العنوان صرخات المعذبين في «قلب» أوزبكستان
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2003
مشاهدات 64
نشر في العدد 1576
نشر في الصفحة 23
السبت 08-نوفمبر-2003
من معالم رمضان ونفحاته أن الله تعهد فيه «بتصفيد» شياطين الجن وتغليق أبواب النيران وتفتيح أبواب الجنة، ذاك فعل الله سبحانه مع الخلائق، لكن شياطين الإنس لهم شأن آخر مع عباد الله في رمضان؛ فبينما يستقبل أرئيل شارون رمضان بمزيد من الهدم والقتل والتشريد لأهلنا في فلسطين الحبيبة مقدمًا وجبات تقطر سمًا؛ إفطارًا وسحورًا، نرمق في الأفق البعيد... في أوزبكستان البلد المسلم الذين يدين الغالبية العظمى من شعبها بالإسلام «٢٥ مليون نسمة» وقد أقامت حكومة الرئيس إسلام كريموف مسلخاً بشريًا لأكثر من 300 ألف معتقل، وفقًا لمصادر منظمات حقوق الإنسان.
ليس هذا فحسب وإنما تحولت البلاد الواقعة بوسط آسيا إلى سجن كبير يباد فيه الإسلام إبادة ليس لها نظير، فعندما يؤذن للصلاة ويتدفق المسلمون على المساجد في كل أرجاء العالم، تظل أغلب مكبرات الصوت صامتة في مساجد أوزبكستان، فمن يجرؤ على الاقتراب؟
المشهد المأساوي لا يصدقه عقل ويرتعش القلم كثيرًا وهو يرسم ملامحه ولذلك أترك لشهود العيان رسمه، ومعظمهم بالمناسبة غير مسلمين وإنما أصحاب ضمير وقلب حي...
فجمعية «المبادرة لحماية حقوق الإنسان بأوزبكستان» تتهم في أحدث تقاريرها صراحة الحكومة الأوزبكية بشن حملة اعتقالات عنيفة في صفوف الحركات والجماعات الإسلامية، وممارسة أشد أنواع التعذيب والاضطهاد ضدهم، خاصة في شهر رمضان، وقد نقلت وكالة «سنتر آسيا» المستقلة عن رئيس الجمعية سورت إكراموف، تصريحات خطيرة نشرها موقعه بالإنترنت السبت 1/11/2003، أكد فيها أن لديه «أخبارًا وأدلة من مصادر موثوق بها تفيد أن حكومة أوزبكستان كثفت حملات الاعتقالات في صفوف الحركات والجماعات الإسلامية في شهر رمضان، وأنها تمارس أشد أنواع التعذيب والتنكيل بالسجناء الإسلاميين منذ بداية الشهر الكريم وأن إضرابًا عن الطعام والشراب يعم معظم السجون والمعتقلات الأوزبكية التي تمتلئ بالسجناء منذ بداية شهر رمضان».
وأكد إكراموف أن معلومات وردت إليه من داخل المعتقلات أشارت إلى «عدم توافر أدنى إمكانيات للمساعدة الطبية.. حتى أصبحت حالة السجناء الصحية خطيرة وسيئة للغاية؛ حيث إن معظمهم مصاب بمرض السل..»
والحرب الدائرة على الشعب المسلم في أوزبكستان ليست وليده شهر رمضان الجاري وإنما هي مستعرة منذ انفكاك أوزبكستان عن الاتحاد السوفييتي في 1/9/1991، فمنذ استقلت تلك الجمهورية عن الاتحاد تفردت عن باقي الجمهوريات بزيادة جرعة الحديد والنار علي رؤوس المسلمين حتى جعلتهم يتحسرون على العهد السوفييتي الشيوعي الذي لم تساو جرعات العذاب والتضييق على المسلمين والإسلام فيه إلا النذر اليسير مما هو جاٍر الآن، الأمر الذي كان مثار رصد وتعقب منظمات حقوق الإنسان الدولية والذي حرك أيضاً ضمير العديد من الشخصيات الجديرة بالاحترام في وقت نسبهم العالم الإسلامي.
السيدة «ماتيلدا بوجنر»، من منظمة «هيومن رايتس واتش» لحقوق الإنسان في طشقند هي واحدة من هؤلاء، فقد أعلنت في تصريح لها بثته وكالات الأنباء يوم الثلاثاء 17/9/2002 قائلة: «إن المتدينين من المسلمين يتعرضون للاضطهاد والتعذيب». وأضافت: «التعذيب منتشر بدرجة كبيرة، إنهم يعاقبون على الصوم والصلاة»
وأشارت ماتيلدا إلى حالة «رجل أجبر في شتاء عام ٢٠٠١م على البقاء في زنزانة ترتفع فيها المياه حتى ركبتيه لمدة ١٥ يومًا، وكانت تهمته هي صيام شهر رمضان»
وقد تحرك ضمير واحد من الدبلوماسيين الغربيين في العاصمة الأوزبكية طشقند بعد حصوله على صور يشيب لهولها الولدان، فعرضها على وسائل الإعلام وهي صور لسجينين مسلمين تردد أنهما سجنا بسبب صلاتهما في مساجد الدولة، وهما «مظفر افازوف»، «وخزني الدين عليموف»، وظهرا في الصور وقد تغيرت ألوان جسديهما بشكل غريب من آثار التعذيب.
وأشار الدبلوماسي الغربي إلى أن «الأطباء الذين فحصوا أحد السجينين أكدوا أن من 60% إلى 70% من الحروق التي أصابته نتجت عن وضعه في ماء مغلي، وكانت أظافره منزوعة».
وقال الدبلوماسي: «سمعت عن حالات تعرضت فيها نساء لمشكلات لمجرد أنهن أرين أبناءهن القرآن». وخلص الرجل في شهادته قائلًا: «إن الخطر الأمني الأكبر يكمن في الافتقار للإصلاحات الاقتصادية وليس المتطرفين الإسلاميين».
السفير البريطاني في طشقند السيد «كرايج ميوري» -٤٥ عاماً - كان على نفس مستوى سابقيه، فقد ارتقى الرجل إلى قمة الضمير المهني والإنساني ومارس الدبلوماسية النظيفة فأوجع الحكومة والنظام الأوزبكي والسياسة الأمريكية في أوزبكستان نقدًا وعرى ما يدور هناك بحق الإنسان، فمنذ بداية العام الجاري (2003م) وجه في سلسلة تصريحات انتقادات حادة إلى السلطات الأوزبكية، بقيادة الرئيس «إسلام كريموف» متهمًا إياها ب «انتهاك حقوق الإنسان»، ووصف النظام الحاكم بأنه «نظام قمع واستبداد» بسبب ممارساته ضد الحركات الإسلامية. وبالطبع فقد فوجئت الحكومة البريطانية بموقف سفيرها فاستدعته للتشاور وهو ما دفع العشرات من أعضاء ومؤيدي منظمات حقوق الإنسان إلى تنظيم مسيرة سلمية أمام السفارة البريطانية بالعاصمة الأوزبكية «طشقند» مساء الجمعة 31/10/2003م؛ احتجاجًا على الاستدعاء وتأييدًا له، حاملين لافتات وشعارات تعبر عن التقدير والاحترام لجهوده في مجال حقوق الإنسان في أوزبكستان.
الغريب أن ردود فعل السلطات الأوزبكية على تلك الاتهامات الخطيرة الموجهة من قبل محايدين وليسوا مسلمين كان كمن أخذته العزة بالإثم واتخذ سبيل المكابرة ومحاولة التدليس على المراقبين لما يجرى هناك وذلك علي طريقة وزراء الداخلية في البلاد التي حكمت - أو مازالت تحكم- بالحديد والنار في عالمنا الإسلامي، فقد نفى «شوازيم مينوفاروف» رئيس اللجنة الحكومية للشؤون الدينية في طشقند قيام الحكومة بانتهاك الحقوق الدينية للمسلمين، مشيرًا إلى أن هناك جماعات تستغل الإسلام كذريعة للعمل السياسي، وتسعى لفرض أساليب العصور الوسطى! ووصف مينوفاروف الأشخاص الذين ينتمون لهذه الجماعات بانهم مجرمون، خالفوا القانون ووزعوا منشورات للإطاحة بالنظام الدستوري!!
وقد وصل الرجل في تدليسه إلى درجة عالية من حبك الشعارات محاولًا تبرئة النظام على طريقة الحقبة الشيوعية الاشتراكية في زمانها الحالك السواد فقال: «إن الإسلام ازدهر في أوزبكستان منذ أن تولى حكمها «إسلام كريموف» الذي كان في السلطة قبل استقلالها عن الاتحاد السوفييتي» وتساءل قائلًا: «الناس يمكنهم التعبير عن معتقداتهم بحرية.. لماذا يهاجم الجميع أوزبكستان؟ إن العيش في سلام حق مقدس للشعب»!!
هذا ما يدور في شهر الصيام للإسلام والمسلمين على أرض كبرى الجمهوريات الإسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفييتي من حيث عدد السكان (٢٥ مليون نسمة).
ومنذ سنوات وأنا أتابع ما يدور في ذلك البلد الخارج من أتون الشيوعية الوحشي ليقع في أتون أشد وحشية ومازال حتى اليوم. وفي لقاء لي مع إحدى الشخصيات الرفيعة التي تبوأت موقعًا مهمًا في فترة من الزمن وعاشت هذه الأحداث الدامية عن قرب، روت لي تلك الشخصية مشاهد مريعة لما جري ويجري بحق المسلمات والمسلمين داخل أقبية السجون وما يجري بحق الإسلام في الشارع والمسجد والمدرسة والدواوين. ولم يحتمل الرجل ما يجري من حرب إجتثاثية بحق الإسلام والمسلمين فترك موقه وأدار ظهره للنظام.
أسائل نفسي: لماذا يفعل نظام كريموف كل ذلك وبهذه الطريقة بالإسلام والمسلمين؟ وقد وجدت الإجابة وأنا أطالع سجل العلاقات الحميمة بين الكيان الصهيوني ونظام كريموف فقد حرص الصهاينة منذ استقلال الجمهوريات الإسلامية على التواجد هناك مبكرًا وكان وجودهم أكثر كثافة في أوزبكستان. وقد زارها شمعون بيريز عام ١٩٩٤ وهناك أعلن أثناء الزيارة أن «أوزبكستان وإسرائيل يربطهما نضال مشترك ضد الإسلام المتطرف».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل