نفسه، وكتبت كتبًا ضد نظام أبيها، وهكذا هرب «جان
كوبكلنسكي» ربان الباخرة البولوني، وهكذا هرب «ريتشارد روكينس» الملحق التجاري
التشيكوسلوفاكي في دمشق، وهكذا هرب الدكتور هردن ريفي من الصين، وهرب كثيرون لا
مجال لحصرهم..
بل إن شعوبًا بأسرها حاولت الفكاك من سجن الاستعمار
الشيوعي ففشلت في ذلك، والمجر وتشيكوسلوفاكيا أبرز دليل على ذلك.
فهل هذه هي الرفاهية التي تحلم بها البشرية؟ وهل
بلغ الجنون بالناس أن يهربوا من النعيم؟ وهل يمكن خداع كل الناس طول الوقت؟
ابن الراوندي الملحد
ونحن نجد أنفسنا بعد تخطينا لهذه الدعاية الشيوعية
-أمام نقطة أشرنا إليها عَرَضًا في كلامنا السابق، وهي اعتماد كاتب النشرة على
الملاحدة، وظلمه لبعض الفلاسفة، وقد ضرب مثلًا للمتحدين للقرآن «بابن الراوندي»
الذي ظهر في القرن التاسع الميلادي، وكان معتزليًّا وجد احتقارًا شديدًا من
جماعته.. فثار ضدهم وضد الإسلام كله، منطلقًا من عقدة الشعور بالمهانة..
وبالطبع نحن لا ننتظر من مثل هذه النشرات التي
تصدرها السفارات أن تلتمس الحق فيما تنشر، وبالتالي فإن شيئًا حقيقيًّا لم يُذكر
عن ابن الراوندي في النشرة، وإنما عومل وكأنه عالم مسلم من جهابذة المسلمين.. مما
يدفعنا هنا إلى ذكر شيء عنه، ننقله من مصادره المعاصرة له -خضوعًا للمنهج العلمي
الذي يحترمه ويقود خطاه ديننا الحنيف-.
«ابن الراوندي -وهذه شهرته- هو أبو الحسين أحمد بن
عيسى بن إسحاق الراوندي، من أهل مرو الروذ، وراوند إحدى قرى قاسان بنواحي أصبهان..
وقد سكن المذكور بغداد، وكان من متكلمي المعتزلة، ثم فارقهم، وصار ملحدًا زنديقًا»
(انظر وفيات الأعيان لأحمد بن خلكان- مادة أحمد - وانظر: معاهد التنصيص لعبد
الرحيم العباس: 1 / 76 من طبعة بولاق).
كان ابن الراوندي من المتكلمين، وكان في أول أمره
حسن السيرة، حميد الخلال، ثم انسلخ من ذلك كله لأسباب عرضت له، وقد حكى جماعة أنه
تاب عند موته مما كان منه، وأظهر الندم، واعترف بأنه إنما صار إليه حمية وأنفة من
جفاء أصحاب له، وتنحيتهم إياه من مجالسهم (نقلاً عن كتاب الانتصار للخياط المغزلي،
وهي منقولة عن محاسن خراسان للبلخي).. وأكثر كتبه الملحدة ألّفها لأبي عيسى
اليهودي الأهوازي، الذي يبدو أنه استغل فيه عقدة النقص والشعور بالمهانة، وأغدق
عليه! كما أن أباه كان يهوديًّا!
وقد اختلف في سبب إلحاده، فقيل فاقة لحقته، وقيل
تمنى رئاسة فما نالها، وقيل للسبب الذي ذكرناه، وقد صنف كتبه لليهود تارة،
وللنصارى تارة، وللتشويه تارة، وقد صنف كتابًا للرافضة أخذ فيه 30 دينارًا.. وقد
صنف ابن الراوندي قبل إلحاده عديدًا من الكتب منها:
● كتاب الأسماء والأحكام
● كتاب الابتداء والإعادة
● كتاب خلق القرآن
● كتاب البقاء والفناء
● كتاب لا شيء إلا موجود
● كتاب الطبائع
● كتاب اللؤلؤة في تناهي الحركات
وهل يمكن أن يؤخذ شخص مضطرب بهذه الطريقة كمقياس
يستدل به؟ هذا المعتزلي تارة، الملحد تارة أخرى.. هذا الذي يؤجر قلمه لكل من يدفع
سواء كان يهوديًّا أو وثنيًّا أو نصرانيًّا.. هذا اليهودي الأصل.. المتظاهر
بالإسلام.. المعقد الباحث عن المنصب والشعور بالوجود والمال بكل السبل.. هذا الذي
يكتب في الإسلاميات هذه الكتب الكثيرة.. ثم يكتب «كفريات» لا تقل عنها.. ثم يعود
فيتوب في آخر حياته.. هذا المختل سلوكيًّا وعقليًّا.. الذي كان اليهود يقولون
للمسلمين في شأنه: ليفسدن هذا كتابكم كما أفسد أبوه التوراة علينا!
هذا النموذج لكل هذه الصفات الخلفية، والنفسية
والسلوكية.. أيجوز أن يكون أكبر نموذج يستدل به سفير روسي، المفروض أن يكون ذا
عقلية علمية؟!
ألا يمكننا أن نستشف من هذا مدى ضعف الحجة لدى
الملاحدة؟ وأيضًا.. ألا يزيد هذا إيماننا بأصالة القيم التي بين أيدينا -نحن
المسلمين؟!
ونحب أن نقف عند ثلاث قضايا نعتبرها القضايا
المحددة التي حاول الكتاب -في نصفه الأخير- أن يركز عليها..
وهو -كالعادة- يحشد هذه القضايا حشدًا متناثرًا
حافلًا بالأساليب الشيوعية المعروفة، أعني تلك الأساليب المعتمدة على السب والرمي
بالألفاظ الماركسية المستهلكة.
لكننا -كعادتنا كذلك- حاولنا تجنب كل هذا، وحاولنا
استخلاص القضايا الرئيسية، فبدت هذه القضايا، وكأنها الشيء الذي يريد المؤلف أن
يتحدث فيه دون أن يحسن توضيح ذلك!!"
والقضايا هي:
أولًا: الحقائق الكونية والقضايا العلمية التي وردت
في القرآن، قضايا خاطئة!!
ثانيًا: القرآن متخلف؛ لأنه لا يقول بنظرية دارون
في الارتقاء الطبيعي، ويعتمد على الخلق المباشر -أي خلق القوة الغيبية المسيطرة-
«الله»!
ثالثًا: التعاليم الإسلامية ضارة؛ لأنها تقسم الناس
إلى مؤمنين وغير مؤمنين، وتغذي الحروب بين الطائفتين!!"
ونبدأ بالقضية الأولى، وهي قضية العلوم الطبيعية
والكونية التي وردت في القرآن وفي البداية ترد الخاطرة المعروفة من أن القرآن
الكريم لم يأت ليكون كتاب كيمياء أو فيزياء أو فلك.. وإنما هو كتاب «دين» جاء
يخاطب الوجدان البشري والضمير البشري والعقل البشري ويخطط مسيرة الحياة.. ويضع
الضوابط الكفيلة بانطلاق الإنسان في أمور دنياه على نحو إيجابي وبناء.. ولو أن
الإسلام حصر نفسه في دائرة جزء واحد من أجزاء عمل العقل كالكيمياء والفيزياء لأخل
بالقضية الرئيسية التي نزل من أجلها.. فضلاً عن أنه في هذه الحال سيغلق باب الفكر
البشري وحركة التقدم، ويخلق إطارات بشرية متكاسلة ترث العلم كما ترث الأرض وكما
ترث المال!"
إن القرآن لو فعل هذا لقضى على حركة التقدم البشري
ولفقد جوهره ورسالته في الحياة!!"
ومن الواضح أن مخاطبة إنسان القرن السابع الميلادي
بعلم يفوقه بقرون عديدة.. هو تمامًا كما يقرر المربون «المخبولون طبعًا» فلسفة ابن
رشد وأفلاطون وكيفية إطلاق المركبة الفضائية على طلاب المرحلة الابتدائية!!"
فهل كان محيي الدينوف يأمل أن يخاطب القرآن بشرية
هذه القرون بأفكار «برتراند رسل» و«ألبرت أينشتاين»؟
إن القرآن وهو كتاب يفسر الكون وعلاقة الإنسان به..
ويشرح السنن التي تحقق الانسجام في علاقة هذين الكائنين ببعضهما، وفي علاقتهما
بالله الخالق العظيم.. إنه لم يتناول من قوانين الطبيعة إلا الحقائق الكبرى التي
تفيد هذا الجانب وتدعمه.."
ولا يستطيع علماء طبيعيون، مهما بلغوا من التمرس في
علمهم، أن يقولوا بأن حقيقة واحدة من حقائق القرآن تصطدم بما وصلوا إليه -متجردين-
من نتائج تصلح أن تكون قانونًا.. وليس مجرد نظرية!"
إن دعوة القرآن الملحة إلى النظر في آيات الله في
الكون وفي الآفاق وفي النفس إنما يراد منها «رياضة وجدانات الناس وتوجيه عامتهم
وخاصتهم إلى مكان العظة والعبرة، ولفتهم إلى آيات قدرة الله ودلائل وحدانيته، من
جهة ما لهذه الآيات والمشاهد من روعة في النفس وجلال في القلب»."
إن القرآن حين يقول: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي
السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ
لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 13).. إنما يهيب بالعقل البشري أن يتجه إلى
مجال العمل الواجب عليه.. لكن أن يكفي القرآن العقل هذا العمل، ويكشف له أسرار
الكون دون أن يترك العقل يكدح.. أن يفعل القرآن هذا فهو قتل لمعنى الحياة ولفلسفة وجودها..
وقتل للعقل البشري!
ويلخص الأستاذ محمد الصادق عرجون الرأي في موضوع
الآيات الواردة في القرآن.. فيقول: «إن الجانب الكوني في القرآن جانب مهم لأنه
عماد الدلائل الإلهية على وجود الله تعالى وتوحيده وباهر قدرته.. وقد أشار القرآن
إلى كثير من أسرار الكون التي بدأ العلم يكشف عنها.. لكن هذه الأسرار حقائق، وليست
مجرد نظريات قد يعصف بها العلم يومًا.. وليست شطحات فرمطية فلسفية تقصد إلى آيات
الله وتحميلها ما لا تحتمل!
والنظر في تفسير الآيات الكونية يجب أن يقصد أولًا
إلى تبيين هداية القرآن تبيينًا علميًا، لا على أساس أن نجعل النظريات العلمية
التجريبية هي تفسير الآيات القرآنية ومعانيها التي قصدها القرآن، ولكن على أساس أن
القرآن لا يصادم علمًا ثبت بالدليل القطعي ثبوتًا لا يحتمل الارتياب والشكوك»..
إن الكاتب «محيي الدينوف» لم يستطع الإتيان بنص قرآني
واحد مناقض لحقيقة علمية كبرى.. وقد اندفع بالتالي إلى التركيز على قضية «الخلق»
التي يختلف فيها التصور الديني كله -وليس الإسلام وحده- مع الشيوعية الجدلية.. وكان
أن عاب على القرآن أفكاره التي تنسب الخلق إلى الله.. وهي تلك الأفكار التي تتناقض
مع نظرية التطور الطبيعي: «أن أجداد الإنسان كانوا قرودًا.. وأن العمل هو الذي لعب
الدور الهام في تطوير الإنسان» (ص 34)..
فهكذا يسلم الكاتب بأن نظرية دارون «حقيقة علمية..
وليست قابلة للخطأ.. (بل هي خاطئة)، وهكذا يتدرج في محاولة لفرضها علينا ومناقشتنا
على أنها «حقيقة علمية مسلم بها»!
وأعتقد أن كل قارئ يمكن أن يكون عالمًا بأن نظرية
التطور قد أصبحت فكرة بالية.. وأنها لم تعد أكثر من نظرة تأملية في التاريخ
الطبيعي لا تقوم على أسس علمية.. وبما أنني هنا لست في مجال مناقشة النظرية
علميًا.. لأنني لن أضيف جديدًا.. ولأن ما قاله فيها الأساتذة «كريس موريسون، وجيمس
كونانت، وولتر إدوارد لاميرتس، وإيلي دوسيون، وجراهام كانون، وجوستاف جوليه، وفون
باير، ودائرة المعارف الفرنسية» وغيرهم.. ما قاله هؤلاء كافٍ لدحض النظرية
علميًا.. أقول: بما أن المجال لا يتسع للمناقشة العلمية، فحسبي أن أنقل آراء بعض
العلماء الطبيعيين أنفسهم في النظرية.. نعم النظرية التي أصبحت مجرد وهم سيطر على
رجل ذات يوم وهو يركب سفينة يمخر بها عباب الماء..
يقول الرئيس السابق لجامعة هارفارد «جيمس كونانت»:
«إن كثيرًا من تلك النظريات المتعلقة بأصل الحياة ومنشأها ليست نظريات علمية على
الإطلاق من حيث كونها أدلة عمل.. إنها مجرد فكرات تأملية نظرية لا يعرف أحد كيف
يتم الملاءمة بينها وبين الاختبارات والملاحظات الحديثة».. «إن النظريات
الميكانيكية التي لعبت مثل هذا الدور (أي محاولة تفسير أصل الحياة) من أيام نيوتن
وديكارت ونظرية التطور وكذلك النظريات الخاصة بالمادة والطاقة والذرات.. كانت كلها
أفكارًا تأملية»
ويقول الدكتور وولتر إدوارد لاميرتس، الأستاذ
بجامعة «كاليفورنيا» ما ملخصه: «لقد مرت بي سنوات وأنا أدرس نظرية التطور المادي،
وهي النظرية الوحيدة التي ينظر إليها البعض على أنها يمكن أن تغني عن الاعتقاد في
وجود خالق مدبر لهذا الكون.. ولم أستطع من خلال هذه النظرية الإجابة على سؤالين:
أولًا: إن العضويات الصغيرة في كل جيل من الأجيال
تنزع إلى أن تختلف اختلافات طفيفة عن آبائها في جميع الاتجاهات!
ثانيًا: إن التغيرات المفيدة تورث في الأجيال
التالية وتتراكم حتى ينتج عنها تغيرات جسمية.. مع أن الواقع أن أقصى ما يمكن أن
يتم من تغيرات لا يمكن إحداثه في جميع الاتجاهات كما ذكر دارون، وكما بنى على ذلك
نظريته! وبعد رد مسهب يقول الدكتور
لاميرتس: «إن المقام لا يتسع لضرب أمثلة عديدة أخرى لإثبات أن نظرية التطور المادي
لا تستطيع أن تفسر لنا تلك الاختلافات العديدة التي نشاهدها في عالم الأحياء!».
وتقول دائرة المعارف الفرنسية: «إن نظرية دارون
التي استهوت العقول، وحاولت أن تجيب بطرف عن الاعتراضات الموجهة إليها.. كانت
نظرية سيئة الحظ، لأنها نظرية مختلة من أساسها، لأنها تفرض أن جميع الصفات للأنواع
الحية قد حدثت في بدايتها اتفاقًا، فلا بد من وجود قوة تسليم عظيمة لأجل قبول مثل
هذا الأصل.. ومثل هذا التسليم -غير المعقول- يجب أن يجعلنا نسلم بأن جميع
الحيوانات قد حدثت على ما هي عليه اتفاقًا.. أي بالصدفة.. وهذا نفسه افتراض كفيل
بدحض النظرية من أساسها»!
فهل من حق مدعي العلم من الماديين الشيوعيين أن
يبنوا على نظرية تقابل بمثل هذا الاعتراض، وتصنف مئات، بل ألوف الكتب في دحضها،
وتتخطاها العلم الحديث نفسه.. هل من حقهم إقرارها -ومحاكمة القرآن على أساسها-
وكأنها حقيقة مسلم بها كوجود الشمس والقمر؟!!"
وتبقى أمامنا القضية الثالثة والأخيرة التي رمى بها
السفير الشيوعي.. الإسلام.. وفي تصوري أن محيي الدينوف.. كان يفترض من قارئه سذاجة
مطلقة.. أعني أنه يفترض في العالم العربي البله والغباء الشديدين.. ويتصور أن هذا
العالم كله مقفر من أية عقول يمكن أن تفكر.. بل إنه نسي نفسه.. ونسي ماركسيته..
حين راح يرمي الإسلام بأنه يقسم البشرية إلى قسمين: مؤمنين وغير مؤمنين.. وأنه
بهذا التقسيم يثير على البشرية متاعب وحروبًا.. هي في غنى عنها.
إننا بهذا المقياس نفسه.. نستطيع أن نطالب بإلغاء
الفتنة الشيوعية.. لا لأنها تقسيم شاذ للناس إلى يساريين ويمينيين، وإلى يسار
اليسار ويمين اليسار ووسط اليسار، وإلى تقدميين ورجعيين وإمبرياليين واشتراكيين
معتدلين وفوضويين ومثاليين وعلميين.. وهلم جرا.. إننا لا نطالب بإلغائها خضوعًا
لهذا المقياس وحسب، بل لأنها في ذاتها كانت حركة ارتداد فكري وسلوكي وحضاري في
تاريخ البشرية.. إنها لم تسعَ بالإنسان قدمًا نحو أي محط من محاط السلام.. بل غذت
كل الغرائز السفلى والمنحطة.. وحولت الوطنيين إلى خونة وعملاء، والمستقيمين إلى
منحرفين متحللين، وقسمت المجتمعات المتكاملة المتعاونة إلى مجتمعات طبقية متصارعة
حاولت خلق فواصل بينها لتغذية الصراع بينها.. بل إنها جعلت هذا الصراع حتمية وكأنه
قانون من قوانين الكون.. وجعلت هذا الصراع دمويًا انقلابيًا إرهابيًا!
وقسمت الشعوب.. والحكام.. والإنسانية كلها على هذا
النمط.. أفما كان في إمكان السفير الشيوعي في سوريا.. أن ينظر قليلًا تحت قدميه
قبل أن يتفوه بكلماته التي تكفل وحدها بتحطيم وجود مذهب فوضوي متخلف.. كالمذهب
الشيوعي الإلحادي.
إننا لن نتكلم عن «السلام في الإسلام» ولا عن حياة
«غير المسلمين» في ظلال الإسلام، وهي تلك الحياة التي بلغ فيها التسامح حدًّا
اعتبره المؤرخون الأوروبيون «نغمة نشازًا» في تاريخ الأديان والتطور البشري.. بل
لقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن تسامح الإسلام بلغ حدًّا أضر معه بالمسلمين.. ولكنهم
كانوا ملزمين بالخضوع لتعاليم دينهم!!"
ولن أذهب إلى آداب الحروب في الإسلام وقوانينها..
لن أذهب إلى هذا أو إلى غيره، فهو معلوم شهد به الأعداء قبل الأصدقاء!! لكنني أسأل
سؤالًا بديهيًّا:
• هل يمكن إلغاء «الحقيقة» من الوجود، لأن هناك
صنفًا لا يحب «الحقيقة».. وبالتالي سيحدث انقسام.. وستقع البشرية في ورطة صراع!!
هل يمكن إلغاء النور، لأن هناك ناسًا يتشبثون بالظلام؟! فالأولى تجمع الناس حول
الظلام أفضل من تقسيمهم إلى أحياء في النور وموتى في الظلام!!
• هل يمكن إلغاء العلم لأن هناك ناسًا يريدون
الحياة في ظلال الجهل؟
• هل يمكن إلغاء النظام لأن هناك ناسًا يميلون إلى
الفوضى؟
• هل يمكن إلغاء الإيمان، لأن هناك من يصر على
إنكار الحقائق الكبرى.. وفضل حياة الضلال والكفر؟!!"
ألست ترى معي أن السفير الروسي يمتهن عقولنا؟! .. وأيضًا ألا ترى أننا لم نكن متجنين حين وصفنا هذه النشرة بأنها «هلوسة»؟! ما أروع ما بأيدينا من نور الحقيقة، وما أردأ ما بأيدي أعدائنا من أوهام وصدق الله العظيم: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (الكهف: 5).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل