; صاحب المعروف.. وعقارب الدنيا!! | مجلة المجتمع

العنوان صاحب المعروف.. وعقارب الدنيا!!

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 25-سبتمبر-2010

مشاهدات 60

نشر في العدد 1920

نشر في الصفحة 54

السبت 25-سبتمبر-2010

جلس رجل كبير حكيم من أهل الخير على ضفة نهر، وراح يتأمل في جمال صنع الله من حوله، ينظر إلى السماء وارتفاعها، والأشجار والورود وجمالها، والخضرة ونضارتها، والماء الرقراق يجري في النهر.. وبينما هو كذلك لمح عقربا وقع في الماء، وشاهده يتخبط ويقاوم جريان الماء محاولا أن ينقذ نفسه من الغرق!! قرر الرجل أن ينقذ العقرب، فمد يده فَلَدَعْه العقرب، فسحب الرجل يده من شدة الألم!!

 لم تمض دقيقة واحدة حتى نظر الرجل مرة ثانية إلى العقرب، فرقّ قلبه، وأراد أن ينقذه، فمد يده فلدغة العقرب مرة ثانية، فسحب يده وهو يصرخ من شدة الألم.

لم تمضِ سوى دقيقة واحدة حتى أعاد الرجل الحكيم تفكيره في مصير العقرب، فمد يده مرة ثالثة لينقذ العقرب، وكان يجلس بجواره شاب يشاهد ما يحدث، فصاح بالرجل الحكيم: أيها الحكيم، لِمَ لم تتعظ من المرة الأولى ولا الثانية ولم تتعلم، ثم تحاول مرة ثالثة؟!!

لم يكترث الحكيم بتوبيخ جاره، وظل يحاول حتى نجح في إنقاذ العقرب، ثم مشى باتجاه ذلك الشاب، وربت على كتفه وهو يقول له: «يا بُني من طبع العقرب أن يلدغ، ومن طبعي أن أحب وأقدم المعروف، فلماذا تريد لطبعه أن يتغلب على طبعي؟».

كثير من الناس تسدي إليه معروفًا فيقابل معروفك بإساءة!! فهل يردك ذلك عن الإحسان وتقديم المعروف؟!!

 كلا.. فالإحسان دليل على النُّبل، واعتراف بالفضل، وعرفان بالجميل، وشكر لصاحبه وينبئ عن الصفاء والنقاء، وينطق بالوفاء ويترجم الكرم والسخاء، وبالإحسان يخطب الود، ويشيع الحب، ويهذب النفوس، وتهيمن المحبة على القلوب، وتُشفى الصدور. 

الإحسان عطاء بلا حدود، وبذل دون تردد، وإنعام وعطاء دون من وإكرام لا يلحقه أذى.

كيف تبرمج ذاتك على إسداء المعروف؟

 قد يُحبط الإنسان عندما تعترضه معوقات، كأن يُسدي المعروف إلى الناس فيقابلونه بالإساءة، أو يجحدون المعروف وينكرونه ولا يشكرون صاحبه، ومن ثم فإن لم يمتلك صاحب المعروف إيمانًا قويًا فربما تخور عزيمته، ويعرض عن الخير، وحينئذ يجب أن يبحث عن أية وسيلة تجعله صامدًا سائرًا على درب المعروف.

ومن أهم هذه الوسائل:

1- أن يوقن صاحب المعروف بأن إحسانه إلى الناس إنما هو أمر من صاحب الإحسان وهو الله، ومن ثم ينبغي أن يقول: سمعًا وطاعة لك يا صاحب النعم يا مَنْ أحسنت إليَّ. فقد قال رب العزة: ﴿وَأَحْسَن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص:77)، وقال سبحانه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (الرحمن:60).

 ۲- أن يتأمل الفرق الشاسع بين إحسان ربه إليه وإحسانه هو إلى الناس، بل إن إحسان العبد إلى الناس ما هو إلا من إحسان الله إليه، فقد أحسن الله إليه بأن وهبه نعمته كما هداه إلى إسداء المعروف والإحسان، ولله درُّ مَنْ قال:

إلهي إذا ما عشت في الأرض محسنًا

                           فليس بفيض من ذكائي ولا فضلي

فأنت الذي يسرتني وهديتني

                         إلى الخير والإحسان يا واسع البذل

 ٣- أن يردد بلسانه مع استحضار قلبه بعض النصوص القرآنية أو النبوية التي تبرمج ذاته وتثبت نفسه على فعل الخير وإسداء المعروف، فمن ذلك مثلا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبِّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحج:77). وقوله ﷺ: «بينما كلب يطيف بِرَكيَّة قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغيٌ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقَها، فاستقت له به فسقته إياه، فغفر لها به» (رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة)، والمراد بقوله: «موقَها»: أي خُفّها وقوله: الركية: هي البئر. 

4- أن يستحضر صاحب المعروف الثواب والجزاء العظيم الذي وعده به ربه، فإن في ذلك زادًا عظيمًا يتغلب به على قلوب من يحسن إليهم وصلفهم وإساءتهم.

فعلى صاحب المعروف أن يحدث نفسه بنعيم الجنة، وأن الله عز وجل سيحسن إليه ويزيد في إحسانه، بحسب صاحب المعروف أن يتأمل ويتدبر وعد الله في قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (يونس:26).

فمن أحسن في الدنيا أبدله الله الحسنى في الآخرة، فأسكنه الجنة، وتمتع فيها بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ورزقه زيادة هي رؤية وجه الله الكريم.

 رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ هذه الآية ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾(يونس:26) وقال ﷺ: «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى مناد يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون ما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ويبيض وجوهنا؟ ويدخلنا الجنة؟ ويزحزحنا عن النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم»، وصدق رب العزة إذ يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:22-23).

والثواب العظيم في جنة المولى          وفيها يكون الرضا والخلود

كل نفس تحظى بما تشتهيه               حور عين فيها وطلع نضيد

لبن سائغ وشهد مُصَفّى                      ولدى ربك الكريم المزيد

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1367

86

الثلاثاء 14-سبتمبر-1999

استراحة المجتمع (1367)