العنوان صراع العلمانيين والتلموديين.. من يمسك بزمام السلطة؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 12-مايو-2001
مشاهدات 66
نشر في العدد 1450
نشر في الصفحة 22
السبت 12-مايو-2001
كانت التطورات الداخلية التي عصفت الصيف الماضي بالكيان الصهيوني على خلفية الصراع على المحور العلماني التلمودي مناسبة؛ لإثارة الاهتمام بأوضاع الأوساط المتعصبة في الكيان الصهيوني.
وكانت أشهر الصيف قد شهدت ضجة بشان موقع, ودور أحزاب المتزمتين اليهود «الحريديم» في النظام السياسي المتنفذ في أجهزة الدولة، ولم ينصرف الاهتمام عن تلك التفاعلات الداخلية الحساسة إلا مع اندلاع انتفاضة الأقصى في نهاية سبتمبر الماضي.
وبالرغم من نسيج المصالح المعقد والمتشابك الذي يحكم تركيبة السلطة السياسية الصهيونية، والتذبذب الدائم لبوصلة التحركات والتغيرات الداخلية، الشكلية أو البنيوية، فإن تطورات حادة سوف تلقي بظلالها وانعكاساتها حتمًا على خريطة التحالفات في المعترك السياسي، سواء على المدى المنظور، أو على المدى الأبعد.
المحور التلمودي العلماني يزداد سخونة: ومع التساؤلات الكبيرة التي تثيرها تلك التطورات الحادة على جميع الأصعدة تبدو المرحلة المقبلة مرشحة؛ لاحتدام الصراع على المحور التلمودي العلماني، إذ حدت التفاعلات الأخيرة ببعض الساسة الصهاينة، وخاصة زعماء وممثلي الأحزاب التلمودية، إلى التأهب لبدء المعركة الحقيقية على الهوية بين قطبي المحور الساخن، فيما بدأ ممثلو وأنصار حزب «شاس» الشرقي المتعصب من أشد المتأهبين للمواجهة الداخلية.
وفيما يتعلق بـ«شاس» فإن محاكمة زعيمه السابق أربيه درعي، وسجنه جزائيًّا، دفع أنصاره إلى الحديث عن «ظلم ينبع من عنصرية النخبة المتنفذة»، وتبدو ردود فعل كهذه مؤذنة بانطلاق شرارة «الثورة الاجتماعية» لليهود الشرقيين ضد الطبقة السياسية الغربية «الأشكنازية»، المستأثرة بمقدرات الحكم ومراكز النفوذ السياسي والاقتصادي العلماني.
الحاخامات قوة متنامية تحيط بها مؤسسات وهياكل ذات نفوذ سياسي ومالي.
أما على صعيد معسكر اليسار العلماني المنقسم على نفسه، فقد أطلق إيهود باراك في أواخر فترة رئاسته للحكومة حملة؛ لعلمنة مؤسسات الحكم والدولة، فيما يبدو أنه إلهاب للصراع حول «ماهية وطابع الدولة»، فإما أن تكون «ديمقراطية يهودية» أو تخضع لسلطة الحاخامات.
النفوذ الواسع للثلاثة الكبار
تخضع عملية صنع القرار, واتخاذ الموقف في الأوساط الحريدية «المتعصبة» لآليات مختلفة تمامًا عما عليه الحال في الأوساط العلمانية، إذ يتزعم ثلاثة من الحاخامات مجالس ما يسمى ب«كبار علماء التوراة» في حركتي «شاس» و«ديجل هتوراه»، وهم الذين يتولون مسؤولية اتخاذ القرارات الخاصة بحركتيهما اللتين تعدان أكبر الحركات الحزبية, وأوفرها نفوذًا في أوساط المتزمتين «الحريديم» في الكيان الصهيوني.
ففي حركة «ديجل هتوراة» التي تمثل المتعصبين الغربيين «الأشكناز» في الغالب يبرز الحاخام الأدمور ماجور والحاخام شطاينمن، فيما يمسك الحاخام عوفاديا يوسف بزمام الأمور في حركة «شاس» التي تعبر عن المتعصبين الشرقيين «سفارديم».
ومن المعتاد أن ينسق هؤلاء الثلاثة فيما بينهم الخطوات والقرارات المشتركة، خاصة في مسائل التشريعات الدينية والقوانين المتعلقة بما يوصف بـ«الوضع القائم»، ويشير هذا المصطلح إلى سياسة مراعاة التوازنات الداخلية في الكيان الصهيوني بين توجهات المعسكرات المتدينة ومكتسباتها من جانب, وما يتعلق بالعلمانيين من جانب آخر.
ويلاحظ أن الأوساط الحريدية مصطفة خلف قائمة محددة من الاتجاهات والمطالب بفضل التنسيق بين شقيها الشرقي والغربي، ويتجلى هذا الانسجام بشكل خاص عندما يكون الأمر متعلقًا بمجلس كبار علماء التوراة الغربيين «الأشكنازيين».
التأثير المطلق للإعلام الحريدي
تتمتع الصحف التلمودية مثل «هموديع»، و«يتد نئمان», و«اليوم السادس», بقوة تأثير خاصة لدى مجتمع الحريديم، فهي بمثابة «هوائيات» لنقل المعلومات، فضلًا عن تأثيرها الواسع في عدد من جوانب الحياة الداخلية للحريديم.
إذ يمكن لسلسلة مقالات يكتبها الحاخام جروسمن رئيس تحرير صحيفة «يتد نئمان» أن تتسبب في إنهاء المستقبل السياسي لعضو کنیست من تيار ليطا الذي يمثله حزب «أجودات يسرائيل» وقائمة «ديجل هتوراه»؛ خاصة إذا ما اتهمته هذه المقالات بالخمول أو الافتقار إلى الإخلاص اللازم لمبادئ وتوجهات الحركة التي ينحدر منها.
وهكذا فإن تقريرًا أو موقفًا «غير موضوعي» لهذه الصحيفة أو تلك قد يؤثر بشكل حاسم أو جزئي على أية قضية، حتى لو كانت ذات طابع سياسي أو أمني، إذ قد تتحول مواقف كتل المتشددين من هذا القرار السياسي أو ذلك تبعًا للتقارير المنشورة في صحفهم، بما يشكل ضغطًا قويًّا على الحكومة.
مرجعيات حاخامية
هناك شخصيات توراتية ليست معروفة على المستوى الإعلامي، ولا تحتل مكانة رسمية في أحزاب وحركات المتعصبين، لكنها صاحبة رأي مسموع وتأثير فوقي في قرارات وقضايا معسكر الحريديم.
ويبرز من هذه الفئة التي تتمتع بنفوذ واسع في المعسكر الأشكنازي الحاخامات يعقوب ليتسمن، يوسف أوفراتي، وموشيه فريدمان، وإبراهام دايتش، ويحزقيل إسحاق، وحاييم إسحاق هكوهين.
وبدوره منح الأدمور ماجور الحاخام ليتسمن حرية التصرف واتخاذ القرار في القضايا السياسية اليومية.
ويُعد الحاخام موشيه فريدمان الناشط في مجموعة «ساغر» المنتشرة في الولايات المتحدة من أكثر الشخصيات حضورًا في لقاءات الجالية اليهودية مع أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، ويبلغ نفوذ فريدمان حد إصدار التعليمات لأتباع جماعته بالتصويت لمرشحه المفضل في الانتخابات الأمريكية.
أما في حركة «شاس» السفاردية فإن زعيمها المتنفذ الحاخام عوفاديا يوسف ليس وحده الذي يمسك بالزمام التوجيهي للأتباع، مع التأثير الكبير للحاخام قدوري الطاعن في السن، فإذا كان الحاخام يوسف يملك سلطة صنع قرارات «شاس» بلا منازع تقريبًا، فإن الحاخام قدوري الذي تجاوز التسعين من العمر يمثل ما يشبه «المعمد»، الذي يجب أن يعطي «المباركة» الأخيرة لقرارات الحركة، لاسيما إذا تعلقت بتحديد مواقف «شاس» في مسائل وقضايا سياسية وتشريعية مهمة أو مثيرة للجدل.
وكان الحاخام أربيه درعي قد تولى، حتى إدخاله السجن، تأدية معظم المهام التنفيذية لحركة «شاس»، بما فيها رئاسة التمثيل السياسي والبرلماني والإعلامي لها، ويبدو واضحًا أن خلفه الحاخام الشاب إيلي يشاي الذي يترأس مكتب «شاس» السياسي، لم ينجح حتى الآن في سد الفراغ الكبير الذي شغله درعي.
ويقول الصحافي المنتمي إلى معسكر الحريديم يسرائيل كاتسوفر إنه يجب التعامل بحذر كبير مع الادعاء الذي يتجامل كون الحاخامات «الصغار» والمساعدين مقياسًا شبه معتمد لاتجاه الريح في أوساط الحريديم، خاصة أنهم المسؤولون عن صحة ودقة الانطباعات التي يحملونها إلى قياداتهم الروحية، على الرغم من أن القرارات الحقيقية المهمة في نهاية المطاف تصدر عن الأدمورات, ورؤساء المدارس الدينية.
الأبناء.. طابور خامس يمسك بزمام «الحريديم»
نساء الحاخامات يحسمن المسائل السياسية: رغم الانطباع الخاطئ الذي يتوهم أن دور نساء الأدمورات, والحاخامات, ورؤساء المعاهد التلمودية محصور داخل بيوتهن، تمشيًّا مع القول التوراتي إن «كرامة ابنة الملك في الداخل»، فإن الواقع مختلف تمامًا، فنساء الحاخامات السياسيين فاعلات مثل أزواجهن, ولعل الفارق الوحيد بينهن وبين النساء العلمانيات يتمثل في انكشاف الأخيرات لوسائل الإعلام، في حين يتم نشاط نساء الحريديم بعيدًا عن الأنظار, وبمعزل عن أضواء وسائل الإعلام.
وبينما يشار إلى عدد من الزعماء التلموديين والسياسيين في أوساط الحريديم بوصفهم من «الحمائم» فقد عرف عن نساء زعماء, وقادة الأحزاب المتزمتة أنهن من «الصقور»، ويشير مقربون من الحاخام عوفاديا يوسف زعيم حزب «شاس»، المعروف عنه وجوده في «الوسط» أن زوجته المتوفاة مرجليت حرضته باستمرار على اتخاذ مواقف أكثر تطرفًا، وأن قرارات مهمة اتخذت في حالات عدة بضغط منها, وأحيانًا تحت تهديدها، كأن تضرب الطاولة بقبضتها!.
والأمثلة التي تظهر دور نساء الحاخامات في صنع القرارات السياسية التي يتخذها أزواجهن كثيرة، فإبّان ما عُرف بــ«المناورة النتنة» في مطلع التسعينيات، كاد شيمون بيريز زعيم حزب «العمل» في حينه ينجح في إحراز أغلبية برلمانية لإجراء ائتلافي كان من شأنه أن ينقل إسحق شامیر، رئيس وزراء حكومة «الرأسين» من العمل والليكود آنذاك، إلى خانة المعارضة، إلا أن صوت أحد نواب الكنيست «البرلمان» كان يحجبه عن الأغلبية المطلوبة للنجاح.
كان بيريز خلال ذلك واثقًا أنه يحظى بدعم عضو الكنيست الحاخام إبرهام فارديجر، من كتلة «يهدوت هتوراه- أجودات يسرائيل»، وذلك بعد أن أجرى الاثنان محادثات مطولة بينهما.
ويعلق الصحافي المتعصب يسرائيل كاتسوفر على مناورة بيريز بقوله «كان خطأ بيريز أنه تحدث مع الحاخام فارديجر وليس مع زوجته مايا التي تتمتع بشخصية قوية جدًا جعلتها تتغلب على موقف زوجها عندما وضعته أمام الخيار الوحيد: بينها وبين بيريز، وبطبيعة الحال فقد اختار الزوج زوجته وبقي بيريز بدون حكومة».
النساء الحريديات والصفقات السياسية: ولم يكن الأمر مختلفًا عندما وصل النقاش في «قانون اللحوم» في الكنيست إلى طريق مسدود، وهددت قوائم «الحريديم» بتقديم مشروع حجب ثقة عن الحكومة، فكان أن استفز رئيسها آنذاك إسحق رابين إحدى النساء التلموديات، تتمتع بمرتبة توازي رتبة الحاخام؛ لتساعده على الخروج من الأزمة.
كانت تلك هي هداسا رالبج المنحدرة من عائلة أفشطاين، إحدى العائلات الحريدية المعروفة، وزوجة الحاخام إسحق رالبج رئيس «مجلس القدس الديني»، وكان أن كلفها رابين بمهمة الاتصال, والتوسط لدى الحاخامات والأدمورات المعارضين للحل الوسط الذي يقترحه بشأن «قانون استيراد اللحوم»، وأن تحاول إقناعهم بالإيعاز لممثليهم في البرلمان؛ بالامتناع عن حجب الثقة عن حكومته، وهو ما نجحت في تسويته «هداسا رالبج» بالفعل خلال أقل من ٢٤ ساعة، وأبلغت رابين بذلك، وقد قامت هذه منذ ذلك الحين بدور مهم في عدد من الصفقات السياسية باسم الحريديم مع الأحزاب العلمانية.
ويشار إلى الدور الكبير الذي تؤديه بعض نساء الحاخامات والسياسيين في التعيينات السياسية والتنسيق داخل الهيئات، كما أن بصماتهن واضحة في بلاط الأدمـورات والحاخامات.
«المناورة النتنة».. شاهد على نفوذ نساء الحاخامات الكبير في صناعة القرار.
وتشترك النساء في الأحاديث الداخلية التي تجري في بيوت الحاخامات والأدمورات، وخاصة أحاديث السياسة التي تعتبر النساء في مجتمع «الحرديم» أكثر إلمامًا بها من أزواجهن، فهن يقرأن الصحف أكثر من الرجال، ويستمعن للإذاعة أثناء تأدية أعمالهن اليومية.
ومن المعروف أن معظم زوجات الحاخامات خریجات معاهد المعلمات، ولديهن قابلية لاتخاذ مواقف حاسمة وواضحة أكثر من الرجال الحريديم في القضايا الحساسة أو المصيرية، كما أن للنساء دورًا أكبر في الحد من الصراعات الداخلية في مجتمع الحريديم.
أبناء الحاخامات يمسكون بخيوط النفوذ: وفوق ذلك يحظى أبناء الحاخامات بنفوذ أقوى من النساء في مجتمعهم الحريدي؛ إذ يوصف هؤلاء أنهم «الصيغة الدينية المعدلة لأمراء العلمانيين»، من أبناء أصحاب القرار ومراكز النفوذ في الكيان الصهيوني.
ويطلق على أبناء الأدمورات أو رؤساء المعاهد التلمودية في مجتمع «الحريديم» لقب «أبناء القديسين»، وهم مشاركون بصفة مباشرة في القضايا محل البحث في بلاط آبائهم، خاصة أنهم يجلسون في المناسبات الدينية والاجتماعية قريبًا من آبائهم البارزين أو بجوار الأدمور المتزعم للطائفة.
ويشق معظم أبناء الحاخامات طريقهم في الحياة على خطى تقاليد آبائهم في تعلم كتاب العقيدة اليهودية، بما يؤهلهم بعد ذلك ليرثوا في غالبيتهم العظمى آباءهم في وظائفهم ومراكزهم بعد موتهم، ويتمتع هؤلاء، بحكم وجودهم في بلاط الأدمورات، بدور مؤثر وكبير في تنسيق المواقف في حملات الانتخابات في الكيان الصهيوني.
ويفسر ذلك حرص بنيامين نتنياهو مرشح حزب ليكود اليميني في انتخابات العام ١٩٩٦م على تشكيل طاقم خاص من مساعديه؛ لمتابعة الاتصال مع أبناء الحاخامات، وكان أن نجح بالوصول إلى الحاخام شيمون صوفر نجل الأدمور ماعر ليفي، الشخصية البارزة في «مجلس حكماء التوراة»، وعن طريقه إلى الحاخام دافيد يوسف نجل الحاخام عوفاديا يوسف زعيم حركة «شاس», وإلى الحاخامات موشيه جداليا جولدمان، ومندل هاجر، ومائير هوروفيتش، وجميعهم أبناء لأدمورات وحاخامات يتزعمون طوائف يهودية مهمة في مجتمع الحريديم في الدولة العبرية والولايات المتحدة الأمريكية، ويضطلعون بأدوار سياسية مهمة في المواسم الانتخابية تحديدًا، بل كثيرًا ما كان آباؤهم ييلورون المواقف بتأثير منهم.
ووصل معاونو نتنياهو في انتخابات ١٩٩٦م في خضم بحثهم عن دعم ناخبي مجتمع الحريديم إلى المديرية الرئيسة في وزارة التعليم «المعارف» الصهيونية بالقدس الغربية المحتلة، حيث يجلس أحد أهم أبناء الحاخامات البارزين.
لقد كان «ابن القديس» ذاك الذي يضع قبعة مطرزة على رأسه هو الدكتور أفرایم شاخ، نجل زعيم طائفة الحريديم من ليطا، وكانت النتيجة أن اصطف الابن ومن ورائه الحاخام الأب خلف نتنياهو في معركته الانتخابية.
والمؤكد أن الفضل الأكبر في فوز نتنياهو بمنصب رئيس الوزراء في انتخابات العام ١٩٩٦م، التي نافسه فيها رئيس الوزراء في حينه شيمون بيريز كمرشح عن حزب العمل وأحزاب اليسار، يعود إلى تأييد الناخبين الحريديم الجارف، الذين أُمروا على يد حاخاماتهم بصب أصواتهم في صالح مرشح اليمين.