العنوان صحابي في أوروبا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2007
مشاهدات 57
نشر في العدد 1772
نشر في الصفحة 42
السبت 06-أكتوبر-2007
يقول النبي ﷺ: «أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا».
إذا مت فأقرئوا على الناس مني السلام، وأدخلوني في أرض العدو فادفنوني تحت أقدامكم حيث تلقون العدو
كان وجودي واحتمال موتي في أوروبا يؤرقني حتى زرت مكانًا أعاد لي توازني، وأصلح بالي وأراح قلبي، وعرفني كيف أجدد نيتي وهدفي هذا المكان تتجلى فيه حكمة الله في خلق الأرض والوصول إلى أطرافها، وشعرت أنني لست وحدي بل سبقني إلى هنا من هو خير مني سبقني وأصر على ألا يرجع من حيث أتى، وتحققت أمنيته في أن يبقى في أوروبا.
ذهبت لإلقاء السلام عليه والدعاء له، ركبت السفينة في بحر مرمرة متجها إلى القسم الأوروبي من إسطنبول مارًّا بالقرن الذهبي المتفرع من مضيق البسفور، قاطعًا أسوار المدينة الغربية لألقاه، كان الطريق إليه حافلًا بأناس عظماء وبسطاء أوصوا بأن يكونوا قريبين منه، وعلى أكناف سكنه تجمعت في غوطة خضراء مثمرة آلاف البيوت البيضاء مزدحمة كأن كل واحد منها يسابق الآخر ليتشرف بالاقتراب منه.
ومررت بالفناء الخارجي لمكانه المبلط بالمرمر، وفي وسطه نافورة جميلة، يحيط بها أسراب الحمام ومجموعات الأطفال تجري، وجماعات الزائرين له في سكينة يسلمون عليه بلا شائبة شرك، والمتوضئون تحت القبة في الساحة والمصلون في مسجده الأوروبي الجميل ذي القبة المئذنتين، يتحركون في تناسق وانسجام وحيوية لا يمكن أن تبدعها ريشة الأعظم فنان.
وصية ذات شأن: لم يكن من زرتُ شيخ طريقة أو قطب صوفية، بل كان إنسانًا فريدًا خرج من يثرب لمبايعة النبي ﷺ بيعة العقبة الثانية بمكة، وبعد وصول الرسول مهاجرًا إلى «المدينة» أقام في بيته شهرًا حتى بني المسجد وبيوته حوله فانتقل إليها، وآخى النبي ﷺ بين هذا الرجل وبين مصعب بن عمير، وشهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله، وحارب مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ضد الخوارج ، ثم جاء إلى أوروبا!
إنه الصحابي الجليل أبو أيوب خالد بن زيد بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي، روى البخاري عن أم حرام بنت ملحان الأنصارية زوج عبادة بن الصامت أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا»، قالت أم حرام قلت: يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: «أنت فيهم، ثم قال النبي ﷺ: «أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم».
فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: «لا».
قال ابن حجر يغزون مدينة قيصر يعني القسطنطينية، وقال المهلب في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر، وجاءت محاولة فتح القسطنطينية عام ٥٢هـ برًّا وبحرًا، وخرج أبو أيوب للفتح.
أخرج الإمام أحمد: أن يزيد بن معاوية كان أميرًا على الجيش الذي غزا فيه أبو أيوب، فدخل عليه عند الموت، فقال له أبو أيوب: إذا أنا مت فأقرئوا على الناس مني السلام، وأخبروهم أني سمعت رسول ﷺ يقول: «من مات لا يشرك بالله شيئًا جعله الله في الجنة»، ولينطلقوا فيبعدوا بي في أرض الروم ما استطاعوا، وفي رواية قال: إذا مت فأدخلوني في أرض العدو فادفنوني تحت أقدامكم حيث تلقون العدو، قال الواقدي: مات أبو أيوب بأرض الروم سنة اثنتين وخمسين، ودفن عند القسطنطينية، وقبره هناك.
وعن الأصمعي، عن أبيه، أن أبا أيوب قبر مع سور القسطنطينية، وبني عليه، فلما أصبحوا قالت الروم: يا معشر العرب، قد كان لكم الليلة شأن؟ قالوا: مات رجل من أكابر أصحاب نبينا، والله لئن نبش، لا يُضرب بناقوس في بلاد العرب، فكان الروم إذا قحطوا، كشفوا عن قبره فأمطروا.
قال ابن كثير: غزا يزيد بن معاوية بلاد الروم، حتى بلغ قسطنطينية ومعه جماعة من سادات الصحابة، منهم ابن عمر، وابن عباس وابن الزبير، وأبو أيوب الأنصاري- رضي الله عنهم أجمعين- فكان هذا الجيش أول جيش غزا القسطنطينية، وما وصلوا إليها حتى بلغوا الجهد.
وأقول: قد يفهم من ذلك أن الصحابي الوحيد الذي تذكر كتب التاريخ أنه دفن في أوروبا هو أبو أيوب، فابن عمر مات بمكة سنة ٧٤هـ، وابن عباس بالطائف سنة ٦٨هـ، وابن الزبير بالحرم سنة ٧٣هـ، وفتح الأندلس كان بعد معركة أبي أيوب بأربعين عامًا.
وكان أبو أيوب يشجع المسلمين ويعلمهم تفسير الآية: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: 195)، كما في الحديث الذي أخرجه مسلم أن أسلم بن عمران قال: كنا بالقسطنطينية، فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، ثم رجع مقبلًا فصاح الناس: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: «أيها الناس إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا بيننا سرًّا: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله هذه الآية، فكانت التهلكة الإقامة التي أردناها».
وفي رواية الترمذي: «فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو».
بين جيلين فأين نحن؟!
كان أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه مقتديًا بالرسول ﷺ ومن معه، وله الأسوة من شهداء مؤتة الذين أرسلهم النبي ﷺ لأول لقاء مع الروم، فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين، فأنشد عبد الله بن رواحة شعرًا يسأل المغفرة والشهادة، وقال:
حتى يقال إذا مروا على جدثي *** يا أرشد الله من غاز وقد رشدا
وكان وجود أبي أيوب في أوروبا من أسباب انتصار محمد الفاتح بعد ٨٠٠ سنة ورغبة الفاتح أن يناله حديث النبي ﷺ الذي رواه أحمد: «لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش».
فكان علماء المسلمين وشيوخهم يتجولون بين الجنود ويقرؤون على المجاهدين آيات الجهاد وسورة الأنفال، ويذكرونهم بفضل الشهادة في سبيل الله، وبالشهداء السابقين حول القسطنطينية وعلى رأسهم أبو أيوب الأنصاري، ويقولون للمجاهدين: لقد نزل سيدنا محمد عند هجرته إلى المدينة في دار أبي أيوب الأنصاري، وقد قصد أبو أيوب إلى هذه البقعة ونزل هنا، وكان هذا القول يلهب الجند، ويبعث في نفوسهم أشد الحماس والحمية.
وقد اهتدى معلم الفاتح الشيخ «آق شمس الدين» بعد فتح القسطنطينية إلى قبر الصحابي الجليل أبي أيوب بموضع قريب من سورها ، فكان من حسنات الفاتح أنه بنى مسجدًا هنالك، وجعل القبر خلف المسجد، حتى يخرج من الحرج الشرعي وكانت عادة العثمانيين- في تقليدهم للسلاطين- أنهم يأتون في موكب حافل إلى هذا المسجد الذي سمي مسجد السلطان أيوب، فيدخل السلطان الجديد إلى القبر ثم يتسلم سيف السلطان عثمان الأول.
لم يكن سهلًا!
في هذه الرحلة الأخيرة إلى إسطنبول، رأيت أيضًا- خارج هذه البقعة المباركة- ما حوت المدينة بفعل السياحة من متناقضات مساجد وملاهي حجابًا وعريًا، ذكرًا ورقصًا، والإسلام الحاضر المتنامي بين ماض مشرف؛ ومستقبل مشرق ماض صنعه الأجداد الذين جاءوا من بعيد وحملوا معهم الأمانة، ومستقبل سيصنعه أولادنا هنا في أوروبا، ولهؤلاء نحكي لهم قصة الصحابي الذي أتى بالحكمة.
نقول لهم: ليس عارًا أن تعيش أو تموت في أوروبا، بشرط أن تعيش وتموت لله، نقول لهم عيشوا من أجل ما عاش عليه أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وموتوا على ما مات عليه، وهو إرسال الحق والدعوة إليه إلى أبعد ما يكون، ترى كم ميلًا قطع أبو أيوب ليصل إلينا هنا في أوروبا لينبهنا عن دورنا؟
المراجع
1- البداية والنهاية- ابن كثير- الجزء الثامن.
2- الكامل في التاريخ- ابن الأثير.
3- الدولة العثمانية: عوامل النهوض وأسباب السقوط- د. علي محمد الصلابي.
4- موقع: «حديث الإسلام»- وزارة الأوقاف السعودية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل