العنوان صراع بين الحق والباطل في نيجيريا المسلمة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-فبراير-1980
مشاهدات 65
نشر في العدد 471
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 26-فبراير-1980
نيجيريا جمهورية اتحادية في غرب إفريقيا. عدد سكانها ٨٠ مليون نسمة، ٧٥% من مجموع هذا العدد مسلمون، بينما لا تجاوز نسبة المسيحيين 7% من مجموع عدد السكان على مستوى الدولة. وبما أن نيجيريا هي أكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان، كما أنها من أغنى دول القارة بثرواتها الطبيعية وكثافتها البشرية، لفتت نظر المبشرين أول ما استعمروا القارة، فركزوا عليها جهودهم واتخذوها موضع قدم للانطلاق إلى بقية الدول الإسلامية في القارة.
وقد ازدادت الجهود التبشيرية على نيجيريا في السنوات الأخيرة بعد أن خلت الساحة السياسية من الزعماء المسلمين من أمثال أحمد بللو وأبو بكر تفاوا بليوا. وبعد أن اتفق زعماء المسيحية الدولية في مؤتمر لهم على بذل كل الجهود لتنصير القارة الإفريقية كلها مع مطلع سنة ٢٠٠٠.
منافذ سرطان التبشير في المجتمع النيجيري:
إن التبشير النصراني الدولي يستعمل وسائل عديدة لبث عدوى النصرانية في نفوس الشعوب المسلمة كسريان السرطان في جسم الإنسان، وقد حدد المبشرون لأنفسهم مجالات عديدة للتغلغل إلى قلوب الشعب المسلم في نيجيريا، نذكر منها ما يلي:
1- التعليم: لقد كانت وسائل التعليم من أهم المجالات التي اهتم بها التبشير المسيحي في نيجيريا لهدم المبادئ الإسلامية؛ فقد لجأ المبشرون إلى إنشاء المدارس التبشيرية الخاصة في جميع أنحاء البلاد، منتهزين قلة المدارس الحكومية، وحاجة السكان إلى تعليم أبنائهم. وقد بلغت نسبة تلك المدارس التبشيرية إلى أكثر من ٧٠% من مجموع المدارس الموجودة في البلد. كما استغلت الدوائر التبشيرية افتقار المدارس الحكومية إلى مدرسين، وأرسلت إليها مبشرين ومبشرات عاريات تحت ستار مهنة التدريس لتجريد أبناء المسلمين من أخلاقهم الفاضلة ومن هويتهم الإسلامية.
2- المستشفيات والصيدليات: كذلك تمكن النصارى أن يسيطروا على الإدارات في أغلب المستشفيات والصيدليات العامة في البلاد؛ حيث يقدم العلاج الممتاز للمواطن المسيحي ويهمل المسلم المريض. ومما يزيد الطين بلة هو أن الدوائر التبشيرية الماكرة ترسل إلى نيجيريا أطباء وممرضين من الجنسين، ومهمة هؤلاء الأساسية هي التبشير طبعًا، وذلك واضح في أقوالهم وتصرفاتهم مع المرضى؛ حيث يقومون بترويج المسيحية جهارًا نهارًا في المستشفيات، ويضعون على سرير كل مريض نسخة من الإنجيل المترجم إلى اللغات المحلية، شاء أم أبى.
هذا فضلًا عن الخدمات المجانية التي تقدمها المستشفيات التبشيرية الخاصة لأفراد الشعب حتى في عقر ديارهم بغية تحويلهم عن دينهم الحنيف. بالإضافة إلى معاهد التمريض التبشيرية التي تسعى جادة لتخريج عناصر من أبناء الشعب النيجيري المسلم، ليخلفوا أسيادهم في مهمة التبشير عندما يضطرون إلى مغادرة البلاد.
3- الاقتصاد والتجارة: استطاع المبشرون من الخبراء الاقتصاديين الأوربيين -خلال عهد استعمارهم للبلاد- أن يضعوا ثروات البلاد الاقتصادية والتجارية في أيدي الأقليات النصرانية في البلاد الذين يسيطرون الآن على معظم المؤسسات الاقتصادية والتجارية الحيوية، رغم أنهم أقلية في البلد. وبذلك أصبح المواطن المسلم آلة في أيديهم يستغلونه كما شاءوا، ويستخدمونه كعامل في مصانعهم، أو كخادم في بيوتهم، ويجبرونه على ترك عقيدته الإسلامية أو يفصلوه من عمله.
4- وسائل النقل والمواصلات: كذلك سيطر المبشرون النصارى سيطرة شبه كاملة على وسائل النقل في البلاد؛ حيث الوحيدون الذين يملكون الإمكانية لاستيراد السيارات وغيرها من وسائل، وقد استطاعوا بسبب ذلك أن يتوغلوا إلى كل مدينة أو قرية لإشاعة الفساد فيها.
هذه بعض المنافذ الأساسية التي استغلها سرطان التبشير للتغلغل إلى نفوس المسلمين في نيجيريا خلال الاحتلال الاستعماري وبعده؛ أولًا على أيدي النصارى المستعمرين، وثانيًا على أيدي ربائبهم من أبناء البلد الذين استولوا على مقدرات البلاد بقوة السلاح بعد القضاء على الزعماء المسلمين بطريقة بشعة تشمئز منها النفوس المؤمنة. وبذلوا بعد ذلك كل ما لديهم من جهد خلال ثلاث عشرة سنة لإغراء الشعب النيجيري المسلم على ترك عقيدته، مستعملين جميع الوسائل لتحقيق ذلك؛ لكن الشعب المسلم رفض التجرد من هويته الإسلامية، وترجم رفضه إلى حقيقة ملموسة بانتخاب أول رئيس جمهورية مسلم بعد حكم عسكري دام ثلاث عشرة سنة. ومن هنا يمكن لنا أن نتفاءل بهذا الحدث التاريخي المجيد، كما يجب علينا كمسلمين أن نقدم نصائحنا الأخوية للرئيس المسلم الحاج شيحو شاغاري؛ لخطورة المسئولية الملقاة على عاتقه، فالدين النصيحة. وفي هذا الصدد سنكتفي بنشر أجزاء مهمة من خطاب مفتوح موجه إلى الرئيس الجديد، وقد وصل هذا الخطاب إلى إدارة تحرير المجتمع من مواطن نيجيري مسلم يدرس في جامعة الإمام ابن سعود في الرياض، والذي طلب نشر خطابه على صفحات المجلة، فإليكم هذا الخطاب بنصه وبطريقة موجزة:
خطاب مفتوح إلى رئيس نيجيريا الجديد
فخامة الرئيس.. لقد تصفحت النشرة الصادرة عن حزبكم أكثر من مرة، وقد أعجبتني النشرة لما تتضمن من أعمال وتطلعات فيها الخير الكثير للشعب النيجيري على نطاق الداخل والخارج؛ غير أنني لم أعثر على مطلب واحد ترنو إليه قلوب عشرات الملايين من المسلمين؛ ألا وهو برنامج الحزب عن التربية الإسلامية باعتبارنا مسلمين.. فهالني وكل المسلمين معي هذا الإغفال الشديد لديننا في برنامج حزب تتألف الغالبية العظمى من أعضائه من المسلمين. صحيح أن المجلس الدستوري النيجيري أقر النظام الأمريكي -حتى لا أجانب الواقع- كمصدر للتشريع والتوجيه وكنظرية سياسية ينهجها الحزب الفائز ويطبقها على الشعب النيجيري المسكين.. لكن مصير هذا النظام هو الفشل الذريع، كما فشل من قبله النظام البريطاني المستورد، وذلك لسببين لا ثالث لهما:
أولًا: أن الأكثرية المطلقة من الشعب النيجيري مسلمون، لهم نظامهم الإسلامي الخاص الثابت في كتاب الله وسنة رسوله الكريم.
ثانيًا: أن أصحاب هذا النظام الأمريكي كفار لا يدينون بدين الحق ولا يقيمون أي وزن للقيم والمثل، ولا يعترفون بالعنصر الأخلاقي القويم والسلوك المستقيم، وأين هؤلاء منا؟ نحن أصحاب الدين الإسلامي الحنيف والمثل الرفيعة والخلق القويم.
إن الطبيعة الأصيلة لأمتنا الإسلامية أنها أمة عقيدة مبناها التوحيد الخالص الذي حررها من الخضوع، وأنقذها من أغلال الطاغوت، وطهرها من أدران الجاهلية، ونقلها من حضيض التمزق والفساد والتخلف إلى ذروة الوحدة والاستقامة والتقدم.. وهما وإن كانت واقعة تحت ضغط الأزمة الحادة، فإنها ليست مستعدة لقبول الحلول الجاهزة التي تصنعها الأيدي الغريبة.
الحضارة الأمريكية تمشي إلى الدمار:
إن الحضارة التي ستحذو حذوها في مجتمعنا كغيرها من الحضارات المادية تمشي -اليوم- بخطى حثيثة نحو الدمار.. فهل يجوز لنا -بعد ذلك- أن ننتظر منها أن تزودنا بنظام للحياة يدفع بنا إلى التقدم والرقي؟
كونوا خير خلف لخير سلف:
في ضوء هذه الحقائق فإن أجدادكم من أمثال عثمان دان فوديو وعبد الله بن فوديو انتهاء بأحمد بللو وأبو بكر تفاوابليو قد بنوا صرحًا شامخًا للإيمان والعلم والحضارة، وحموا ثغور الإسلام في نيجيريا وغيرها من دول غرب إفريقيا.
من هنا فإن الجيل المسلم في نيجيريا ينتظرون من شخصكم الكريم أن تكونوا خير خلف لخير سلف.. ويطالبكم بأمور محددة، أهمها ما يلي:
- تحري العدل بين الناس وعدم المحاباة.
- تقرير إجبارية التعليم الديني والثقافة الإسلامية في كل مراحل التعليم.
- تنقية الكتب المدرسية من كل ما يتعارض مع مبادئ الإسلام.
- أن تكون وسائل إعلامنا وسيلة للتعليم لا للتحريف، وأن تقام إذاعات خاصة لأهداف إسلامية.
- توحيد صفوف المسلمين والقضاء على النعرات القبلية في صورها المختلفة.
- إيجاد وزارة للأوقاف والشئون الإسلامية.
- تنفيذ شرع الله لتعميم الأمن والاستقرار والرفاهية لكل الشعب.
موقفنا من الأقلية النصرانية:
اسمحوا لي يا فخامة الرئيس أن أسمي النزاع الذي وقع بين حزبكم وبين الأحزاب الأخرى في نيجيريا «بالصراع».. نعم، إنه صراع بين الحق والباطل.. بين المسلمين والصليبيين.. بين أتباع محمد عليه السلام، وبين أتباع الطواغيت من أمثال ماركس ولينين وكارتر وإلزابيث وبيغن وبرجينيف.. فإنه لا يخفى عليكم أن الأقلية النصرانية في نيجيريا على مدى تاريخنا الطويل هم عمالقة المكر والخديعة والدسائس والعمالة للدول الأجنبية، وليست حادثة اغتيال زعمائنا المسلمين إلا واحدة من تلك المؤامرات الحاقدة على المسلمين.
«وفي الختام يا فخامة الرئيس».. إنه لو اجتمعت أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين وألمانيا ومن في الأرض جميعًا على أن ينفعوكم بشيء لن ينفعوكم إلا بشيء قد كتبه الله لكم، وإن اجتمعوا كذلك على أن يضروكم بشيء لن يضروكم إلا بشيء قد كتبه الله عليكم، «رفعت الأقلام، وجفت الصحف».
أخي القارئ.. نكتفي من خطاب الأخ النيجيري، ونحن إذ نعتذر له عن عدم التمكن من نشر الخطاب كاملًا لأن طبيعة المجلة لا تسمح بذلك، نرجو أن يجد خطابه آذانًا صاغية لدى الزعماء النيجيريين وعلى رأسهم فخامة الرئيس الحاج شيحو شاغاري، حتى يكون عهدهم بداية لصفحة تاريخية جديدة لتسجيل الإنجازات الإسلامية والاقتصادية التي يتطلع إليها كل مسلم، لا في نيجيريا وحدها، بل في العالم أجمع، حتى يعود لهذا البلد المسلم مجده الإسلامي العريق، ويومئذ يهتف المسلمون جميعًا بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81)، وإن غدًا لناظره قريب!