العنوان صدى أحداث حماة في الصحافة العالمية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1982
مشاهدات 94
نشر في العدد 563
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 02-مارس-1982
الصحافة الغربية تتخوف من احتمال سقوط النظام السوري.
الإعلام الصليبي لا يخفي فرحته بالقضاء على أي حركة إسلامية.
دأب الإعلام الغربي على تشويه معنى الصحوة الإسلامية والتحريض عليها.
إن قليلًا من الادعاءات والأكاذيب لن يستطيع حجب الحقائق اللاذعة.
الآن، وقد دخلت المواجهة بين السلطة وقوات المعارضة الإسلامية في القُطر السوري الشقيق أسبوعها الرابع على التوالي يتساءل المرء: وماذا بعد؟! وتبدو الإجابة عن هذا السؤال محوطة بستار كثيف من الحجب يمنع الوصول إلى الحقيقة بسبب التعمية المستمرة والدائمة من معظم وسائل الإعلام العربية عما يجري في حماة خاصة، مع التزييف الواضح ومحاولة التلاعب بقلب الحقائق ومدافعتها لتصب في التيار الذي تدعمه الاتجاهات العالمية، وهو المتمثل قطعًا في قطع الطريق على أية بادرة لانبعاث إسلامي حقيقي، يطيح بركائز الاستعمارية الدولية على امتداد الوطن الإسلامي في ثلث القرن العشرين.. الأخير؟! ولكن؛ لأن الصحافة الغربية تملك قدرًا أكبر من الحرية النسبية فإن بعضًا من الحقائق يتسرب من خلال تحليلاتها لأخبار مراسليها في الشرق الأوسط ووسائلهم الصحفية من هناك وفي هذه المقالة، سنحاول القراءة لما بين السطور، لنستشف شيئًا من الحقائق، من خلال توقعات المحللين الغربيين وأول ما نلاحظه في المترجمات عن الصحافة العالمية كثافة الاهتمام البريطاني بهذه الأحداث التي تعصف بالمنطقة وخاصة ما يتصل «بالحدث الإسلامي» ولهذا الاهتمام جذور تاريخية يعرفها المطلع على تاريخ «الإمبراطورية العظمى!!» التي حكمت شعوبًا مسلمة كثيرة، ولذلك وجدت نفسها مُجبرة على فهم نفسياتها بدراسة ثقافتها، ولذلك أيضًا تملك الجهات البريطانية «ملفات» كثيرة عن واقع الحركات الإسلامية المعاصرة وطموحاتها مما دفع الولايات المتحدة نفسها إلى الاستعانة «بخبرات» الاستخبارات البريطانية في هذا المجال؟! لهذا كله قرأنا تحليلات كثيرة في الصحافة البريطانية لما يجري في سوريا، ونأتي هنا ببعضها؛ لتكون نموذجًا لما كُتب، ففي صحيفة فايننشال تايمز:
تواجه الحكومة السورية أكبر خطر تعرضت له منذ جاء الرئيس حافظ الأسد إلى الحكم سنة ١٩٧٠، وهي تخوض منذ أسبوعين معركة لاستعادة سيطرتها على حُماة التي هي من أكبر المدن السورية التي انتشر فيها الإخوان المسلمون ومؤيدوهم تُوُفِّيَ المئات في القتال من كلا الطرفين. وأصبح حتى الجيش النظامي الآن يتعرض لنار القناصة وأصبح واضحًا أن أحداث حماة تصاعدت جزئيًا بضراوة الإجراءات الحكومية المضادة للإرهاب.
وتواجه الحكومة سلسلة من الأخطار المتداخلة فقد تطورت حركة الإخوان المسلمين إلى قوة منذ سنة ١٩٧٦ ورفع معنوياتها انتصار المتطرفين المسلمين في إيران.
وقامت الحركة بعمليات اغتيال انتقائية ضد حزب البعث الحاكم في سوريا وضد أفراد الجيش وأثارت هذه العمليات إجراءات مضادة لا ترحم من قِبل النظام وقد أطلق حرس النظام المكون من قوات خاصة بقيادة رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري من عقاله ليتصدَّى لأي ظاهرة من ظواهر المعارضة، وهذا ربما يكون قد خلق من الأعداء بقدر ما أباد، لكن الحكومة بدت مقتنعة في أوائل العام الماضي بأنها كسرت ظهر حركة رجال العصابات المعادية لها.
وظهرت الشكوك حول نجاح الحكومة في سحق الإخوان المسلمين نتيجة لسلسلة من الانفجارات في دمشق في الخريف الماضي، وتظهر أحداث حماة وهي دائمًا من المواقع الحصينة للمتدينين، أنه مازال للإخوان المسلمين تنظيم موجود.
وحوادث حماة أيضًا دليل على الطريقة التي تنمو فيها الطائفية في سوريا وضراوة العداء الديني تجعل سوريا تبدو بصورة متزايدة في مثل لبنان والتذمر الطائفي يمتزج باستياء شعبي من الطريقة التي تدار بها البلاد والخطر الحالي قد يثبت أنه مميت إن عجز النظام عن السيطرة على الجيش الذي جاء به للسلطة.
وتواجه سوريا إضافة إلى المتاعب الداخلية أيضًا احتمالًا قويًّا بأن تهاجم إسرائيل جنوب لبنان رغم محاولات واشنطن لضبط مناحيم بيغن، وقد يثبت أن تلك في مصلحة النظام في سوريا لأنه سيسمح له بدعوة السوريين للالتفاف وراء العلم الوطني مع إدانة أعدائه في الداخل كحلفاء لبيغن فالأزمة التي حدثت في لبنان في العام الماضي عندما هددت إسرائيل بمهاجمة مواقع الصواريخ السورية المضادة للطائرات عززت مراكز النظام في الداخل، وربما يتكرر الأمر نفسه مرة أخرى.
ولكن إذا ذهب النظام الحالي فإنه من الصعب أن يرى المرء كيف يمكن لشخص آخر غير الرئيس الأسد أن يشكل حكومة مستقرة، ويمكن القول في الوقت الراهن أن النزاع قد يتفاقم على الأرجح ويضيف مصدرًا جديدًا من مصادر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
•ونشرت الغارديان تقريرًا لمراسلها في بيروت «ديفيد هيرست» وقد ورد فيه: «ليس معلومًا ما إذا كان الرئيس السوري حافظ الأسد قد قصم ظهر التمرد الأخير الذي يقلقه ويهز أرکان نظامه منذ فترة طويلة.
ففي يوم السبت أعلنت السلطات السورية إنها فكت الحصار الذي كان مضروبًا حول مدينة حماة وإن الحياة تعود إلى طبيعتها كما أعيد فتح الطريق الدولي الذي يمر بالقرب من المدينة لكن رغم هذا الإعلان ماتزال المنطقة مُحرَّمة على المراسلين الصحافيين، وفقًا لتقارير وردت من الحدود التركية فقد أعيد إغلاق الطريق الذي يربط مدينة حماة بحلب وإن المتمردين أعادوا سيطرتهم على الجسر الرئيسي كما انضم عدد من جنود اللواء ٤٧ بمدافعهم إلى مجموعات المتمردين.
وقالت الصحيفة: أن انتصار الأسد إذا ثبتت صحته سيكون في أفضل حالاته انتصارًا باهظ التكاليف لقد كشفت المعارك مرة أخرى النقاب عن قوة المعارضة السريَّة وعجز النظام عن تصفيتها.
وتساءلت الصحيفة قائلة: من يشك في أن جماعة الإخوان المسلمين لو هزمت هذه المرة فستعيد الكرة من جديد؟ فحسابات النظام نفسه للأحداث هي اعتراف بالفشل في سحق حركة الإخوان المسلمين فمنذ صيف العام ١٩٨٠ وقوات النظام تواجه حملة من العنف الثوري من قبل مسلحي الحركات الإسلامية.
وقد أوردت الهدف في 18/2 تقريرًا ترجمته عن الأوبزرفر جاء فيه:
نجا الرئيس السوري حافظ الأسد الأسبوع الماضي من محاولة جيدة التخطيط للإطاحة به لكن ثمن ذلك كان عددًا كبيرًا من الإصابات واتساعًا أكبر من أي وقت مضى للهوَّة التي تفصل بين نظامه ومنتقديه.
وتقول التقارير الواردة إلى لندن أن المعركة الأخيرة في حماة الواقعة في وسط سوريا لم تنجم عن محاولة متعمدة للمعارضة الإسلامية السرية لاستفزاز الرئيس الأسد كي يقوم بعمل مميت، وكان تكتيكها إشعال عصيان في المدن على نطاق يرغم الرئيس الأسد على إرسال قوات نظامية للتدخل لما يترتب على ذلك من خطر التمرد وعصيان الأوامر كما حدث في إيران في أواخر أيام الشاه.
وفي الإرهاب المضاد الذي لا يرحم ضد الحركات السرية الإسلامية اعتمد الأسد على قوة نخبة منتقاة فرديًّا قوامها حوالي٣٠ ألف رجل يقودها شقیقه رفعت الأسد ويبدو أن سياسة المعارضة تهدف إلى إرهاق هذه القوة حتى الحد الأقصى، وقد تم توقيت أحداث حماة التزامن مع اضطرابات على نطاق أصغر في درعا الواقعة في الجنوب واللاذقية على ساحل البحر الأبيض المتوسط لإرغام النظام على تشتيت رجال رفعت.
وسياسة العصيان المدني التي تستهدف ابتلاع وسحق حرس الأسد الجمهوري المحدود لم يتم اختيارها عشوائيًا فسوريا بلد مدن ويعيش في المدن حوالي ستة ملايين من ثمانية ملايين نسمة هم سكان سوريا، وتضم دمشق العاصمة الآن ما يزيد على مليونين ونصف مليون نسمة، وحلب «عاصمة الشمال» ١.٨ مليون نسمة.
بدأت المتاعب الحالية في ديسمبر الماضي بعمليات تفتيش وتدمير عنيفة بصفة خاصة داخل المدن ضد المخابئ المحتملة للإرهابيين والإجراء المميز كان إلقاء قنبلة يدوية داخل أي بيت وإطلاق النار على قاطنيه أثناء هربهم، وكان مقتل قوات الأمن يُثأَر منه فورًا بإعدامات سريعة وغالبًا عشوائية والمشاعر في حماة أثيرت بصورة مفهومة واستغل المتمردون هذا الغضب ليستولوا على مركز المدينة في الثاني من فبراير الجاري ويحتلوا المباني الحكومية والمطار ويعدموا المسؤولين الحكوميين ومسؤول الأمن.
وردت الحكومة بعزل المدينة وقصف الأحياء التي يحتلها المتمردون بإرسال مشاة للقيام بعمليات تفتيش من بيت لبيت، وتزعم المعارضة أنه أثناء سفك الدماء انضمت عناصر من الجيش إليها لكن ذلك لم يتأكد من مصادر مستقلة.
والحركة الإسلامية السرية في سوريا تثبت أنها من أكثر الحركات السرية إصرارًا وقوة التي شهدها الشرق الأوسط العربي مؤخرًا، ولا يُعرف إلا القليل عن الحركة لفعالية أمنها، كما أن هويات قادتها مجهولة وتنظيمها وعضويتها سريَّان، وواضح إنها تستطيع الاعتماد على عدد كبير من الشباب المسلحين جيدًا المستعدين للموت من أجل قضيتهم.
وفي تقرير آخر عن التايمز البريطانية نشرته الوطن في ۱۹۸۲/۲/۱۹ جاء ما يلي:
ينبغي التعامل بحذر مع التقارير الواردة من سوريا عن معارضة النظام الرئيس حافظ الأسد لكن وزارة الخارجية الأميركية التي اتهمتها دمشق بـ«المبالغة» ربما لا تكون بعيدة عن الصواب في تقديرها لأحداث حماة والمدن الأخرى فالإخوان المسلمون قاموا بصورة واضحة بعرض للقوة مؤثر جدًّا إلى حد أن إجراء حكوميًّا مضادًّا واسعًا لم يسحق المقاومة كما يتضح حتى الآن.
لقد كانت المعارضة المسلحة للإخوان المتطرفين مستمرة وحسنة التنظيم طيلة سنوات مما اضطر نظام الأسد إلى اللجوء لإجراءات شديدة في محاولة لاجتثاث هذه المعارضة، ويقال إن التطرف الإسلامي طال بتأثيره القوات المسلحة التي تمثل قاعدة القوة الخاصة بالرئيس السوري، وبذلك اضطر للاعتماد على «الألوية الخاصة» التي يقودها شقیقهُ رفعت الأسد، وبالحكم من تقارير تحدثت عن وقوع انقلاب فاشل الشهر الماضي امتد الاستياء إلى ضباط الأقلية مصدر النخبة السورية، الذين نعروا من مدى وكثافة الشعور المعادي لهم.
ويوجد إغراء للقول إنه ما دام الرئيس الأسد قد اتخذ موقفًا راديكاليا في العالم العربي ويقيم تحالفًا رسميًّا مع الاتحاد السوفييتي فإن رحيله عن المسرح ربما يسهل الأمور الحقيقة، إن العكس هو الصحيح بالتأكيد تقريبًا وطالما ظل نظام الأسد مزعزعًا لا يمكن لا لإسرائيل ولا للدول العربية أن تتوقع الكثير غير التكتيكات السلبية والمثيرة للعراقيل من دمشق، ويكمن الخطر في أن إسرائيل قد تستغل ضعف سوريا، وهي تراها ممزقة ليس فقط بالاضطراب الداخلي بل وبالخلافات مع جيرانها العرب في الأردن والعراق، لتشن غزوًا واسع النطاق لجنوب لبنان يستهدف مسح القواعد الفلسطينية وهي تفترض أن العرب سيظلون عاجزين حيال ذلك كما عجزوا حيال ضم إسرائيل لمرتفعات الجولان.
وفي الصحافة الفرنسية نقرأ تحليلًا آخر لوكالة الأنباء الفرنسية جاء فيه:
«وقعت سوريا بدورها بعد إيران ومصر فريسة لمد جديد من حمَّى التطرف الإسلامي وتبرز أحداث حماة اتساع نطاق هذه الظاهرة التي تبدو تعبيرًا عن أقوى معارضة في الدول الإسلامية حيث تكمم أفواه المعارضة، ويحق للمتشددين المسلمين سواء اعتبروا منقذين أو مخربين أن يفخروا بأنهم أحرزوا نصرًا خلال ثلاثة أعوام قد يغير الخارطة السياسية للشرق الأوسط المعقل التاريخي للإسلام ومحط أطماع الدول الكبرى بسبب ما يحفل به من ثروات كامنة في باطن الأرض.
ورغم شدة إثارة هذه الظاهرة إلا أنها ليست ظاهرة حديثة أو متجانسة، ففي عهد الاستعمار كان الإسلام كفكْر سياسي وراء حركة الكفاح من أجل الاستقلال الوطني. وكانت جماعة «الإخوان المسلمين» ومؤسسها الشيخ حسن البناء من أشد الجماعات المناضلة ضد الوجود البريطاني في المنطقة، وبعد هذا التشدد الإسلامي الذي ينظر إليه مؤيدوه على أنه عامل تجديد بينما ينظر إليه خصومه على إنه عودة للخلف.. يعتبر الحافز على حدوث استياء شعبي عميق، غير أن وراء هذا التشدد الإسلامي نوعًا من الارتياب تجاه الأيديولوجيات الكبرى الحديثة الماركسية والليبرالية التي أعلن المتطرفون المسلمون إفلاسها إلى جانب نفورهم الشديد من الطبقات القيادية التي يعتبرونها فاسدة، وفي ظل عداء معلن تجاه القوى العظمى والتي يمثلها في نظرهم الاتحاد السوفييتي الملحد والولايات المتحدة المتواطئة مع عدوهم اللدود إسرائيل التي اغتصبت فلسطين والأراضي المقدسة في القدس وإذا ما كان يمكن تفسير البعثات ظاهرة للتطرف على نطاق متزايد في سنوات السبعينات بعدة أسباب سياسية واقتصادية وروحية فإن القادة المسلمين أنفسهم عملوا في بعض الأحيان ولاعتبارات محلية على تسهيل عودة هذه الظاهرة من جديد»...
إننا نعتبر هذه النماذج التي أوردناها كافية للدلالة على التوجه الصحيح للإعلام الغربي عمومًا تجاه أي حدث يقع في منطقتنا الإسلامية، وإذا رجعنا إلى مقال الإعلام العالمي ومحاولاته الدائبة لتشويه الصحوة الإسلامية في العدد الماضي لوجدنا كل ما أشرنا إليه هناك من خصائص وتوجهات عن الإعلام العالمي موجودًا في هذه النماذج.
وهما في الحقيقة خصيصتان الأولى: التحريض السافر على الاتجاه الإسلامي تحت ستار الموضوعية والتحقيق الصحفي ونقل الأخبار، تحريضًا مكشوفًا يثير الرعب عند الشعوب والحكومات على حد سواء.
والثانية: تشويه المعنى الحقيقي للصحوة الإسلامية بإيراد صورة مُنفِّرة سوداء لوقائع من نسج الخيال ولا حاجة هنا إلى الإشارة تحديدًا في كل مقال لهاتين الظاهرتين، فإن ذلك لا يخفى على القارئ.. اللبيب وحسبنا أننا أوردنا هذه المقتطفات للقارئ الكريم ليطلع على اتجاهات التفكير في الوسائل التي تصنع الرأي العام العالمي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل