العنوان صراع الثقافات في المغرب العربي
الكاتب يحيى أبو زكريا
تاريخ النشر السبت 12-مايو-2001
مشاهدات 68
نشر في العدد 1450
نشر في الصفحة 46
السبت 12-مايو-2001
على الرغم من أن الدول المغاربية مجتمعة قد نالت استقلالها السياسي قبل ثلاثين سنة، وحظيت بالفكاك التام عن السيطرة الاستعمارية الفرنسية، إلا أن المتأمل في المشهد المغربي الثقافي والسياسي والاقتصادي والحضاري- بشكل عام- يدرك أن الحركات الاستقلالية في المغرب العربي لم تحقق أهدافها الكبرى وخصوصًا إذا علمنا أن اللغة الفرنسية مازالت سيدة الموقف في هذه المنطقة من العالم العربي، وأن كبريات الصحف المؤثرة ناطقة باللغة الفرنسية، وعدد مشاهدي القنوات الفرنسية من سكان المغرب العربي تجاوز الـ٧٠%، حسب ما تذهب إليه دراسة فرنسية، أوصت بوضع آلية ميدانية لربط سكان المغرب العربي بوسائل الإعلام الفرنسية المرئية منها على وجه الخصوص، والأخطر من ذلك أن بعض القنوات ذات الارتباط باللوبي اليهودي على دراية بهذه الإحصائية تتعمد بث أفلام خليعة موجهة إلى المغرب العربي، الأمر الذي أسهم في مزيد من التحلل في الواقع الاجتماعي، خصوصًا في ظل أزمة السكن وتأخر زواج الشباب والشابات بسبب تردي الوضع الاقتصادي بشكل عام.
وتعتبر المراكز الثقافية الفرنسية في المغرب العربي من أنشط المراكز في الترويج للثقافة الفرنسية والتمكين لها خارج فرنسا، وفي الوقت الذي تباع فيه في المغرب العربي كل الإصدارات الثقافية والفكرية من كتب ومجلات ودوريات وأشرطة سمعية وبصرية فرنسية، فإن نسبة ما يستورد من العالم العربي من مطبوعات عربية لا يتجاوز ١٠%، وهذا الأمر جعل الأنتليجانسيا المتفرنسة في المقدمة لجهة اطلاعها على المستجدات والجديد في مجال العلوم والثقافة والفكر، أما النخبة العربية فهي تناضل في سبيل إحقاق التواصل بينها وبين النخبة العربية المشرقية.
وعلى صعيد الإعلام المغاربي الناطق بالفرنسية الذي يتلقى الدعم المادي مباشرة من السفارات الفرنسية في المغرب العربي، ومن الجهات السياسية والاقتصادية النافذة، ومن منظمة الفرانكفونية العالمية التي تقف وراءها فرنسا، نجد أنه أكبر أداة من أدوات فرض السيطرة الفرنسية، ففي الجزائر مثلًا من بين اثنتي عشرة صحيفة يومية اثنتان منها فقط ناطقة باللغة العربية، أما بقية الصحف فكلها ناطقة باللغة الفرنسية، ومعظم الإعلانات تذهب إلى هذه الصحف الفرانكوفونية، أما الصحف العربية فهي تعيش الضنك المادي وقلة المادة الإعلانية التي يتم توزيعها لاعتبارات أيديولوجية، هذا عدا فترة بث نشرة الأخبار باللغة الفرنسية، وقناة إذاعية بكاملها ناطقة باللغة الفرنسية، وهذا الأمر ينطبق على تونس والمغرب وموريتانيا، ففي موريتانيا- على سبيل المثال- نجد أن الفرنسية هي الطاغية على مقومات الوضع الثقافي والاقتصادي والسياسي، بالرغم من أن مظاهر القبلية ومقومات المجتمع التقليدي لاتزال سائدة هناك.
إن الثقافة العربية تجد نفسها محاصرة من قبل الفرانكوفونية، والثقافة الغربية الزاحفة مع العولمة ذات الصبغة الأمريكية، ولم تقم وزارات الثقافة في المغرب العربي بخطوات ملموسة في سبيل تكريس الثقافة العربية والرقي بها، بل إن هذه الوزارات برعت في شيء واحد فقط هو إقامة حفلات الطرب، ودعوة المطربين من كل حدب وصوب من الجيل القديم والجديد، وتسخير أموال الدولة على هذه الأمور، الأمر الذي انعكس سلبًا على الثقافة العربية، وجعل الثقافات الأخرى- وتحديدًا الفرنسية- تتقدم بسرعة الصاروخ خصوصًا أن وراءها دولة تعد الخامسة عالميًّا ولها إستراتيجية ثقافية، وتخصص للثقافة أضعاف ما تخصصه لوزارة الدفاع، ويقول المدافعون عن هذه التوجهات الثقافية إنها ضرورات العولمة والانفتاح الحضاري، لكن السؤال الذي يجب طرحه وتكرار طرحه هو: لماذا تقتضي العولمة أن نتخلى نحن عن قيمنا وشخصيتنا، فيما هم يتمسكون بقيمهم ويصدرونها إلينا بعناوين براقة؟.