; صراع بين روسيا وأوكرانيا على ميراث الاتحاد السوفييتي | مجلة المجتمع

العنوان صراع بين روسيا وأوكرانيا على ميراث الاتحاد السوفييتي

الكاتب د. حمدي عبد الحافظ

تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

مشاهدات 70

نشر في العدد1224

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

استضافت مصلحة "برفنيجا" الحكومية خارج موسكو- حيث يواصل الرئيس الروسي الاستجمام استعدادا لإجراء عملية جراحية في القلب في غضون الأسابيع القليلة المقبلة- القمة الروسية- الأوكرانية بين الرئيسين يلتسين وليونيد كوشما، في محاولة جديدة لتسوية الخلافات حول تقسيم أسطول البحر الأسود وشروط مرابطة القوات البحرية الروسية في ميناء سيفاستوبيل الأوكراني.

وطبقا لما أعلنه المتحدث الإعلامي للكرملين سيرجي ياسترجيمسكي فإن قمة "برفنيجا" جسدت تقارب مواقف البلدين تجاه كافة القضايا المطروحة، وذكر ياسترجيمسكي أن رئيس الحكومة الروسية فيكتور تشيرنومردين سوف يتوجه في اواسط شهر نوفمبر الجاري إلى كييف للتوقيع على اتفاقية جديدة ونهائية حول تقسيم الأسطول ومواقع وشروط مرابطة القوات الروسية في أوكرانيا.

ويدخل في قوام الأسطول 300 وحدة عائمة، من بينها 45 سفينة حربية كبيرة، و14 غواصة وحاملات الهليكوبتر المضادة للغواصات، وتعمل جميعها بالديزل وتحمل واحدة منها أسلحة نووية، كما يدخل في قوام الأسطول 300 طائرة مخصصة للأغراض البحرية والبرية، وترابط جميع قواته في الأراضي الأوكرانية باستثناء 10% منها ترابط في ميناء نوفي روسيسكي جنوب روسيا.

كما أعلن الرئيس الأوكراني ليونيد كوشما، بعد لقائه الأخير في مصحة "برفنيجا" مع نظيره الروسي يلتسين، أن القمة تمكنت من تسوية القضايا المتبقية بعد موافقة الجانب الأوكراني على تأجير القواعد البحرية الأوكرانية على البحر الأسود لمرابطة الأسطول الروسي فيها بعد التقسيم، وأضاف كوشما القول بأن قمة "برفنيجا" سوف تمهد الطريق للتوقيع على معاهدة الصداقة والتعاون بين روسيا وأوكرانيا، والتي حالت الخلافات بشأن الإرث العسكري السوفييتي دون توقيعها طوال السنوات الخمس المنصرمة التي أعقبت الاستقلال.

وسعى الرئيس ليونيد كوشما، في مؤتمره الصحفي الذي أعقب انتهاء أعمال القمة، إلى التقليل من أهمية قرار البرلمان الروسي بوقف العمل باتفاقية تقسيم الأسطول، التي توصل إليها الطرفان في يوليو عام 1993، وأغسطس عام 1994، والتي نصت على حصول روسيا على 669 سفينة مقابل 186 سفينة لأوكرانيا.

وأشار كوشما إلى انعدام التبعية القانونية لقرار البرلمان الروسي، واستبعد مصادقة مجلس الفيدرالية أو الرئيس يلتسين عليه كي يصبح ساري المفعول، وشبه القرار المذكور بالقرار الذي اتخذه النواب الروس في 15 مارس الماضي حول إلغاء اتفاقية حل الاتحاد السوفييتي السابق.

واعترف الرئيس الأوكراني بوجود معارضة شديدة داخل القوات المسلحة الأوكرانية لمرابطة القوات الروسية داخل الأراضي الأوكرانية وانفرادها بميناء سيفاستوبيل الأمر الذي يؤكده استقالة قائد القوات البحرية الأوكرانية واثنين من نوابه، في اليوم التالي على انعقاد القمة، احتجاجًا على الاتفاق الأخير مع روسيا.

توتر العلاقات الروسية الأوكرانية

وكان التوتر قد عاد إلى العلاقات الروسية الأوكرانية بعد قرار البرلمان الروسي، في مطلع القرن الماضي، بوقف العمل باتفاقية تقسيم أسطول البحر الأسود الموروث عن الاتحاد السوفييتي السابق ومطالبته بفرض السيادة الروسية على مدينة سيفاستوبيل الأوكرانية بوصفها أرضًا روسية ومنحها وضع المدينة الفيدرالية أسوة بموسكو وسانت بطرسبورج "ليننجراد سابقا".

كما وجه البرلمان الروسي نداء إلى نظيره الأوكراني، دعا فيه إلى التخلي عن النظرة الأحادية الجانب لدى المطالبة بتقسيم أسطول البحر الأسود، وطالب بأخذ العوامل التاريخية والجيوبوليتيكية في الاعتبار لدى النظر لقضية إقليم القرم الذي سلخته القيادة السوفييتية "خورشوف" عام 1994 من روسيا وضمته إلى أوكرانيا، في إشارة واضحة إلى محاولة فتح ملف القرم مع الجانب الأوكراني.

وفي المقابل هدد البرلمان الأوكراني بطرد القوات الروسية من الأراضي الأوكرانية والانسحاب من معاهدة ستارت الأولى لتقليص الأسلحة النووية "التي تحولت أوكرانيا بموجبها إلى دولة خالية من السلاح النووي" إذا صادق الرئيس الروسي على البرلمان بوقف تقسيم الأسطول وإعادة فتح ملف القرم.

وكان البرلمان الروسي السابق "في عهد روسلان حسب الله توف" قد اتخذ قرارًا مشابهًا طالب بضم مدينة سيفاستوبيل للأراضي الروسية ومنحها وضع المدينة الفيدرالية مع استمرار مرابطة أسطول البحر الأسود الروسي فيها، ومنذ أن طالبت أوكرانيا رسميًا بنصيبها في أسطول البحر الأسود في نوفمبر عام 1991، أصبح هذا الأسطول موضع خلاف وخصام بين كييف وموسكو، ويواصل كل طرف تقديم البراهين التاريخية التي تؤكد حقه فيه، كما ظلت هذه القضية ورقة رابحة في أيدي المعارضة البرلمانية، سواء كانت الروسية أو الأوكرانية.

ولاحت البوادر الأولى للخلاف بين موسكو وكييف حول الأسطول في خريف عام 1991 "أي قبل الانهيار الفعلي للدولة السوفييتية" عندما شرعت مكاتب التجنيد الأوكرانية في حشد أكبر عدد ممكن من المجندين الأوكرانيين في أسطول البحر الأسود، وعندئذ مثل المجندون الأوكرانيون لأول مرة أكثر من 60% من إجمالي المجندين الذين أرسلوا إلى الخدمة العسكرية في الأسطول، وفي يناير عام 1992 أمر وزير الدفاع الأوكراني قسطنطين موروزوف بتسليم سفن الأسطول لأوكرانيا، بينما ناشد الرئيس الأوكراني "حينذاك" ليونيد كرافتشوك البحارة أداء يمين الولاء للدولة الأوكرانية.

من جانبها لم تكن روسيا تريد ضياع ما قيمة 15 مليار دولار "قيمة الأسطول ومنشآته" ولا سيما أن موسكو كانت تفرض سيطرتها الفعلية على كافة القوات السوفييتية، بما فيها الأساطيل البحرية الحربية.

لقد حدث الصدام الأول بين الدولتين، روسيا وأكرانيا- في مطلع أبريل عام 1992 عندما عين وزير الدفاع الأوكراني موروزوف- الجنرال بوريس كوجين قائدًا لأسطول البحر الأسود دون الرجوع إلى روسيا، والتي كانت تدعو حتى هذه اللحظة إلى الاحتفاظ به موحدًا لصيانة قدرته القتالية، وفي رد فعل من جانب البحارة الروس، سارعت أكثر من 30 سفينة من سفن الأسطول برفع الأعلام الروسية عليها، وفي التاسع من أبريل عام 1992 أصدر البرلمان الأوكراني بيانًا وصف فيه مرسوم يلتسين القاضي بتأميم أسطول البحر الأسود بأنه "إعلان الحرب" وأعلنت حالة الاستنفار القتالي في الأسطول.

مطالبة جورجيا بنصيبها من الأسطول

وتطالب جورجيا هي الأخرى بالحصول على نصيبها من أسطول البحر الأسود، بعد أن بادر الرئيس الجورجي الأسبق زفياد جمساخورديا بتأميم سفن ومنشآت الأسطول الواقعة على الأراضي الجورجية، ولعل مطالبة جورجيا بنصيبها من الأسطول وحصار الجورجيين لحامية بوتي البحرية المهمة أرغم الرئيسين الروسي والأوكراني أثناء لقائهما في "داجوميس" في يونيو عام 1992، على الإعلان عن رفض الإجراءات أحادية الجانب في منطقة البحر الأسود، غير أن هذا الاتفاق لم يدعم بإجراءات قانونية.

وفي أواخر يوليو عام 1992 وبعد أن حاول الأوكرانيون عبثًا إخضاع حامية "سيفاستوبيل" لهم، خطفوا سفينة عملاقة لخفر السواحل، واتجهوا بها من القرم إلى أوروبا، وبحلول أغسطس من العام نفسه (عام 1992) لم تبق سلسلة المجابهات والاتهامات المتبادلة على شيء يذكر من اتفاقية "داجوميس".

وفي السابع عشر من يونيو عام 1993، توصلت القمة الروسية- الأوكرانية إلى اتفاق يقضي بتقسيم أسطول البحر الأسود مناصفة، وفي الثالث من سبتمبر من العام ذاته (عام 1993) وافقت أوكرانيا على بيع حصتها من الأسطول لروسيا لتسديد جزء من ديونها المستحقة نظير إمدادات الوقود الروسي للمؤسسات الأوكرانية، كما شمل اتفاق الثالث من سبتمبر عام 1993 تأجير الموانئ والقواعد البحرية الأوكرانية لروسيا لمرابطة سفن الأسطول الروسي فيها.

ويدخل في قوام الأسطول 300 وحدة داعمة، من بينها 45 سفينة حربية كبيرة و14 غواصة وحاملات الهليكوبتر المضادة للغواصات، وتعمل جميع غواصات الأسطول بالديزل، وتحمل واحدة منها الأسلحة النووية، كما يدخل في قوام الأسطول 300 طائرة مخصصة للأغراض البحرية والبرية، وترابط جميع قواته في الأراضي الأوكرانية باستثناء 10% منها ترابط في ميناء "نوفي روسيسكي" جنوب روسيا.

وطبقا للإحصائيات الرسمية، فقد شاركت روسيا بنسبة 70% في إنتاج الأجهزة والمعدات التي احتاجها الأسطول منذ إنشائه عام 1920.

وكانت القيادة العسكرية تولي أوكرانيا اهتمامًا استثنائيًا، باعتبار أن الخطر الأكبر على أمن الدولة السوفييتية يأتي من الغرب، ولم تبخل بتحصين الحدود الغربية، وكانت القوات السوفييتية في ألمانيا، وكذلك منطقة أوديسا العسكرية تحوذ أحدث الأسلحة والأعتدة قبل غيرها، وكانت مصانع الإنتاج الحربي الأوكراني التي مثلت 30% من قطاع الإنتاج الحربي السوفييتي، تحمل استثمارات ضخمة من موسكو.

وورثت أوكرانيا من الجيش السوفييتي تركة ضخمة، فبالإضافة إلى 176 صاروخا بالستيكيا عابرا للقارات من نوع (19- SS) و(24- SS) و280 رأسًا نوويًا وأكثر من 40 قاذفة قنابل استراتيجية من طراز "تو- 95 م س" و"تو- 160" و600 صاروخ مجنح تحملها هذه الطائرات، تملكت أوكرانيا أفواجا وفرق النسق الاستراتيجي الثاني، وهي وحدات الجيش السوفييتي الأقدر على القتال: 20 فرقة للمشاة الآلية والدبابات وقوات خفر الشواطئ وعدة تشكيلات من قوات الإنزال الجوي، وثلاث فرق للمدفعية الفائقة القوة ووحدات المهام الخاصة، وكذلك أربعة جيوش للطيران تضم 230 مقاتلة و620 طائرة مهاجمة، وعلاوة على ذلك حصلت أوكرانيا على 330 طائرة هليكوبتر ضاربة ووحدات من جيش الدفاع الجوي ومنشآت الإنذار بالهجوم الصاروخي ووسائل الاستطلاع المتقدمة، وبلغ عدد أفراد الوحدات العسكرية التي صارت مملوكة للدولة الأوكرانية نحو 700 ألف شخص وتحت تصرفهم الدبابات الحديثة من طراز "ت- 64" و"ت- 72" ومصفحات "ب م ب – 1" و"ب م ب – 2" و"ب ت ر 700" و"ب ت ر 80" و"ب ر م – أ ك" ووسائل إطلاق القذائف المدفعية والصاروخية "2 أ 65" و2 س 19" و "ب م- 21" و"أ ب- 140" وصواريخ "توشكا" التكتيكية والصواريخ المضادة للصواريخ "س- 200" و"س- 300" وطائرات الهليوكوبتر "مي- 6" ومي- 8" "و مي- 9" و"مي – 24" وطائرات الميج- 25، والميج- 29، و"سخوي- 24" و"سخوي- 25" و"سخوي- 29".

وقد قبلت أوكرانيا التخلي عن ترسانتها النووية مقابل تعويضات مالية حصلت عليها من روسيا، والتي تمثل جزءا من مبيعات "العبوات النووية" المنزوعة من أسلحتها التي جرى سحب الجزء الأكبر منها إلى الأراضي الروسية وتم تفكيكها.

ضمانات أمنية لأوكرانيا

كما حصلت أوكرانيا (أثناء انعقاد القمة الثلاثية بمشاركة رؤساء أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة في موسكو في الخامس عشر من يناير عام1993) على ضمانات أمنية من جانب واشنطن وموسكو للحيلولة دون إعادة فتح ملف "القرم".

ومما لا شك فيه وجود أطراف خارجية تعمل على تسعير الصراع الروسي- الأوكراني على النفوذ في منطقة البحر الأسود ورابطة الكومنولث الأمر الذي يهدد بنشوب نزاع واسع النطاق قد يؤدي إلى تعريض الأمن والاستقرار في القارة الأوروبية للخطر، وطوال السنوات الخمسة المنصرمة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي واستقلال جمهورياته وقفت موسكو وكييف على حالة حرب "باردة" حقيقية، وألقت المجابهة بينهما بظلالها على كافة قمم واجتماعات قادة بلدان رابطة الكومنولث كادت تفجرها من الداخل.

وليس صدفة أن ترفض أوكرانيا الانضمام إلى تشكيل القوات المسلحة الموحدة للرابطة (أثناء قيام مينسك في 14 فبراير عام 1992) أو إلى معاهدة الدفاع المشترك (قمة طشقند في 15 مارس 1993).

وفي مواجهة الخلاف المتصاعد بين روسيا وأوكرانيا على السيادة في إقليم القرم، أوضح استطلاع للرأي في الإقليم تأييد أكثر من 70% من المشاركين فيه الانضمام إلى روسيا، بينما أيد المتبقون (30%) إعلان استقلال القرم وتشكيل دولة القرم المستقلة ذات السيادة.

ويبدو أن "الهدية" التي قدمتها القيادة السوفييتية لأوكرانيا عام 1954، لم تكن سوى مظهر من مظاهر الاستعراضية التي تميز بها الزعيم السوفييتي خروشوف طوال فترة حكمه، لكن التجربة العالمية تدل على أنه ليس هناك سوى الحل العسكري لإعادة رسم الحدود، مهما بدت عدالة القضية.

وقد أثار قرار القيادة السوفييتية في الخمسينيات من القرن الحالي دهشة الكثيرين بطابعه المفاجئ وتفسيراته "العرضية"، والجدير بالذكر أن القرم لم يكن قط جزءا من أوكرانيا، ولم يشكل الأوكرانيون الأكثرية فيه يومًا ما، كما أن العلاقات الاقتصادية والثقافية بين القرم وأوكرانيا كانت أقل متانة من العلاقات بين روسيا والقرم، ويبدو أن خروشوف أراد قتل عصفورين بحجر واحد، فإن إبعاد تتر القرم المسلمين في نهاية الحرب العالمية الثانية ألحق ضررًا كبيرًا باقتصاد المحافظة، لكن "النخبة" الحزبية وقفت ضد رد الاعتبار للشعب التتري وعودته إلى أرضه، وباتخاذ هذا المرسوم استطاع خروشوف أن يضع حدًا للخلافات غير المرئية داخل القيادة السوفييتية السابقة، أي التخلي عن إعادة النظر في القرارات السابقة، وتكليف كييف بحل مسألة "القرم" وإعادة تعميره.

ومن ناحية أخرى، كان خروشوف على علم بالاستياء الأوكراني تجاه موسكو "المركز السوفييتي حينذاك) وبالتالي أراد من قراره بإعطاء "القرم" لأوكرانيا تخفيف حدة التوتر وجذب تأييد "الشيوعيين الأوكرانيين النشطاء" إلى جانبه في الصراع على السلطة داخل الكرملين

الرابط المختصر :