العنوان صراع الحضارات- بدايات الصدام بين الإسلام والغرب المسيحي
الكاتب محمد عبد المحسن المقاطع
تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002
مشاهدات 68
نشر في العدد 1530
نشر في الصفحة 46
السبت 14-ديسمبر-2002
- ابن خلدون أول من أعطى بلاد الفرنجة اسم الغرب ثم اعتمدته الكتابات الأوروبي.
- تعرف الغرب على الإسلام عن طريق بيزنطة التي أزاحها الفتح الإسلامي عن بعض مناطق البحر المتوسط
أطلق الغرب على المسلمين أسماء أبناء سارة والإسماعيليين والمختونين.
واعتبر بعضهم الفتح الإسلامي تمهيدا لوصول المسيخ الدجال
في بلاط الشهداء تبلور العداء التاريخي ضد الإسلام لقد أضفت الكنيسة قدسية خاصة على المعركة واعتبرتها بداية نشأة أوروبا
الحديث عن عالم غربي، لم يكن معروفًا في العهد الإسلامي الأول، إذ لم يكن المسلمون على دراية بالصدام بين الثقافة اللاتينية الرومانية وثقافات الشعوب الجرمانية، لكن مع بداية ظهور القوى المسيحية في البحر المتوسط أدرك المسلمون أن هناك سلطتين أساسيتين واقعتين شمال البحر المتوسطة الأولى، وهي التي عرفوها من قبل، مثلتها بيزنطة Byzance)) والثانية.. الناشئة مثلتها سلطة البابا والإمبراطور الجرماني. هذه السلطة الثانية حكمت المناطق الواقعة غرب البحر المتوسط وشنت حملات شرسة ضد المسلمين في الأندلس والجزر البحرية وسواحل المغرب والشام، ومن هنا تمكن المسلمون من التعرف عليها. وأطلقت المصادر العربية اسم بلاد الإفرنج على سكان غرب أوروبا. ومن القلائل الذين وصفوا لنا هذا العالم الغربي الجغرافي المسلم الشريف الإدريسي، الذي استفاد من التقارير التي سلمها له الملاحظون الذين أرسلهم إلى مختلف مناطق الإفرنج، فقد أعطى تفاصيل مهمة حول سكان هذه المناطق كالفرنسيس والألمان والإنجليز، أما ابن خلدون فهو الذي أعطى هذه البلاد الإفرنجية اسم الغرب، وهو الاسم الذي تم اعتماده في الكتابات الأوروبية مع بداية عصر «النهضة» للدلالة على العالم الواقع شمال غرب البحر المتوسط. وسنتناول هنا البدايات الأولى لعلاقة الغرب مع الإسلام من وجهة النظر الغربية أي كيفية استقبال الغرب للإسلام طوال الأربعة قرون الأولى من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
نشأة الغرب المسيحي
في سنة 476م تمكنت القبائل الجرمانية المتبربرة من احتلال روما، قاعدة الإمبراطورية الرومانية لينتج عن ذلك انتقال الثقل المتوسطي إلى مدينة القسطنطينية، وتمكن القياصرة البيزنطيون، أو الروم حسب المصادر العربية من تكوين إمبراطورية جديدة استعمرت مناطق شرق حوض البحر المتوسط كالشام ومصر، وإفريقية (تونس)، في حين سقطت بلاد شمال غرب البحر المتوسط في أيدي القبائل المتبريرة التي سرعان ما اعتنقت المسيحية، لتعيش في روما، ولم تمنع حياة الحروب والظلام بابا روما من إيجاد هياكل مؤسساتية لإدارة ديانته والاعتراف بسلطة الإمبراطور كممثل سياسي لبلاد الإفرنج. ومع مرور الزمن بدأت اللغات القبلية والوازع العرقي يلعب دوره في تشكيل قوى إقليمية تمثلت على الخصوص في قيام الفرنسيس والألمان بتشكيل كيانات سياسية متناحرة في خضم هذه الأحداث سمع الغرب بنشأة قوة معتبرة بشبه جزيرة العرب ولتبدأ الأساطير والإشاعات الأوروبية في صنع عدو تاريخي قبل التعرف عليه.
البداية: معارف خرافية وجهل بحقيقة الإسلام
رغم العلمانية التي فرضها الغرب منذ أكثر من قرنين من الزمن فإن تاريخ أوروبا الغربية مرتبط بالمسيحية، تدل على ذلك الشواهد الحية من كنائس وكاتدرائيات ومعابد في جميع الأنحاء، ورغم أن الفكر اليوناني جعل من الشعوب المتوسطية أعداء طبيعيين لآسيا «الفارسية»، فإن الصراع سرعان ما تحول إلى صراع بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي بعد موجة الفتوحات التي أوصلت المسلمين إلى قلب الغرب. لقد جعل بعض الباحثين الرسول صلى الله عليه وسلم «الأب المؤسس لأوروبا»، زعمًا منهم أن المد الإسلامي في الأندلس والفتح العثماني في أوروبا الشرقية أدى بالملوك الأوربيين إلى الوحدة فيما بينهم تحت راية الصليب للدفاع ضد الخطر المشترك، وهذا ما أدى إلى نشوء هوية أوروبية.
خلال السنوات الأولى للإسلام وحتى معركة بلاط الشهداء، لم يكن الغرب على علم بما يجري جنوب البحر المتوسط وبالضبط بشبه الجزيرة العربية. ولهذا فإن أول ما تعرف عليه الغرب عن الإسلام كان عن طريق بيزنطة التي عرفت في المصادر العربية باسم الروم. فقد كان الروم البيزنطيون على اتصال مع دار الإسلام كونهم كانوا قد أزيحوا عن الأراضي الممتدة من تونس إلى القسطنطينية إضافة إلى الجزر البحرية كمالطة وصقلية وقبرص.
وتتحدث المصادر عن أن الغرب أخذ عن بيزنطة اسم سرسيني (Sarraceni) للدلالة على المسلمين، ثم طوروا هذا الاسم إلى Saraceni للدلالة على «أبناء سارة». هذا المصطلح له مدلولاته في الحكايات الشعبية التي روجتها الكنيسة، مدعية أن زواج إبراهيم عليه السلام من هاجر غير شرعي، كون هاجر حسب زعمهم جارية مصرية وليست زوجة شرعية كما هو الحال بالنسبة لسارة.
الأسطورة الأوروبية تجعل من العرب - إذن - شعبًا قادمًا من الصحراء أصله من الرقيق ممثلاً بإسماعيل عليه السلام ومن ثم فإنهم إخوة لشعب لقيط وهم بنو إسرائيل. لكن الإشكالية تخص اشتقاق الاسم المنسوب لسارة (Saraceni) وليس هاجر (Agareni)، التي أنجبت إسماعيل عليه السلام.
إضافة إلى اسم سراسيني فقد استعملت المصادر المسيحية اسماً آخر وهو (Ismailiti)، أي أبناء إسماعيل عليه السلام، الذي نجده على الخصوص في وثيقة بابوية Martin I er ( 29) - تعود لعهد البابا مارتين الأول ( 33 هـ / 649- 653م).
وهناك إشارة إلى العرب في عدة وثائق دينية لكنها جاءت بصورة غامضة جدًّا، وكان هذا في إطار الجدل التاريخي بين الكنيستين البيزنطية والكاثوليكية حول عقيدة المسيح عليه السلام.
وعلى الرغم من الفتوحات الإسلامية في الشام ومصر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم فتح معاوية بن أبي سفيان لقبرص سنة 32هـ/652م، فإن الغرب المسيحي لم يكن على دراية بما أحدثه الإسلام في الشام وحوض البحر المتوسط والتزمت المصادر اللاتينية المعاصرة لتلك الفترة الصمت بشأن الإسلام وحركة الفتوحات. وفي سنة 38هـ/ 658م كتب المؤرخ الافرنجي فريديجار Frédégaire كتابًا تحدث فيه عن تنبؤات بفتح بيزنطة عن طريق جيش من المختونين، بمعنى أنه شعب قادم من آسيا.
ومع بداية القرن الثاني الهجري (8م)، قام الكنسي بولس بنقل كتاب الوحي من اليونانية إلى اللاتينية، وهذا النص كتبه شخص من أصول مسيحية عراقية قبل الفتح الاسلامي تحدث فيه عن الإسماعيليين القادمين من صحراء يثرب لفتح المشرق ومهاجمة صقلية في إشارة إلى فتح الشام وفارس وغزو أساطيل المسلمين السواحل صقلية بقيادة معاوية بن أبي سفيان، ويقول الكتاب إن الهجوم الإسماعيلي حطم المدن والجبال والغابات وهو ممهد الوصول المسيح الدجال!
معركة بلاط الشهداء: بلورة للعداء التاريخي نحو الإسلام
كان لتوجه الفتوحات الإسلامية نحو الغرب دور أساسي في الاحتكاك بأمم الغرب الإفرنجي. فقد تم فتح مصر سنة 22هـ/643م ثم من بعدها بسبعين سنة تم استكمال فتح المغرب على يد حسان بن النعمان الغساني وفي مدينة سبتة اتصل قادة الفتح الإسلامي بيليان، حاكم المدينة الذي طلب منهم التدخل في الأندلس. في هذه الفترة ظهر اسم آخر وهو موري (Mauri)، والذي تحول لاحقًا في اللغة الإسبانية إلى لوس موروس (Los Moros)، للدلالة على العرب والبربر المسلمين. وقاد طارق بن زياد جيشًا مكونًا من البربر والعرب أتاح للمسلمين فتح الأندلس بعد معركة فاصلة قتل خلالها ردريق ملك القوط، وسرعان ما انهارت المقاومة القوطية وتمكنت الجيوش الإسلامية من دخول جميع المناطق ماعدا النواحي الشمالية التي اعتصمت بها الجاليات المسيحية والتي جعلت من مدينة أوفييدو (Oviedo) نقطة للهجوم على المعاقل الإسلامية طوال العهد الأموي بالأندلس. وإضافة إلى الأندلس، فقد كان لبناء دار صناعة الأساطيل بتونس دور مهم في الجهاد البحري ونقل الغزوات إلى سواحل الغرب المسيحي بإيطاليا وصقلية على الخصوص.
ولسنوات من بعد فتح الأندلس واصلت الجيوش الإسلامية زحفها نحو قلب الغرب المسيحي، فقد تمكنت من فتح مدينة أربونة في سنة 100/718م وحاصرت مدينة تولوز عام 102/720م ثم فتحت مدينة نيم (Nimes) ومنطقة كركسونا (Carcassonne) سنة 107/725م، وكل هذه المناطق كانت واقعة في الجنوب الفرنسي. وشعر بابا روما بخطورة من أسماهم بالإسماعيليين والسرسيني وطلب من دوق أكيطانيا (Aquitaine) المسمى بأدون (Odon) مقاومة الزحف الإسلامي من ناحية تولوز ولم يكتف البابا بهذا بل طلب من حاجب الميروفنجيين شارل مارتل تجهيز حملة (Charles Martèl) كاسحة للقضاء على الوجود الإسلامي بأرض الإفرنج، كانت نتيجتها الانتصار على المسلمين بالسهل الواقع بين تور Tours وبواتييه (Poitiers) سنة 114/732م، وهي المعركة المعروفة في المصادر العربية ببلاط الشهداء والتي استشهد فيها الأمير عبد الرحمن الغافقي ومعظم المجاهدين.
وإذا كانت المصادر العربية لم تعطنا ما فيه الكفاية عن أحداث هذه المعركة فإن المصادر اللاتينية راحت تضفي عليها صفة البطولة والقداسة فقد اعتبر أحد رجال الدين الطليطليين عام 133هـ/750م الانتصار في بلاط الشهداء بمثابة انتصار لكامل الإفرنج.
ويدرك الملاحظ للوثائق الكنسية جيدًا أن المؤسسات الكنسية هي التي أعطت صورة أسطورية وتقديسية للمعركة على أساس أنها انتصار لشعب الإفرنج كله وبالأساس تفوق لبنت الكنيسة البكر أي فرنسا فيما بعد. لقد لعبت محاولات الجهل والتغليط دورًا مهمًا في ترويج الأفكار المعادية للمسلمين في كامل أوروبا الغربية وساهم الاتصال الحربي مع الغرب في جعل الفئات الاجتماعية العامة تتقبل الفكرة.
منذ تلك الفترة وحتى القرن الماضي حاول العديد من الكتابات بناء التاريخ الغربي حول نقطة الصراع مع الإسلام، بمعنى أنه ليست هناك أوروبا بدون بلاط الشهداء وشارل مارتل هذه النظرة وإن روجعت مؤخرًا في الدوائر العلمية فإن أثرها لا يزال سائدًا على مستوى أجهزة الإعلام كما فعلت منذ سنوات القناة الأولى للتلفزة الفرنسية.
من بلاط الشهداء إلى القديس يعقوب رحلة الصليب إلى دار الإسلام
لم تنه معركة بواتييه أو بلاط الشهداء عمليات الفتح بأوروبا الغربية، فقد تابعت سرايا الفتح الإسلامي عملياتها بالجنوب الفرنسي، ففتحت أفينيون (Avignon) سنة 216هـ/734م وتواصلت الغارات على منطقة البورقينيون ( (La Bourgogne ينتقل بعدها الهجوم على السواحل الإيطالية بعد فتح أسد بن الفرات لصقلية سنة 214/829م. في خضم هذه الحملات العسكرية نما بالغرب فكر عدواني شرس ضد المسلمين جسدته فيما بعد الهجمات الصليبية ببلاد الأندلس وصقلية وسواحل المغرب والشام، بالرغم من التقارب الذي سجل بين شارلمان وهارون الرشيد. لقد عاش الغرب في متاهات زرعها التفكير اللاهوتي للكنيسة التي أعطت تفسيرًا قدسيًّا لنكساتها بالزعم أن القديسين الموتى شاركوا في المعارك لنصرة الصليب. هذه الإشاعات الكنسية تبناها الملوك والأمراء في إطار ما عرف بالحرب المقدسة، لكن ما يلفت الانتباه هي قصة القديس يعقوب ( Jacques de Compostelle) التي كانت حاسمة فيبناء روح الحقد المسيحي ضد المسلمين قبل بداية الحروب الصليبية بالشام.
كما ذكرنا فإن بعض المسيحيين لجؤوا إلى المناطق الجبلية الشمالية حيث أسسوا مملكة عاصمتها أوفييدو (Oviedo) مع بداية القرن التاسع الميلادي وتزعم الأسطورة، أنه تم اكتشاف جثة «الحواري» يعقوب بساحل قليس (Galice) الواقع بشمال غرب الأندلس، وقد نقلت الجثة بمعجزة عن طريق لوح في البحر، تزعم الأسطورة أنه تم تحديد وجود هذه الجثة بواسطة نجمة إلهية ومن هنا جاء اسم Campus Stellae الذي حول إلى كمبوستال (Compostelle) للدلالة على حقل النجمة. لقد نسب لهذا القديس عملية «تمسيح» الأندلس قبل مجيء الإسلام إليها، ومن هنا كانت نقطة بداية المجموعات المسيحية التي استقرت حول الضريح المزعوم للتحضير لاسترداد الأندلس من يد المسلمين. هذه المجموعات استفادت من استقرار الزوار المسيحيين القادمين من كافة أوروبا الغربية بالمنطقة وانتظمت على شكل ممالك مستقلة في ليون (Leon) ونافار (Navarre) أدرك الوزير الأموي المنصور بن أبي عامر خطورة ما شكلته المعجزات اللاهوتية المنسوبة للقديس يعقوب من دور في إشعال الحروب ضد المسلمين فقام بتنظيم حملة عسكرية إلى كومبوستال عام 386-997م وشرد منظري العدوان لكنه لم يحطم الضريح احترامًا لوضعية أهل الكتاب في الأندلس الإسلامية. لكن الإعلان عن مهاجمة المكان أثار روح التعصب للصليب وألهب ضمائر المسيحيين لمهاجمة بلاد الإسلام. لقد ألهب اللاهوت المشاعر، فهو يقدم القديس يعقوب على أنه رجع من موته لمحاربة المسلمين، وفي هذا الجو العام اندلعت حملات شاملة ضد دار الإسلام من الأندلس إلى الشام وهو ما شكل مرحلة أخرى لتعامل الغرب المسيحي مع الإسلام اتسمت بخروجه من أرضه ومهاجمة من اعتبرهم وثنيين وشياطين وسحرة في عقر دارهم. إنها ببساطة بداية الاعتداءات على الإسلام والتي ما زالت مستمرة إلى يومنا هذا حتى وإن تطورت أشكالها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل