العنوان صرخة من مسلم كشميري في سجون الهندوس
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 03-مايو-1992
مشاهدات 50
نشر في العدد 999
نشر في الصفحة 30
الأحد 03-مايو-1992
· علقوني من قدمي ثلاثة أيام كنت أسمع خلالها الصرخات ورائحة اللحم المشوي حيث كانوا يحرقون أجساد المعتقلين بسجائرهم.
«وصلتنا هذه الرسالة التي تروي معاناة أحد مسلمي كشمير على أيدي الهندوس وأساليبهم الوحشية في القبض على مسلمي كشمير وتعذيبهم، ونحن ننشرها كما وردت دون تصرف لتكون نداء إلى الضمير العالمي؛ حتى يتحرك لنصرة مسلمي كشمير، وقد قام بترجمتها الأخ میرزمان كشميري.
يا معشر الناس في هذا الكون اسمعوا قصتي مع إمساك زمام قلوبكم، وانظروا كيف يلعب الحيوان الهندوسي المفترس تحت الزي الإنساني في كشمير المحتلة.
أنا رجل عادي، ولكني من مسلمي كشمير المثقفين، رجعت بعد أن تحملت جزاء المذنب البريء، كنت بين أهلي وعيالي في بيتي حين حاصر الجنود الهندوس منزلي من كل الأطراف، ذاعت شائعة «كريك داؤن» (عملية انهيار القرية) المعروف لدى الكشميريين منذ بدء الانتفاضة.
في لحظات غير بعيدة دخلت فرقة من قوات الأمن الحدودية في بيتي كأنهم حيوانات مفترسة جاءت من الغابة، وكنت الوحيد من الرجال في البيت.
أردت الفرار لإنقاذ حياتي، ولكن وجدت العافية في إلقاء القبض علي لما رأيت الأسلحة في أيديهم.
أخرجوني من البيت ثم وضعوا رباطًا على عيني، وربطوا يدي خلف ظهري، أما زوجتي وابنتاي اللتان تبلغ إحداهما 14 سنة من عمرها، والأخرى 11 سنة، وابني (عمره 8 سنوات) فبدأوا يصرخون لما رأوا هذا المشهد، ولكن لم يقدروا على الخروج من خوف الوحشية.
أدخلوني في الشاحنة بعد أن غطوا عيني وربطوا يدي، والشاحنة كانت مليئة بشباب كشمير، والصراخ والأنين يمزقان نياط القلوب، والجنود يسبونهم، ويعيبونهم، ويضربونهم بأطراف البنادق.
فجأة علت صرخة مؤلمة حين ضربت جمجمة شاب كشميري مسلم بساق البندقية ضربة شديدة، فسقط على ظهره مغمى عليه، فضحك الجنود، وارتفعت قهقهتهم؛ لأنهم كانوا يتمتعون بهذا النوع من التعذيب.
كانت الشاحنة تتوجه إلى مقرها المجهول؛ كان لزاما علينا تحمل ضربات البنادق، كان هؤلاء الظالمون يمشون أحيانًا على أجساد الناس، ويدوسون أجسامنا بأحذيتهم.
وقفت الشاحنة بعد مضي ساعات قليلة، وبدأنا ننتظر مصيبة جديدة، ولم نستطع التعرف على مكان تواجدنا إلا بعد سماع أزيز الطائرات، فعرفنا أننا بجوار مطار سريناجر، كانت أيدينا مربوطة، وعيوننا مغطاة، فكيف ننزل من الشاحنة؟ هذا ما كنت أفكر به حين ضربني أحد الجنود بقدمه من وراء ظهري، فسقطت على كومة من الناس، ثم تتابع سقوط الآخرين علينا، أثناء سقوطي شعرت أن فمي به حصاة ملح وقد خدر تماما، ونقلت في هذه الحالة إلى غرفة وجدت أنني فيها وحدي.
لما استعدت وعيي أخرجت من فمي حصاة الملح، ولكن وجدتها سنا من أسناني، فما كان ذوق الملح في الفم إلا الدم الذي سال بسبب نزع السن؛ لأن الإصابات كانت شديدة.
وفجأة ضرب أحد الجنود بساق البندقية على رأسي فساد الظلام في عيوني، ثم وقعت على الأرض فاقد الوعي، ولما أفقت وجدت رجلين أحدهما يمسكني من يدي والآخر يمسك قدمي، ونثروا في عيني مسحوق الفلفل الحار فبدأت انتفض من شدة الألم، طلبت شربة من الماء -لوجه الله- فقيل لي: اقرأ كلمة التوحيد ثم افتح الفم، فقرأت لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم فتحت فمي، ولكن بال أحدهم في فمي دون الماء.
ثم علقوني من رجلي إلى سقف الزنزانة والصرخات كانت ترتفع من كل مكان، وشممت رائحة احتراق اللحم؛ إذ كانوا يطفئون السجائر في جسد أحد السجناء وهو ينادي بصوت عال: الله الله فقط، والجنود يستفسرون منه: أين ابنك يا حمار، والشيخ يتضرع إليهم بقوله: ابني لم يعد منذ سنين، لا أعلم شيئًا عنه، أنا والد الأربع بنات، لله ارحموني، والوحوش يقهقهون، ويتمتعون بتعذيبهم إياه. ثم قالوا له: هل تأتي لنا ببناتك لو أطلقنا سراحك؟ ثم ضرب أحدهم الشيخ بقدمه فسقط الشيخ مغمى عليه، ثم انبعثت رائحة احتراق الشعر، فكان الظالمون يحرقون لحية الشيخ، ولما أخذت النار تحرق وجهه أطفأه أحدهم ببوله.
إلى الآن كنت معلقا وأشعر بأن الدم كله يتجمع في رأسي حتى كاد رأسي أن ينفجر، ولما أفاق الشيخ من الإغماء طلب الماء للوضوء، فقال أحدهم له: قم وتوضأ بالبول يا حمار.
ثم تقدم الوحوش إلى شيخ آخر، وقالوا له: يا حمار لقد قتل ابنك، ولو سلمت إلينا ابنتك لأطلقنا سراحك».
ثم بصقوا على وجه الشيخ واحدا تلو الآخر، وفجأة مزق أحدهم لباس الشيخ، وبدأوا يجرون سوءته بملقاة، وكانوا يسألونه: أين «سلاح» ابنك؟
وتركوني ثلاثة أيام متتالية معلقًا، وبعد الثلاثة أيام انتقلوا بي إلى مكان آخر.. الأعين مغطاة، والأيدي مربوطة كما سلف.
بعد الوصول إلى هناك عرفت أنني وصلت إلى مركز التفتيش المشهور بالعقوبات الشديدة «هري نواس»، وعندما دخلت إلى هذا المركز أمر أحدهم عملاءه الوحشيين بضربي فبدأوا يمارسون همجيتهم، ويوجد هنا شتي أنواع الإدارات، منها:
أولًا- غرفة للمخابرات بانديت (قبيلة هندوسية).
ثانيًا- غرفة للشرطة المركزية الاحتياطية.
ثالثًا- غرفة لقوات الأمن الحدودية.
رابعًا- غرفة للجيوش العسكرية.
خامسًا- غرفة لقوات المخابرات المركزية.
سادسًا- غرفة لمنظمة «لا» التخريبية.
عرضنا أمام عشرة مراكز مختلفة، منها ما ذكرت آنفا، وكل مركز كان يجبرنا على التوقيع على التقارير بعد الإجراءات اللازمة، منها العنف والتشدد، مع أن الأعين لا ترى ما في التقارير.
كان الشاي والطعام يقدمان إلينا في آنية مغطاة بالغائط والبول، وكنا نتناول كل شيء مكرهين ومضطرين، ونقلنا إلى مركز تفتيش آخر.
هنا أزيل رباط عيوننا.. ثمانون شابًا كانوا يعانون من العقوبات والعنف في عشر غرف، ومساحة كل غرفة متر مربع واحد، لا يستطيع الإنسان أن يحرك يده أو رجله، ولم يكن بها أي نافذة للهواء، ومعظم المعتقلين كانوا يقضون حوائجهم (من الغائط) في أحذيتهم، أما ماء الشرب فيقدم إلينا القليل منه في الصباح والمساء.. ولما لقيت بعض الشباب الذين مر عليهم سيف العنف في مراكز التعذيب- وجدت أن تهمتهم هي التبرع بالدم للجرحى فقط.
وبعد أيام غطيت عيوننا ثانية، ونقلونا إلى قاعدة عسكرية، وكانت الأيدي مربوطة إلى الظهر، والأحذية قد خلعت، واللباس قد جرد، هناك وجدنا أحد الشيوخ الكشميريين الذي يتجاوز عمره الستين عامًا قد جرد من ملابسه حتى اضطر إلى الجلوس استحياء، وكان يؤتي به جرا لعجزه عن المشي بسبب التعذيب الشديد، وكان الجنود يضربونه بأقدامهم أيضًا.
ثم نقلنا بالطائرة إلى مدينة «جامو» وكنا ثلاثين شابًا، بعد الخروج من المطار وصلنا إلى مركز التفتيش؛ حيث كانت جماعة من الجنود الهندوس في انتظارنا، وهنا حدث عن التعذيب ولا حرج.
ثم ألقونا في الحافلة ونحن في حالة إغماء شديد، وأفقنا حين مررنا في سوق جامو والجيوش يصبون علينا البول والغائط والماء الفاسد، وازدحمت هنا جماعة من «البانديت» وبصقوا علينا، وهم ينادون بأعلى الصوت: «مبروك التحرير، خذوا الحرية، ذوقوا لذة التحرير» بعد ذلك وصلنا إلى مركز تعذيب في جامو، وواجهنا أشد أنواع التعذيب، لأول وهلة كووا أجسامنا بقضبان متأججة، وأدخلوا شموعا مشتعلة في بطون الشباب، وكانوا يدحرجون الأسطوانات الثقيلة على أجسادنا.
ومن أنواع التعذيب أنهم كانوا يجرون الأجفان والألسنة والشفاه وشعر اللحى بملقاط، ثم جاءوا بكثير من الزعماء السياسيين، ورأيت أيضًا فتية كشميريين ناضري الوجوه لا يزيد أعمارهم عن ست عشرة سنة وعشرين، يعصر الدم من خلال سراويلهم، وهؤلاء الأبرياء قد واجهوا بربرية قوم لوط - يدمرهم الله.
بعد مضي شهر كامل تركوني في أحد شوارع سريناجار في ظلام الليل البارد، سلبوا مني النقود وساعة اليد عندما ألقوا القبض علي، ولذلك بت الليلة الباردة في أحد المساجد، ووصلت البيت في اليوم التالي، لما وصلت البيت عرفت أن أحد أقاربي قد استشهد، وأكثر الشباب قد ألقي القبض عليهم، والنساء المسلمات اغتصبن وانتهكت أعراضهن، وسمعت أن كثيرًا منهن ألقين بأنفسهن من سطوح المنازل حفاظًا على أعراضهن، وخلال عملية انهيار القرية دخل الجنود في البيوت، ونهبوا وسلبوا ما فيها، ثم أتلفوا ما بقي من متاع، وأكرهوا الأطفال على مسح هتافات الحرية من على الجدران بألسنتهم.
ويتضح من هذا كله أن دعايات الحكومة الهندية بأنها حكومة ديمقراطية دعايات كاذبة قد ظهرت حقيقتها للعالم، وما قضية إهدار حقوق الإنسان في كشمير، إلا دليل واضح على هذه الديموقراطية الدموية.
فأين من ينادون برعاية حقوق الإنسان؟ فيا من يحب الإنصاف على وجه الأرض هل يصل إليكم صوتي؟ هل تسألون الحكومة الهندية ماذا يريد أهل كشمير؟ ولماذا لا يعطون حق تقرير مصيرهم؟
وصف المقال: