العنوان معالم على الطريق.. صراع الخير في النفس.. هل ينتصر؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 22-يناير-2005
مشاهدات 73
نشر في العدد 1636
نشر في الصفحة 45
السبت 22-يناير-2005
إن القرآن الكريم حينما يتكلم عن النفس البشرية، ينظر إليها بمنظار كاشف محيط، يقرأ كتابها المستور، ويظهر سرها المكنون بعلم من لا يعزب عنه من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، يحدثنا القرآن عن نفوس ترتعش بين الخير والشر، وتتردد بين الإقدام والإحجام، فإما أن تنهض وإما أن تنتكس وتغوص في الحضيض.
يروى أن الوليد بن المغيرة مال إلى اتباع الرسولﷺ فعيره بعض المشركين، وقالوا له: أتترك دين الأشياخ من قريش وتضللهم، وتزعم أنهم في النار؟؟ قال الوليد: إني أخشى عذاب الله، فقال من عيره: أنا أضمن لك الجنة، وأتحمل عنك ذنوبك، وأعطني شيئًا من المال، فقبل الوليد ذلك، وخسئت نفسه وانتكس، ونزل قول الحق سبحانه: ﴿أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ وَأَعۡطَىٰ قَلِيلٗا وَأَكۡدَىٰٓ أَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡغَيۡبِ فَهُوَ يَرَىٰٓ أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ﴾(النجم:41:33)
وأسدل الستار على هذا المتولى، الذي تردى والتهمته مخالب الشر، فلم ينج بنفسه أو ينقذه اعتقاده، خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، ويقص علينا القرآن صراعًا آخر حول العمل الصالح، حيث تكبو النفوس أو ترتفع، فتحدثنا سورة القلم عن رجل صالح له بستان يؤتي أكله كل حين بإذن ربه، يؤدي زكاته ويعطي منه الفقير والمسكين، ويبارك الله فيه، ولكن هذه النفس الطيبة توفاها الله واختارها إلى جواره فورث بنوه البستان والجنة مثمرة يانعة، تؤتي أكلها ولم تظلم منه شيئًا.
ولكن نفوسهم غلب عليها الجشع والنهم وحركتها وساوس الشر؛ فأزمعوا فيما بينهم على منع الزكاة وعدم إعطاء الفقير والمسكين، وقالوا معللين ذلك بفهم سقيم، ومنطق عليل: نحن القائمون بالحرث والتسميد والزرع، فبأي حق نعطي المساكين والفقراء وهم لم يفعلوا شيئًا؟وبيتوا أمرهم بليل ولم يعلنوه.
وهنا صراع النفس بين الخير والشر ونسير مع السياق القرآني المصور إذ يقول: ﴿إِنَّا بَلَوۡنَٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُواْ لَيَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِينَ وَلَا يَسۡتَثۡنُونَ﴾(القلم:18،17)، أقسموا وأكدوا العزم على ذلك فكانت نتيجة هذا البغي: ﴿فَطَافَ عَلَيۡهَا طَآئِفٞ مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَآئِمُونَ فَأَصۡبَحَتۡ كَٱلصَّرِيمِ﴾(القلم:19:20). أهلكت الجنة ولم يبق من ثمرها شيء ولكن الآثمين البله، مازالوا يتنادون ليجمعوا الثمار، ويأخذوا الحصاد فرحين مطمئنين: ﴿فَتَنَادَوۡاْ مُصۡبِحِينَ أَنِ ٱغۡدُواْ عَلَىٰ حَرۡثِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰرِمِينَ فَٱنطَلَقُواْ وَهُمۡ يَتَخَٰفَتُونَ أَن لَّا يَدۡخُلَنَّهَا ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكُم مِّسۡكِينٞ وَغَدَوۡاْ عَلَىٰ حَرۡدٖ قَٰدِرِينَ فَلَمَّا رَأَوۡهَا قَالُوٓاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ﴾(القلم:27:21)، وعرفوا الحقيقة ولكن بعد فوات وقتها، ولم يبق إلا الندم، شأن المفرطين المستهترين﴿فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَلَٰوَمُونَ قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبۡدِلَنَا خَيۡرٗا مِّنۡهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ﴾(القلم:32:30).
وتأتي المحن لترجع النفس وتنبه الغافل وتوقظ الوسنان، وتعطي الدروس والتجارب، وترجع الأمر إلى من بيده حقيقة الأمر ويعرف الإنسان ضعفه وهوانه وقيمته الحقيقية بالإيمان وبسواه، ونستلهم درسًا آخر من دروس التاريخ، حيث يحدثنا ابن هشام وابن كثير أن فضالة بن عمير بن الملوح، أراد قتل الرسول ﷺ وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله :ﷺ«أفضالة»؟
قال:نعم يا رسول الله.
قال:ماذا كنت تحدث به نفسك؟
قال:لا شيء، كنت أذكر الله.
قال: فضحك النبيﷺ.
ثم قال: «أستغفر الله»، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه.
فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري، حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه، قال فضالة: فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت: هلم إلى الحديث؟
فقلت: لا.
وانبعث فضالة يقول:
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا
يأبى عليك الله والإســــــــلام
لو ما رأيت محمدًا وقبيله
بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بينا
والشرك يغشى وجهه الإظلام
وانتصرت نفس فضالة وحل النور في قلبه.
إن الصراع بين الخير والشر في النفس دائم ما دامت النفس، ولابد أن يحسب هذا، وتنمي لمحات الخير في النفس حتى تقوى، وتهيمن وتسود ، كما أنه لابد من إغلاق منابع الشر أو إضعافها حتى يستقيم الإنسان على الخير ويعود، وصدق الله تعالى:﴿وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾(الشمس:10:7) نسأل الله لنا ولأمتنا التوفيق والسداد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل