العنوان صد... الهجوم الشيوعي على... القرآن الكريم
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يونيو-1973
مشاهدات 15
نشر في العدد 153
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 05-يونيو-1973
مرحبًا بك. فيما يلي النص بعد تصحيحه وتنظيمه بشكل احترافي ومهذب، مع مراعاة
كافة الضوابط والتعليمات المحددة:
القرآن عقيدته وتعاليمه
- سياسيًّا: الشيوعية أصبحت مبررًا فلسفيًّا.
- علميًّا
وموضوعيًّا: الكتاب الشيوعي حطم المنهج،
والمغالطة، والخرافة، والاعتماد على المصادر الأجنبية. هذه هي طريقة الكتاب
الشيوعي في إثبات الإلحاد!
حين يجد المرء نفسه في موقف المتحدث حول أخطر قضية من قضايا الوجود – حول
العقيدة الإلهية وحول كتاب الله – يشعر برهبة شديدة إزاء كل كلمة تصدر عنه.
إن عاطفته الإيمانية قد تغلب على عقله أمام خصم جاهد يفكر ببدائية لا مكان
فيها للكيانات والطاقات الإنسانية الأخرى؛ كالضمير والأخلاق ونداءات الفطرة.
وإن أساليب خصمه الخبيثة واللاأخلاقية قد تجره إلى الهبوط إلى هذا المستوى،
فيتردى في هاوية بعيدة عن منهجية ديننا في البحث، ويتحول إلى محامٍ فاشل عن قضية
عادلة.
وإن الحق الواضح الذي يراه وتصرخ به أعماق معرفته، ثم التجني والأخلاق
الواضحين اللذين يلمسهما في الكتابات المعادية التي أمامه؛ إن هذا التناقض بين ما
يعرف وبين ما يرى أمامه قد يجعله يخرج عن حدود الهدوء العقلي، والبرود المصنع،
والتظاهر الآثم بموضوعية لم يسر أدعياؤها في طريق الموضوعية الحقيقية خطوة واحدة.
إن هذه الوضعيات التي تكتنف المرء وهو بصدد الحديث عن قضية الدستور الإلهي،
تجعل مهمة الكاتب صعبة، وتجعل مقياس نجاحه هو تخطيها كلها بمخاطبة الناس – على
الرغم من اعتداءاتهم الصارخة على الحقيقة – بالتي هي أحسن.
ولقد كان أسلافنا رحمهم الله يتوفزون، ويصلون ركعات نافلة، ويستغفرون الله
ويستعينون به عشرات المرات قبل الإقدام على التمسك بالقلم، كيلا يكتبوا بقلمهم ما
لا يسرهم أن يروه يوم القيامة؛ وهذه هي أمانة الكلمة.
وهذا هو الفرق بين منهج الأديان – التي هي الإسلام وحده – وبين المناهج
الارتجالية البشرية التي لا تطمئن لقيمة الكلمة، ولا تشعر بمسؤولية نجاحها.
ظروف وملابسات هامة
لقد كان للاجتماع الذي تم بين بريجنيف ونيكسون أثره في طرد الروس تقريبًا من
المنطقة العربية، وفقًا للتفسيرات الاستراتيجية التي تم رسمها بين الطرفين. ومما
يرجح أن ارتباط أمريكا بالمنطقة ارتباط مصيري، ليس فقط من أجل إسرائيل ولكن –
أيضًا – من أجل «الطاقة» التي لا تستطيع أمريكا الاستغناء عنها بحال من الأحوال.
وعلى مستوى العالم العربي – والإسلامي كذلك – بدأ الروس الذين يسعون إلى
الترويض وتجميع علاقاتهم بالدول الأوروبية الرأسمالية وبأمريكا، بدأوا وكأنهم
يخرجون من المنطقة – بعد أن أداروها سياسيًّا – دون أدنى مقابل اقتصادي أو
استراتيجي أو اجتماعي أو ثقافي للاستعمار الروسي العلمي في البحث.
وبدا العرب -الذين جردوا من السلاح في أحلك ظروفهم- بداوا مع هذا وكأنهم قد
نالوا حريتهم، وأصبحوا أقدر على الحركة في مجال السياسة العالمية. والمهم بدا
العرب وكأنهم في الطريق إلى تناسي المهاترات الماركسية التي تقسمهم إلى رجعيين
وتقدميين وعملاء وقوميين وما إلى ذلك.
وإزاء هذا كله، لم يكتف الروس بما جلبوه للعرب من تعاسة وانقسامات وهزائم،
ولم يرضوا بهزيمتهم السياسية والأيديولوجية التي تحطمت أمام قلاع «القرآن» القوية،
لم يرضوا بهذا كله فراحوا يبحثون عن أية محاولة للسلب، وانساقوا انفعاليًّا
وهستيريًّا إلى إصدار كثير من النشرات كان من بينها هذا الكتيب الذي نتعرض له
اليوم بالمناقشة «القرآن. عقيدته. وتعاليمه»، والذي ركزت «المجتمع» على خطورته في
العدد الماضي، ووعدت القراء بنقده.
ومن الجدير بالانتباه أن الروس قد حاولوا الدخول من نفس الباب في الأسابيع
القليلة الماضية لكن بطريق عكسي، أعني بطريق «مدح القرآن» في مجلة يصدرونها إلى
العالم الإسلامي تدعى «المسلمون في الشرق السوفياتي»، وقد كشفنا حقيقة هذه المجلة
في العدد 150 الصادر بتاريخ 13 ربيع الثاني 1393 من «المجتمع».
وعندما وضح عقم هذه الأساليب، ولم يقبل العالم الإسلامي محاولات التقرير
والتضليل الشيوعيين للاقتناع بمهادنة الشيوعية للإسلام بالذات، عندما وضح هذا أخرج
الشيوعيون ما بحوزتهم من كلمات السباب للقرآن الكريم.
وهكذا يتناقض الشيوعيون مع أنفسهم منذ البداية. إن القضية بالنسبة إليهم
قضية بقاء في قلب العالم العربي للاشتراك في نهب ثرواته من أي طريق.
إنها ليست قضية فكر أو عقيدة؛ لأنهم أساسًا قد باعوا عقيدتهم منذ زمان بعيد
على مائدة المفاوضات مع قوى المعسكر الرأسمالي «راجع ما كتب في المجتمع حول هزيمة
الفلسفة الشيوعية عدد 149» «وما كتب في العدد 151 حول رحلة العودة بالنسبة للصين».
هذا أول ملحظ نلفت إليه النظر حين نحاول الولوج إلى مناقشة هذه «الهلوسة»
الروسية.
ولا يظنن قارئ أننا نخرج عن دائرة العلمية حين نستعمل كلمة «هلوسة»، فحين
يطالع الفقرات التي سننقلها إليه من هذا الكتيب، سوف لن يجد -مثلما لم نجد-
مصطلحًا آخر للتعبير عن هذا الاستخفاف بالحقيقة، وبعقول الناس.
ومن الملابسات الجديرة بالتأمل: «المؤلف نفسه».
نعم، المؤلف نفسه «ن . أ . محيي الدينوف»، السكرتير السابق للجنة المركزية
للحزب الشيوعي في أوزبكستان، والسفير الحالي للاتحاد السوفياتي في الجمهورية
العربية السورية.
و«محيي الدين» -كما نرى- من إحدى قلاع الإسلام الخطيرة التي محا شخصيتها
الإسلامية الاحتلال العسكري السوفيتي من أوزبكستان.
ومن حقنا أن نتخيل كيف يصل واحد ينتمي إلى أسرة مسلمة وله جذور إسلامية
ويحمل اسمًا إسلاميًّا محرفًا على الطريقة الروسية، من حقنا أن نتخيل كيف يمكن أن
يصل إنسان بهذه الصفة إلى سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في ولاية كبرى
كأوزبكستان:
- إنه أولًا لا بد
أن يثبت بكل الطرق أنه بريء من رواسبه الثقافية السابقة، بمعنى آخر: لا بد أن
يثبت للنظام الشيوعي المحتل أنه «ماركسي» أكثر من ماركس نفسه.
- وهو كذلك لا بد
أن يثبت للنظام والأيديولوجية ولاءه المطلق لكي يستطيع أن يرقى في المناصب
التي وصل إليها فعلاً، وبالطبع ستكون هويته السابقة، التي هي «الإسلامية»،
أول القواعد المنتظر منه مهاجمتها تقربًا إلى الحكام المتظاهرين مثله
بالشيوعية، وكلهم منها براء وكلهم يتخلص منها بطريقته الخاصة وبسلوكه الخاص.
- وهو أيضًا -وعبر
مراحل تدرجه- لا بد أن يتحول إلى عميل للنظام ضد أبناء دينه، لا بد أن يثبت
أنه الرجل الأول الذي يعتمد عليه في حرب أبناء ملته ومشاعرهم، أعني في حرب
المسلمين الروس المنكوبين الذين سحقهم الاستعمار الشيوعي بالتواطؤ مع
الصليبية الأمريكية واليهودية الدولية.
وبإيجاز شديد: إن هناك ظروفًا غير موضوعية دفعت «محيي الدين» أو محيي
الدينوف لانتهاج هذا النهج غير العلمي وغير الموضوعي؛ ظروفه «كروسي» يحكمه أقسى
نظام إرهابي في التاريخ، وظروفه الشخصية «كوصولي» يريد السلطة ولو على أشلاء
الحقيقة، وأشلاء بني دينه المنكوبين وآمالهم وآلامهم.
ونترك ملابسات أخرى لندلف إلى ما أسماه «محيي الدينوف» «القرآن. عقيدته
وتعاليمه».
وهو يعني «القرآن: عقيدته وتعاليمه» في حوار نرجو أن يكون على مستوى
مبادئنا، نحن أبناء القرآن الكريم الذي علمتنا آياته الواضحات أروع مناهج الحوار:
﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ
عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ
إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
(الأنعام: 108).
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ
وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ﴾ (النحل: 125) ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ
أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القلم: 7)
صدق الله العظيم.
القرآن: عقيدته وتعاليمه «منهج غير
علمي»
في البداية، وبعد قراءة هذا الكتاب نجد أمامنا عدة ملاحظات هامة:
أولًا: اعتماد الكلمات القديمة والمكررة
اعتماده الكلمات القديمة والمكررة في الفكر الماركسي كله، وهي تلك الكلمات
التي تبدأ برفض الحوار الموضوعي والعلمي مع الأديان -وعلى رأسها الإسلام- فالأديان
ابتداءً «أسطورة، خرافة، أفيون، تؤيد طبقات، وتعمل لمصلحة طوائف، تبرر القسوة
والاضطهاد الطبقي، صناعة بشرية، متناقضة - رب الإسلام واحد من الآلهة عند العرب
القدماء. معلوماتها العلمية بدائية متخلفة خيالية، مجرد قصص وعظية... إلى آخر هذا
السبيل».
ويرى القارئ معنا أن كل هذه دعاوى عامة كلية غير علمية وكلها تحتاج إلى
دليل، كما أن أبسط مسلم بقواعد الإسلام يدرك إسفافها وبعدها عن واقع الإسلام.
وأمام حشد كهذا من الكلمات المبهمة يبدو الناقد تائهاً في غمرة من فيضان
السباب الذي لا يملك إزاءه إلا الشعور بالازدراء والشعور بالرثاء لهذه العقول التي
لا زالت تصر على أن تردد كلمات العلمية والمنهجية. هل من العلم هذه الأحكام العامة
التي لا تزيد عن كونها مجرد سباب وشتائم لا تقوم على أي أساس ولا يبذل في الإدلاء
بها أي جهد؟
ثانيًا: عدم الرجوع إلى المصادر
الإسلامية
لم يرجع المؤلف إلى أي كتاب من كتب الإسلام المعتمدة، وليس ثمة من مصدر
استقى منه معلوماته غير هذه الأقلام التبشيرية والتنصيرية «شتاينين ـ ج. ويل ـ أ.
سيرينجر ـ ف. بورات ـ أ. رودول ـ ج. جريم ـ ت. نيلدكه ـ ف. شاتليه ـ بلتشار ـ
بوركوشكوفسكي».
فهل يمكن أن يعترف أي منهج من مناهج البحث العلمي بمثل هذه الطريقة في
البحث؟ وهل أخذ الأكاذيب من أفواه التنصيريين والمبشرين يعتبر نهجًا سليمًا في
البحث حول المصدر التشريعي والحياتي الأول للمسلمين؟ وهل يقبل «محيي الدينوف» ـ من
خلال الاعتماد على الكتابات الأمريكية ـ أن نحكم على الماركسية؟!! أو نحكم على
الرأسمالية دون رجوع إلى مصادرها الاقتصادية والفلسفية اكتفاءً بالاعتماد على
المصادر الشيوعية؟ أليس هذا تناقضًا مجافيًا ونوعًا من الرجعية العلمية لابتسام
ضوابط شروط «الأكاديمية» في البحث؟
ثالثًا: الاعتماد على الآراء الشاذة
كان اعتماد المؤلف في آرائه على تحري الخروج وحدها، بحيث لا يستقي معلوماته
إلا من آراء شاعر سكران مشوه، أو من كلمات واستشارات لا تستقر في الإسلام لكنه
يعمل لحساب النظريات المنهارة. ولم نجد عينًا اعتمدها من الآراء إلا آراء بشار بن
برد الذي لقب بالشاعر الخليع، وابن الراوندي (الباطني)، وارتبك ـ في ذلك ـ إثمًا
خطيرًا بذكره كلمات منسوبة إلى أبي العلاء المعري ويعتبرها خروجًا على الشريعة
الإسلامية ورفضًا لها دون أن يفهم مقاصد الفيلسوف وطريقة التفاعل العقلي مع شعره
(راجع أبا العلاء وأسباره للأستاذ محمود شاكر)، ثم نهج الطريقة نفسها مع غيره.
رابعًا: افتراءات وأخطاء تاريخية ودينية
ونحن لن نستطرد في جمع الأخطاء العلمية والتاريخية والدينية المتناثرة في
الكتيب، آملين أن نتمكن من عرض بعضها أثناء تناولنا للقضايا الكبرى التي نلمح فيها
هذه الأقلام التبشيرية الدعية تسيئها، والأسلوب الفوقي الذي تتجه به لخداع
الجماهير وتضليلها.
- ومن ذلك زعم
الكتاب أن القرآن أباح زواج الأطفال وقال من شأن النساء ماديًّا وأدبيًّا (ص
11).
- ومن ذلك زعمه أن
الإسلام يجبر الشعوب ذات المعتقدات الأخرى (المشركين) على اعتناق الإسلام أو
الموت (ص 12).
- ومن ذلك زعمه أن
القرآن ذكر البحر وما يجلب للناس من طعام ونفائس، لأن العرب كانوا قبل
الإسلام ينهضون بالملاحة والتجارة البحرية (والصيد والغوص في البحار بحثًا عن
اللؤلؤ والمرجان)، متجاهلًا قول عمر بن الخطاب في البحر، ومتجاهلًا الطبيعة
الجغرافية لشبه الجزيرة العربية وتجارتهم في رحلتي الشتاء والصيف وابتعادهم
بعدًا كبيرًا عن البحار وفنونها (ص 12).
- ومن هذه المزاعم
الأكثر سخفًا الزعم بأن المعتزلة كانوا ضد القرآن، وأنهم استمروا في عملهم
الجريء فسبوا القرآن (ص 19).
- ومن أبرز هذه
الافتراءات الرديئة قوله إن القرآن أمر بقطع يد السارق إذا سرق ما لا يزيد عن
1/4 دينار حتى ولو كان هذا السارق فقيرًا مهددًا بالموت جوعًا (ص 55). مع أن
عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوقف حد السرقة عام المجاعة (الرمادة) ولم ينفذ
الحد في كثيرين سرقوا جوعًا وعوزًا، بل من حق الإنسان أن يقاتل من أجل لقمته
ـ في الإسلام ـ حفاظًا على حياته إذا منع أحد منه لقمته. وفي ذلك كتب من
إبطال هذه الافتراضات المشحونة.
خامسًا: تحريف النصوص وتبتيرها
ذكر هذا الكتيب كثيرًا من النصوص على أنها من القرآن وما هي من القرآن في
شيء، وذكر بعض النصوص بالمعنى فيوهم الناس الذين يفترض فيهم السذاجة والجهل
بالإسلام، ليوهم هؤلاء بأنها قرآن. وهذا فضلاً عن كونه غباوة فكرية تستكفيها
الشيوعية المغرورة للمقتول دائمًا، فضلاً عن هذا فهو أكبر دليل على إدانة دولة
الشيوعية العتيدة المنهارة، وذلك من بتر النصوص والاعتماد في أحيان كثيرة على
«كلمة واحدة فقط» لتأييد مضمون بسياق مختلف. ويمكن خلال تصفح سريع للكتاب مشاهدة
عشرات من إبطال هذه «الرجوعيات» التي تدين المتاجرين بشعارات العلم والمنهجية منذ
نصف قرن.
وعلى سبيل المثال: صفحات 25، 26، 32، 34، 35، 36، 37، 40، 41، 42 إلخ. إلخ.
سادسًا: الدعاية المغرضة ومهاجمة قيمة
الإنسان
وبين حشد ضخم من الأخطاء نفضح به سطور هذه النشرة الإعلامية، وسط هذا نجد
الدعاية التي تمتهن العقول؛ دعاية ضد الإسلام ودعاية لمصلحة الحزب الشيوعي المسلط
على روسيا بقوة الإرهاب في مقابل سيبيريا.
ومن نتائج هذه الدعاية:
- «إن المثالية
التقدمية الاشتراكية كانت تختلف اختلافًا أساسيًّا عن تلك النصوص في القرآن»
(ص 7).
- «إن القرآن ليس
إلهيًّا». (وبهذه المناسبة حاول الشيوعي المصري عبد الرحمن الشرقاوي إثبات
أن الإسلام دين الفقراء وحدهم، وأنه جاء ليحارب البورجوازية العربية، وذلك في
كتابه عن «محمد رسول الحرية»، وأيضًا حاول الماركسي المصري الآخر «أحمد عباس
صالح» رئيس تحرير مجلة الكاتب إثبات أن الإسلام يساري النزعة لأنه دين
الفقراء والبروليتاريا الكادحة، ونفس المحاولات اجترها تلاميذ مكسيم رودنسون
وكتاب الطليعة المصرية الذين سيطروا على الإعلام في العامين السابقين لنكسة
حزيران 1967م).
- «أن القرآن وضع
الإنسان في مركز ثانوي» (ص 42).
- «أن المثالية
الموجودة في القرآن لا يوجد بينها وبين الإنسانية أي شيء مشترك» (ص 43).
فهل كان القرآن يا ترى موجهًا لغير الإنسان؟ هل كان القرآن موجهًا للحيوانات
والجمادات؟ وألم يكن محمد عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام أروع نماذج إنسانية
عرفها التاريخ البشري حتى في حروبهم؟
وتبلغ الوسيلة الدعائية الرخيصة قمتها في القول بأن «القرآن يقلل من كبرياء
الإنسان ونبله» (ص 41)، وفي القول «بأن نظم الاشتراكية تعبر عن آمال وطموح الطبقات
الشعبية، وأنها أحسن بكثير من الأيديولوجية الإسلامية الإقطاعية المسيطرة» (ص 48).
فهل هناك وسيلة للإعلان التجاري أردأ من هذه الوسائل التي تفتقد أبسط
الركائز التي يقوم عليها الحوار العلمي؟
إن الشيوعيين العرب أنفسهم لا يقولون بهذا. إنهم أنفسهم يرفضون هذا الكلام،
ولا شك أنهم مهما شُلّت قوى الحركة الواعية في بعضهم، فإنهم لا يمتهنون عقولهم ولا
عقول قرائهم لهذه الدرجة.
إنهم على الأقل قد سمعوا من المذياع وهم يمشون في الشارع بعض آيات القرآن
الكريم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ
وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ
زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ﴾ (الكهف: 28).
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ. أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ
يَزَّكَّىٰ. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ.
فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ. وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ﴾ (عبس: 1-7).
ولا شك أنهم قد سمعوا كثيرًا من كتاب الله واقتنعوا أنه أسس قضية المساواة
بين البشر فقيرهم وغنيهم، وحث على إعتاق الرقاب، وحارب استعباد المال للإنسان
واستعماله وسيلة إذلال للآخرين.
نعم، لا شك في أن الشيوعيين العرب يسخرون معنا من هذا العبث الإعلامي، ولا
شك أنهم أقدر على إعمال الفكر من هؤلاء المشلولين في مجتمع إرهابي مشلول القوى
تسحقه قوى متسلطة متألهة، تتغنى بالاشتراكية ووحدة الفقر في الطبقة العاملة.
ونتخطى هذه الملاحظات الجزئية الكثيرة، والتي لا يمكن تناولها وفق منهج محدد
داخلة في إطار قضايا محددة؛ لأن كاتبها عمد إلى بعثرتها كجمل اعتراضية إنشائية وسط
ما حشده من صفحات نشرته الإعلامية، وما ذكرناه من هذه الملاحظات ليس إلا نموذجًا
لنوعية التفكير التي ينطلق منها «محيي الدينوف» السفير لدى بلد عربي مسلم هو
سوريا.
القرآن.. أوثق مصدر في التاريخ
والقضية البارزة التي يمكن تفنيدها بعد هذه الملاحظات العامة حول الكتاب
شكلاً وموضوعًا هي قضية «توثيق النص القرآني».
وفي هذا المقام يرى الكاتب أن القرآن الكريم ليس كتابًا سماويًّا من لدن
الله، وهو في هذا الرأي منسجم مع أفكاره الشيوعية؛ لأنه لا يؤمن بوجود إله أصلاً،
وبالتالي سيصبح القرآن صناعة بشرية من صنع محمد، بل ومؤلفين آخرين! وفي رأيه أن
هذا النص تعرض لتغييرات وتصحيحات وتحريفات على عهد أبي بكر وعثمان وعلى يد الحجاج
بن يوسف الثقفي.
وكما نرى فالرأي مكرور ومستهلك، ونحن لا ننتظر من الشيوعيين الذين لا يؤمنون
بالله ولا بالرسالات السماوية -ابتداءً- أقل من ذلك، بل إننا نعتبر مناقشتهم
لأمثال هذه القضايا تراجعًا لا شعوريًّا عن عقائدهم، ونعتبرها بحثًا عن «عقيدة
بديلة» للظنون والأوهام التي يعيشون فيها. إنهم يرفضون الله فلماذا يجادلون في
جزئيات من أمثال جمع القرآن أو تدوينه؟
وعلى أية حال، فالقرآن الكريم توافر له من الحفظ والحماية ما لا يجسر أي
حاكم أو قوة معه أن تعتدي على حرف واحد من حروفه.
ونقف عند هذه القضية بعض اللحظات:
القرآن هو الكتاب الذي أنزله الله على محمد بن عبد الله، النبي الأمي الذي
لا يقرأ ولا يكتب، وهو «المجموع في المصاحف، المحفوظ في الصدور، المقروء بالألسنة،
المعروف بين الناس».
نزل هذا القرآن منجمًا على الناس «على مكث» تدرجًا في تربية هذه الأمة
الإسلامية الناشئة علماً وعملاً، حتى يسهل حفظه، ويتهيأ لهم استظهاره، ويتمكنوا من
استيعابه وفهمه.
كل آية من آيات هذا الكتاب حفظها الصدر الأول من الصحابة وتلقوها من الرسول،
وكتبها كتاب الوحي من أمثال علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وزيد بن ثابت،
ومعاوية بن أبي سفيان. ولقد عرف الصحابة وذكروا لنا أسباب النزول ومكان النزول وكل
ما ورد حول كل آية من آيات القرآن. ولقد تدارس الرسول عليه الصلاة والسلام القرآن
كله قبل موته؛ تدارسه مع جبريل عليهما السلام.
ولم يكن هذا القرآن كتاب أدب وفلسفة يمكن أن ينسى منه شيء أو تغيب بعض
كلماته أو آياته، لقد كان كتاب عبادة يتعبد به المسلمون في كل لحظة من لحظات
حياتهم؛ يصلون به، ويستفتحون به أيامهم وأعمالهم، ويختمه الواحد منهم كل ثلاثة
أيام، أو كل عشرة، ولا يستحب أن يزيد عن شهر في ختام تلاوته.
كان كتاب عمل ومنهج حياة، وبالتالي كانت لكل كلمة فيه قدسية خاصة.
تسابقوا في العناية به؛ لأن هذا التسابق عبادة، عرفوا مكيه من مدنيه، وعرفوا
خصائص كل تنزيل منه. كانت أول آياته نزولاً بحكمة في غار حراء ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ
رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (العلق: 1-2) سنة 41 من
ميلاده عليه الصلاة والسلام «610م»، وكانت آخر آيات نزلت هي: ﴿الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ
الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3) نزلت يوم عرفة عندما حج النبي بالناس حجة
الوداع، ولم يعش الرسول بعد نزول هذه الآية إلا واحدًا وثمانين يومًا.
اهتم المسلمون بكل حرف من حروف هذا الكتاب وأحصوا كل ما يتعلق به؛ فهو 114
سورة أولها الفاتحة وآخرها الناس، وعدد آياته 6219 آية، وعدد كلمات القرآن 77,439
«كما أحصاها عطاء بن يسار»، وعدد حروفه 320,214 حرفًا (كما أحصاها سلام أبو محمد
الحماني).
كان الحفظ في الصدور هو الطريق الأول والمعتمد لدى العرب ولدى غيرهم كذلك من
الأمم، فكيف ـ وقد أتيح لهذا الكتاب من عناية المسلمين به ما يملؤنا ـ كدستور إلهي
يكفي تحريف حرف منه بالمسلم لإدخاله جهنم ـ كيف لا يستفي دفيناً على نحو يفوق كل
ما وصلنا؟
ومع ذلك فقد كتبوه بكل الوسائل الممكنة؛ على عظام أكتاف الجمال وأصلابها،
وعلى الأوراق، وعلى قطع الجلد وجريد النخل ونحو ذلك.
نعم، أمة بأكملها تقوم على حفظ كتاب اعتبرته رسالتها إلى البشرية واعتبرت
تلاوته عبادة، واعتبرت المساس بحرف من حروفه نوعًا من الكفر لأنه تدخل في شؤون
الله في كلماته.
ولما جاءت حروب الردة وكانت وقعة اليمامة المشهورة وقُتل من قُتل من الحفاظ
للقرآن وحملته، هبت الأمة الإسلامية مذعورة خائفة على الكتاب الذي وهبته حياتها
وباعت من أجله وفي سبيله، وأشار عمر بن الخطاب على الخليفة أبي بكر رضي الله عنهما
أن يكلف رجالاً بجمع القرآن، فكلف زيد بن ثابت مع «جماعة تعينه».
- في أي عصر إذن
جمع القرآن؟ إن القرآن لم يجمع بعد قرن أو
قرنين من الزمان أبداً، بل جمع بعد وفاة الرسول بسنة واحدة.
- ومن قام على
جمعه؟ لقد قامت على جمعه الجماعة نفسها التي حفظته وتعبدت بتلاوته وقدست
كلماته؛ «زيد بن ثابت» أحد كتاب الوحي أنفسهم، و«جماعة مساعدة» له، وتحت عين
الأمة وبصرها، وبدراية أصحاب الرسول وخلفائه والمبشرين بالجنة، وفي حكم الرجل
الثاني في الإسلام والخليفة الأول وثاني اثنين إذ هما في الغار، وبمشورة من
أقوى خليفة في الإسلام «عمر بن الخطاب»، ولقيت الأمة بالإقرار الجميع
والاعتماد عليه وأداء صلاتها به.
ولا يخطئ واحد ـ أو ينسى ـ كلمة أو حرفًا من حروفه إلا وجد مئات يهرعون في
وجهه يذكرونه إن كان ناسيًا، أو يسوون خطأه إن كان مخطئًا.
وكان هذا القرآن إلى ذلك الوقت، وإلى عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه،
مباحًا فيه أن يقرأ دون تجويد لهجة محددة، نظراً لأن لسان الأمة لم يقم بعد على
المخارج القرشية التي نزل بها القرآن وحدها.
هكذا كان شأن القرآن إلى عهد عثمان بتصريح من الرسول عليه الصلاة والسلام،
لكن عثمان رأى أنه حتى هذه الإباحة قد تكون بَذَارَ خلاف، والمسلمون لا يحبون أن
يحملوا إلى الإنسانية شيئًا سليماً مثلما يحبون حماية كتاب الله وتقديمه إلى
الإنسانية كما هو؛ هذه هي رسالتهم الأولى ونجاحها. وبتقدير من الخليفة عثمان
لإبعاد المستقبل أمر بتوحيد هذه القراءات حتى لا تؤدي إلى خلاف.
فجمعت المصاحف ووُحدت على لهجة قريش، وبالتالي أصبح الباكستاني المسلم
والإيراني المسلم والعربي المسلم، أصبح كل واحد من هؤلاء مضطرًا لأن يلتزم بلهجة
واحدة في مخارج الحروف، وأمر الخليفة عثمان بإحراق المصاحف التي دونت على أساس بعض
الإباحات اللهجية.
وأيضًا يمكننا أن نسأل:
- في أي عصر تم
توحيد مخارج النطق بالنسبة للمصحف؟ إنه العصر نفسه
الذي كان فيه جيل الصحابة الذين تلقوا الوحي.
وكان الجيل الذي عايش نزول القرآن لا يزال هو الجيل الذي عايش توحيد
القراءات، إنه لم يحدث تغيير لحرف واحد من حروف القرآن وإلا لتناقل هؤلاء المسلمون
دفاعًا عنه.
ومن يومها، ومصحف عثمان رضي الله عنه هو المصحف الذي تنسخ الأمة في قراءاتها
عليه. ولم يفتر اهتمام المسلمين بالقرآن، بل ظلوا يجعلونه شغلهم الشاغل ورسالتهم
الكبرى للتقرب إلى الله؛ تلاوة، وحفظًا، ودراسة، وتفسيرًا، واستنباطًا للأحكام،
وتجويدًا لأحكام نطقه ومخارج حروفه والمواطن التي يجوز فيها السكوت والمواطن التي
لا يجوز. بل إن العلوم العربية من نحو وصرف وبلاغة ونقد كانت نفحة من نفحاته فضلاً
عن العلوم الشرعية المعروفة التي اهتموا بها اهتمامًا منهم بكل حرف من حروفه.
ويحفظ المسلمون هذا البيت المشهور من الشعر:
والأخذ بالتجويد حتم لازمُ *** من لم يجود القرآن آثمُ
بل إن بعض العلماء حرم قراءة القرآن على من لم يعرف تجويده، واستحبوا لقارئ
القرآن أمورًا أهمها:
1. أن يكون على وضوء.
2. أن يجلس بهيئة حسنة بَـتَـقَبُّـلِ القبلة.
3. ألا يقطع القراءة لشيء من أمور الدنيا.
4. أن تكون قراءته احتسابًا لوجه الله.
5. أن يتدبر ما يقرأ بخلوع وحضور قلب.
ثم توالت جهود المسلمين بعد ذلك فنظموا الأجزاء والأرباع والسجدات، وكان آخر
مظهر من مظاهر عنايتهم به هو تسجيله على الأجهزة الحديثة براملاً سنة 1380 هـ (13
أسطوانة) تباع وتهدى إلى كافة أنحاء العالم.
قلب للحقائق
هذه العناية يعتبرها «محيي الدينوف» زيادات وتكتلات أصابت المصحف، مع أنها ـ
كما نرى ـ لا علاقة لها بالنص، لا حروفًا ولا كلمات.
سواء التجزئة، وسواء توحيد اللهجات، وسواء تقسيمه إلى أرباع وأجزاء ووضع
علامات للسجود عند بعض الآيات، أو وضع تشكيل للكلمات ـ للضبط ـ بعد شيوع اللحن.
هذه كلها في رأي محيي الدينوف ـ كما ذكرنا ـ إضافات، مع أنها مظاهر عناية لم
يحظ بها في تاريخ البشرية كلها كتاب.
إن أمة بأكملها تحرس كتابًا سماويًّا بهذه الطريقة، وإن طوائف بأكملها تعيش
على حماية هذا الكتاب ونقله إلى الأجيال التالية والدفاع حتى الموت عن كل حرف فيه،
وتسمية الخطأ في نطق حرف واحد «لحنًا» وتكفير من ينطق هذا التحريف متعمدًا!
وأخيرًا، إن هذا كله، وعبر مراحل العناية التي ذكرناها بإيجاز شديد جدًّا،
هذا كله يجعلنا نعتبر أي تشكيك في حرف واحد من حروف القرآن هلوسة، وتغيير كلماته
مجرد «هلوسة». وهذا كله يجعلنا نقف بخشوع شديد أمام وعد الله الذي لا يخلف:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل